لم يعد إضراب المحامين في تونس مجرد تحرك نقابي، بل تحوّل إلى مواجهة تتجاوز المهنة لتطال مستقبل استقلال القضاء ودولة القانون، في ظلِّ تصاعد الضغوط على المحامين والمنظمات الحقوقية.
مريم بلحيبة*
في 18 حزيران (يونيو) الفائت، غادر مئات المحامين التونسيين قاعات المحاكم في العاصمة، وتجمّعوا في الردهة الرخامية لـ”قصر العدالة”، المبنى العائد إلى الحقبة الاستعمارية والذي يشكل القلب الرمزي والمؤسسي للقضاء في البلاد. ارتدى المحتجّون شارات حمراء فوق أثوابهم السوداء، ورفعوا أصواتهم مطالبين باستقلال القضاء والإفراج عن زملائهم الموقوفين، في أكبر إضراب وطني ينفّذه المحامون منذ سنوات.
واختصرت إحدى اللافتات جوهر التحرك بعبارة واضحة: “لا لتجاهُل مطالب المحامين، لا لحرمان الناس من العدالة”. فبالنسبة إلى المشاركين، لم يعد الاحتجاج دفاعًا عن مصالح مهنية فحسب، بل عن حقٍّ أوسع يتعلّق بإمكان الوصول إلى قضاء مستقل وقادر على أداء وظيفته بعيدًا من الضغوط السياسية.
ويقول محامون تونسيون إنَّ بلادهم دخلت مرحلة شديدة الحساسية. فبعد أكثر من خمسة عشر عامًا على الاحتجاجات التي أطاحت الرئيس زين العابدين بن علي وأطلقت شرارة انتفاضات “الربيع العربي”، تبدو المكاسب التي تحققت خلال مرحلة الانفتاح النسبي عرضة لتراجُع متسارع. وما كان يُنظر إليه طويلًا بوصفه التجربة الديموقراطية الأكثر صمودًا في المنطقة، بات يواجه أسئلة جدية حول مستقبل الحريات واستقلال مؤسسات الدولة.
وجاء التحوُّل الأبرز في تموز (يوليو) 2021، عندما لجأ الرئيس قيس سعيّد إلى تفسيرٍ مُوَسَّع للمادة 80 من الدستور، وفعّل إجراءات استثنائية علّق بموجبها عمل البرلمان، ووسّع صلاحيات السلطة التنفيذية، ووضع النيابة العامة تحت نفوذ مباشر من الرئاسة. ومنذ تلك اللحظة، بدأ ميزان القوى داخل الدولة يميل بصورة متزايدة لمصلحة السلطة التنفيذية.
ويرى المحامون أنَّ القضاء كان من أبرز المؤسسات التي دفعت ثمن هذا التحوُّل. فقد عزلت السلطات 57 قاضيًا، وحلّت “المجلس الأعلى للقضاء”، وهو الهيئة المستقلة التي أُنشئت بعد سقوط نظام بن علي لضمان التوازن داخل السلطة القضائية، فيما تعرَّضَ محامون مرتبطون بملفّاتٍ سياسية حساسة للملاحقة أو الاحتجاز أو حظر السفر.
ويقول شوقي الحلفاوي، عضو “الهيئة الوطنية للمحامين بتونس” وأحد منظّمي الإضراب، إنَّ استقلال القضاء وحُسن سير المحاكم، إلى جانب إعادة تأسيس المجلس الأعلى للقضاء وإنشاء المحكمة الدستورية، تُشكّلُ جميعها شروطًا أساسية لتمكين المحامين من أداء دورهم. ولا تقتصر أهمية الهيئة الوطنية للمحامين على بُعدِها المهني؛ إذ لطالما مثّلت قوة سياسية وحقوقية مؤثرة، وأسهمت في مراحل مختلفة في الحدّ من تغوّل السلطة التنفيذية.
وتأتي المواجهة المتصاعدة بين الهيئة والسلطة في وقتٍ يجد المحامون أنفسهم تحت ضغوطٍ متزايدة. فالفئة التي أدّت تاريخيًا دور خط الدفاع الأول في مواجهة الاستبداد، باتت اليوم تتعرّض للقيود نفسها التي تواجهها منظمات المجتمع المدني والناشطون الذين دافعت عنهم طويلًا أمام المحاكم. وهكذا، لم يعد الصراع يدور فقط حول استقلال مهنة المحاماة، بل حول ما إذا كان القضاء التونسي سيبقى سلطة مستقلة، أم يتحوّل تدريجًا إلى أداةٍ في يد السلطة التنفيذية.
الطريق إلى الإضراب
لم يكن الإضراب الوطني الذي شهده قطاع المحاماة في 18 حزيران (يونيو) تحرُّكًا مفاجئًا، بل جاء تتويجًا لأشهرٍ من محاولات الحوار التي لم تفضِ إلى أيِّ نتيجة. ففي كانون الثاني (يناير)، رفعت الهيئة الوطنية للمحامين بتونس مذكرة إلى وزارة العدل تضمّنت حزمة واسعة من المطالب، شملت إصلاح أوضاع المهنة، وتحسين ظروف العمل، وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء. غير أنَّ غياب أي استجابة رسمية دفع الهيئة إلى تصعيد تحركاتها تدريجًا، بدءًا بإضرابات إقليمية ووقفات احتجاجية داخل المحاكم، وصولًا إلى الإضراب الوطني الشامل في حزيران (يونيو).
ويقول شوقي الحلفاوي، أحد منظمي الإضراب وعضو الهيئة الوطنية للمحامين، إنَّ اللجوء إلى التصعيد لم يكن الخيار الأول. وأضاف: “بدأنا بالحوار وقدمنا مقترحات واضحة. فالإضراب ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لإسماع صوت المحامين والدفاع عن إصلاح المنظومة القضائية.”
ويرى محامون أنَّ تجاهل السلطة التنفيذية لمطالبهم أسهم في تعميق الأزمة. ويقول المحامي أنس قدوسي إنَّ ما تشهده الساحة اليوم “هو نتيجة مباشرة لغياب أيِّ تفاعُلٍ جدّي مع مطالب مهنة المحاماة”، معتبرًا أنَّ الاحتقان الحالي كان يمكن احتواؤه لو فُتِحَ باب الحوار منذ البداية.
ولا تقتصر مطالب الهيئة على الجوانب السياسية أو القضائية، بل تشمل أيضًا إصلاح أنظمة التغطية الصحية والتقاعد، وتحديث القانون المُنَظِّم لمهنة المحاماة، الذي يؤكد المحامون أنه لم يشهد تعديلات جوهرية منذ صدور المرسوم المنظِّم للمهنة عام 2011، رغم الانتقادات المتواصلة لثغراته. ويؤكد الحلفاوي أنَّ مستقبل التحركات سيُحدد جماعيًا إذا استمرَّ غيابُ أيّ تجاوب رسمي.
المرسوم 54… أداة قانونية أم وسيلة لتقييد المعارضة؟
في موازاة المواجهة المهنية، يقول المحامون إنَّ الضغوط التي يتعرّضون لها أخذت منحى أكثر حدة خلال الأشهر الأخيرة. ففي الخامس من أيار (مايو)، علّقت السلطات التونسية أنشطة منظمة “محامون بلا حدود”، ومقرها بروكسل، لمدة ثلاثين يومًا من دون إعلان أسباب القرار. وجاء ذلك بعد عشرة أيام فقط من تعليق أنشطة “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان”، وهي إحدى المنظمات الأربع التي شكّلت “الرباعي الراعي للحوار الوطني”، الحائز جائزة نوبل للسلام عام 2015 لدوره في دعم الانتقال الديموقراطي في تونس.
وفي الشهر نفسه، أصدرت محكمة حُكمًا بسجن شوقي طبيب، الرئيس السابق للهيئة الوطنية للمحامين والرئيس الأسبق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، لمدة عشر سنين بتهمة تزوير وثائق. وكان طبيب قد تولى خلال السنوات الماضية الدفاع عن عدد من أبرز المعارضين السياسيين للرئيس قيس سعيّد.
كما صدر في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي حكم بالسجن خمس سنوات بحق المحامي والقاضي السابق أحمد صواب، بعد إدانته بتهم تتعلق بالإرهاب، في محاكمة لم تستغرق سوى سبع دقائق، وهو ما أثار انتقادات واسعة داخل الأوساط الحقوقية.
وترى دليلة بن مبارك مصدق، عضو هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين، أنَّ موجة الاحتجاج الحالية تعكس تراكمًا طويلًا من الإحباط داخل أوساط المحامين، وقالت: “الغضب لم يعد يقتصر على المحامين العاملين في قضايا حقوق الإنسان أو الملفات السياسية، بل أصبح شعورًا عامًا لدى كثير من المحامين الذين باتوا يرون أنَّ ممارسة المهنة في ظروف طبيعية أصبحت أكثر صعوبة.”
ويضع كثير من المحامين المرسوم 54 في صلب هذا التحوُّل. فقد أصدر الرئيس قيس سعيّد هذا المرسوم في أيلول (سبتمبر) 2022 تحت عنوان مكافحة الجرائم الإلكترونية ونشر الأخبار الكاذبة، إلّا أنَّ منظمات حقوقية ومحامين يقولون إنَّ تطبيقه تجاوز الغاية المعلنة، ليصبح أداة لملاحقة المعارضين وتقييد حرية التعبير على الإنترنت، بما في ذلك ملاحقة محامين بسبب تصريحات أدلوا بها أثناء ممارستهم عملهم.
ويُعد المحامي العياشي الهمامي من أبرز الأمثلة على ذلك. فقد عرف الهمامي بدفاعه عن المعتقلين السياسيين ومطالبته باستقلال القضاء، لكنه واجه ملاحقات قضائية استنادًا إلى المرسوم 54 بسبب تصريحات أدلى بها خلال دفاعه عن قضاة معزولين. وفي العام الماضي، صدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات في قضية منفصلة تتعلق باتهامات بالتآمر على أمن الدولة، وهي إدانة حذّر خبراء تابعون للأمم المتحدة من أنها قد تُقوّض الحق في الدفاع، باعتبارها تستهدف محاميًا بسبب نشاطه المهني.
وتعزّزت هذه المخاوف مطلع الشهر الجاري، عندما أصدرت أربعون منظمة قانونية وحقوقية دولية بيانًا مشتركًا حذّرت فيه من أنَّ “المحامين في تونس يواجهون الملاحقة القضائية، والاحتجاز التعسُّفي، وحظر السفر، والمحاكمات الجائرة، وأشكالًا أخرى من الأعمال الانتقامية بسبب القضايا التي يتولونها والموكلين الذين يمثلونهم.”
ويقول محامون إنَّ هذه التحذيرات تعكس واقعًا بات يتكرر بصورة متزايدة. فقد ارتفع عدد المحامين الخاضعين لإجراءات جنائية خلال السنوات الأخيرة، فيما يؤكد المحامي كريم مرزوقي أنَّ “تسعة محامين يقبعون اليوم في السجن”، مضيفًا أنَّ جميع هذه القضايا تفتقر، في رأيه، إلى أهم ضمانات المحاكمة العادلة، وفي مقدمتها استقلال السلطة القضائية. ويرى مرزوقي أنَّ الحُكمَ الصادر بحق شوقي طبيب يحمل دلالة خاصة، ليس فقط بسبب قسوته، بل أيضًا لأنَّ الرجل شغل سابقًا رئاسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، التي كانت تمثل إحدى أبرز مؤسسات الرقابة المستقلة في البلاد.
ولا تقتصر الأزمة، بحسب المحامين، على الملاحقات القضائية، بل تمتد إلى التدهور المتواصل في أداء المنظومة القضائية نفسها. وتشير دليلة بن مبارك مصدق إلى أنَّ المحاكم تعاني اكتظاظًا شديدًا، وتأخيرًا مزمنًا في نظر القضايا، فضلًا عن ضياع بعض الملفات، واستمرار الجلسات لساعات طويلة تمتد أحيانًا من الصباح الباكر حتى وقتٍ متأخّر من الليل. كما تبقى قضايا الاستئناف معلَّقة لأشهر، بل لسنوات في بعض الحالات، فيما تتراكم الملفات في مكاتب التحقيق، ويواجه المحامون صعوبات متزايدة في مقابلة المحتجزين أو الحصول على الوثائق الإدارية الأساسية اللازمة لممارسة عملهم.
وتلخِّص مصدق هذا الواقع بقولها: “قد يدخل المحامي إلى جلسة في الصباح من دون أن يعرف متى سيغادرها. وتبقى القضايا معلقة لأشهر أو سنوات، فيما تختفي الملفات أحيانًا أثناء انتقالها بين المحاكم.”
حملة تتجاوز المحامين
ويرى المحامون الذين تحدثتُ إليهم لإعداد هذا التقرير أنَّ ما يواجهونه لا يمكن فصله عن حملة أوسع تستهدف المجتمع المدني ومؤسساته المستقلة. ويشيرون، في هذا السياق، إلى قرارات تعليق أنشطة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمة محامون بلا حدود باعتبارها جُزءًا من الاتجاه نفسه.
ورُغمَ رفع قرار تعليق أنشطة “محامون بلا حدود” في وقت لاحق من أيار (مايو)، فإن الحادثة عمّقت المخاوف من تضييق المساحة المتاحة أمام المنظمات التي تعمل في مجال الدفاع عن الحقوق وتيسير الوصول إلى العدالة. ولم يكن ذلك الإجراء معزولًا؛ ففي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، علقت السلطات أيضًا أنشطة الجمعية الديموقراطية للنساء، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وجمعية “منمتي” (Mnemty)، إضافة إلى الموقع الإخباري “نواة”. وخلال العام الماضي وحده، حُلّت 47 جمعية، فيما جُمّدت أصول 36 جمعية أخرى.
وترى مصدق أنَّ استهداف هذه المنظمات يتجاوز الإجراءات الإدارية أو القانونية، ليطال البنية التي تستند إليها منظومة الحقوق والحريات في تونس. وتقول: “هذه المنظمات تدافع عن الحقوق والحريات كما يفعل المحامون، وتقييد عملها يشكل جُزءًا من مسارٍ أوسع يستهدف كلَّ من يشارك في الدفاع عن الحقوق والحريات.”
ويذهب المحامي أنس قدوسي إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أنَّ ما يجري يعكس تحوُّلًا في علاقة السلطة بالمؤسسات الوسيطة التي لعبت، طوال مرحلة الانتقال الديموقراطي، دورًا في التوفيق بين الدولة والمجتمع. ويقول: “ما يحدث للمحامين ليس منفصلًا عما يحدث للمجتمع المدني. ويبدو أنَّ السلطة الحالية تخوض مواجهة مفتوحة مع الهيئات الوسيطة والمؤسسات المستقلة.”
وخلال سنوات الانتقال الديموقراطي، عمل المحامون جنبًا إلى جنب مع المنظمات الحقوقية على توثيق الانتهاكات، والدفاع عن الضحايا، والطعن في قرارات الدولة أمام القضاء. ولذلك، يرى كثيرون أنَّ القيود المفروضة اليوم على هذه المنظمات لا تستهدف مؤسسات بعينها، بقدر ما تؤدي إلى إضعاف المنظومة الأوسع التي تقوم عليها المساءلة، وحماية الحقوق، وضمان الوصول إلى العدالة.
ويختتم قدوسي بالقول: “السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت المؤسسات التي تحمي الحقوق وتضمن المساءلة لا تزال قادرة على أداء دورها. و ربما تختزل هذه العبارة جوهر الأزمة التي تعيشها تونس اليوم؛ إذ لم يعد الجدل يدور حول مهنة المحاماة وحدها، بل حول قدرة مؤسسات الدولة على الحفاظ على ما تبقى من استقلال القضاء وضمانات العدالة.
* مريم بلحيبة صحافية وكاتبة ثقافية تونسية، تستهويها القضايا التي تتقاطع فيها السياسة والهوية والفن.
