لم يعد التنافُس بين تركيا وإسرائيل يقتصر على تبايُن المصالح أو تضارُب السياسات، بل بات يعكس صراعًا بين رؤيتَين متنافستَين لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، في ظلِّ سباقٍ محموم على النفوذ وبناء التحالفات الإقليمية.
الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي*
تشهدُ منطقة الشرق الأوسط تحوّلًا بنيويًا في طبيعة الصراعات الجيوسياسية، حيث تتجاوز مخاوف إسرائيل من تركيا مجرّد التعامل معها بوصفها “دولة” منافسة، لتصل، وفق تقديرات متزايدة في الأوساط الإسرائيلية، إلى النظر إليها باعتبارها منظومة إقليمية صاعدة قد تُعيدُ صياغة موازين القوى في المنطقة. وفي المقابل، تنظر تركيا إلى إسرائيل باعتبارها أحد أبرز التحديات أمام مشروعها الإقليمي، وهو ما يفسر جانبًا من تصاعد التوتر الاستراتيجي بين الطرفين.
وتنطلق تركيا في هذا الطموح من امتلاكها عمقًا تاريخيًا وجغرافيًا وديموغرافيًا يجعلها لاعبًا محوريًا يصعب عزله، مدعومةً بمؤسسات دولة راسخة وثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويواكب هذا الثقل العسكري تطوُّرٌ مُتسارع في الصناعات الدفاعية الوطنية، تُجَسَّدُ في مشاريع استراتيجية مثل “القبة الفولاذية” والمقاتلات من الجيل الخامس، بما عزّز استقلالية أنقرة الدفاعية وقدرتها على الردع. كما تمتلك تركيا أحد أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم الإسلامي، يعتمد بدرجة كبيرة على التصنيع والإنتاج المُوَجَّه للتصدير.
وتفرض هذه المقوّمات معادلة ردع دقيقة؛ إذ تدرك أنقرة أنَّ أيَّ مواجهة مباشرة مع إسرائيل قد تعني، بصورةٍ أو بأخرى، صدامًا مع داعميها الغربيين، وهو ما يدفعها إلى تبنّي استراتيجية تقوم على التخطيط طويل المدى أكثر من الاكتفاء بردود الأفعال. ومن هنا يبرز التساؤل: كيف تسعى تركيا إلى ترسيخ منظومة إقليمية تُقلِّل احتمالات الصدام المباشر مع إسرائيل، رغم ما تعانيه جبهتها الداخلية من ثغرات قد تحدُّ من هامش حركتها في حال تصاعدت المواجهة؟
المنظومة الإقليمية… رهانُ أنقرة لتوازُن النفوذ
يتجاوز المشروع التركي حدود الجغرافيا الوطنية نحو بناء منظومة أمنية واقتصادية إقليمية متكاملة تقوم على الشراكة مع “الأنداد” من القوى الفاعلة والوازنة في المنطقة، بدلًا من الاعتماد على “الوكلاء” الذين غالبًا ما يرتبط حضورهم بحالات عدم الاستقرار وتفكك الكيانات. وفي هذا السياق، يكتسب التقارب التركي-السعودي أهمية استراتيجية متزايدة، بوصفه أحد المرتكزات التي تعوّل عليها أنقرة في بناء منظومة أمنية أكثر استقلالًا، تتقاطع فيها مصالحها مع كل من الرياض والقاهرة وإسلام آباد في ملفات تتصل بالاستقرار الإقليمي، والتنمية الاقتصادية، والحد من التدخّلات الخارجية.
ومن منظور صانع القرار التركي، يمكن لهذا التقارب أن يغيّر قواعد اللعبة الإقليمية؛ إذ يجعل إسرائيل أمام شبكة من التفاهمات الإقليمية بدلًا من علاقات ثنائية متفرقة، وهو ما قد يعقّد حساباتها الاستراتيجية ويحدّ من هامش تحرّكها المنفرد في عدد من الملفات.
وتتجلّى أبعادُ هذه المقاربة في عدد من ساحات الاحتكاك الحيوية. ففي الملف السوري، تبذل تركيا، بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية وقطر، جهودًا ديبلوماسية لإقناع الولايات المتحدة بأهمية الحفاظ على استقرار سوريا وإعادة بناء مؤسساتها، مع الحد من التدخلات التي ترى أنقرة أنها تُسهِمُ في إضعاف الدولة السورية وتفاقم هشاشتها، بما في ذلك بعض التحرّكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
وفي الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، تبرز كذلك ملامح تنسيق بين تركيا وعدد من القوى الإقليمية، من بينها السعودية ومصر، بهدف دعم مؤسسات الدولة الصومالية والحفاظ على وحدة البلاد، في ظل تنافس إقليمي ودولي متزايد على النفوذ والممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب. وترى أنقرة أنَّ هذا التنافس قد يمتد إلى ساحات أخرى، مثل اليمن وليبيا، بما يفرض مقاربة إقليمية أكثر تنسيقًا للحفاظ على استقرار هذه المناطق.
وتتكامل هذه الرؤية مع مقاربة ديبلوماسية تجاه واشنطن، تقوم على إقناع إدارة الرئيس دونالد ترامب بأنَّ دعم استقرار الدول وتعزيز مؤسساتها يمثل مدخلًا أكثر فاعلية لخفض التوترات الإقليمية، بما يتيح للولايات المتحدة تركيز اهتمامها على أولوياتها الاستراتيجية الأخرى، وفي مقدمتها المنافسة مع الصين، وهو مسار ترى تركيا أنه ينسجم أيضًا مع مصالحها الاقتصادية القائمة على التصدير.
ولأنَّ هذا الصعود التركي يواجه، من وجهة نظر أنقرة، محاولات متزايدة لتطويق نفوذها الإقليمي، فإنَّ بناء هذه المنظومة يمثل، في نظر صانع القرار التركي، استجابةً استراتيجية للتحالفات والمشاريع المنافسة التي تشارك فيها إسرائيل أو تدعمها، مثل “الممر الهندي-الأوروبي” وحلف “الهيكساغون” السداسي (الذي يضم اليونان وقبرص وفرنسا والهند). وتدرك أنقرة أنَّ التعامل مع هذه المحاور لا يكون بالتحرُّك المنفرد، وإنما عبر بناء شراكات إقليمية تحمي مصالحها في شرق المتوسط، وتحد من مسارات إقليمية قد تؤدي إلى تهميش دورها الجيوسياسي.
وفي هذا الإطار، تطرح تركيا مشاريع ربط وتنمية موازية تجعلها ركيزة أساسية في حركة التجارة الدولية، من أبرزها مشروع “طريق التنمية” الذي يربط الخليج العربي بالحدود التركية عبر العراق، مستندًا إلى إعادة تأهيل شبكات النقل التاريخية، إلى جانب مشروع “الممر الأوسط” الذي يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى. ولا تنظر أنقرة إلى هذه المشاريع بوصفها مبادرات اقتصادية فحسب، بل باعتبارها أدوات لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة وتعزيز موقعها في سلاسل التجارة العالمية.
“النفس الطويل”… تحصين الداخل وتأجيل المواجهة
وعلى الرغم من هذه المقوّمات، التي تجعل احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة بين تركيا وإسرائيل محدودة في المدى المنظور، في ظلِّ سياسة “التنافس المُدار” والإبقاء على قنوات اتصال استخباراتية واقتصادية مفتوحة، فإنَّ أنقرة لا تستبعد احتمال انتقال هذا التنافس إلى مستويات أكثر حدة إذا تبدّلت المعادلات الإقليمية أو الدولية.
وفي هذا السياق، تدرك القيادة التركية وجود ما يمكن وصفه بـ”البقعة العمياء”، والمتمثّلة في عدد من نقاط الضعف البنيوية الداخلية التي قد تؤثّر في استمرارية مشروعها الإقليمي. فطبيعة النظام الجمهوري والديموقراطي القائم على التداول الدوري للسلطة تعني أنَّ أيَّ تغيُّرٍ سياسي أو وصول حكومة جديدة قد ينعكس على أولويات السياسة الخارجية، وهو عامل لا يغيب عن حسابات القوى الإقليمية والدولية المعنية بموازين القوى في المنطقة.
كما يفتح التنافس السياسي الداخلي المجال أمام ضغوط خارجية محتملة، سواء عبر الأدوات الإعلامية أو الاقتصادية أو السياسية، بما قد يؤثر في اتجاهات السياسة التركية أو يحدُّ من هامش حركتها الإقليمية. ويضاف إلى ذلك أنَّ استناد الحكومة إلى شرعية انتخابية يجعل بعض قراراتها الاستراتيجية، ومن بينها وقف العلاقات التجارية مع إسرائيل، أكثر ارتباطًا بتوجهات الرأي العام، وهو ما قد يقلص أحيانًا مساحة المناورة السياسية التي تقتضيها الحسابات الاستراتيجية البحتة.
وأمام هذه الثغرات البنيوية، تتبنّى تركيا استراتيجية “النفس الطويل” القائمة على شراء الوقت وتأجيل أي صدام مباشر، مستفيدة من عامل الزمن لتعزيز جبهتها الداخلية وتحصين مكتسباتها على مسارَين رئيسيين؛ الأول عسكري، يهدف إلى استكمال المنظومات الدفاعية والانتقال بها إلى مرحلة الإنتاج الكمّي بما يوفّر مظلة ردع أكثر استقلالية، والثاني مؤسسي ودستوري، تسعى من خلاله الحكومة الحالية إلى ترسيخ السياسات الاستراتيجية، ولا سيما في مجال التصنيع الدفاعي، بما يضمن استمراريتها ويحد من تأثرها بالتغيّرات السياسية الداخلية.
وينطلق هذا التوجُّه من قناعة لدى صانع القرار التركي بأنَّ استدامة المشروع الإقليمي لا تتحقق فقط عبر تعزيز القدرات العسكرية، وإنما أيضًا عبر بناء مؤسسات قادرة على حماية الخيارات الاستراتيجية للدولة، بغض النظر عن تغيُّر الحكومات أو التحوُّلات السياسية.
إنَّ الرهان التركي اليوم يتمثل في تحويل مشروع “المنظومة” إلى واقع بنيوي راسخ، يستند إلى مؤسسات قوية، وشراكات إقليمية ممتدة، ومشاريع بنية تحتية عابرة للحدود، بما يعزز مكانة تركيا في معادلات الإقليم ويحدُّ من تأثّرها بتقلبات الداخل أو تبدل أولويات القوى الدولية.
ومع ذلك، يبقى مستقبل هذا المشروع رهينًا بجملة من المتغيرات التي يصعب الجزم بمآلاتها، من بينها مسار الحرب في غزة، والتطورات في سوريا، وطبيعة العلاقة الأميركية بكلٍّ من أنقرة وتل أبيب، فضلًا عن اتجاهات إعادة تشكيل النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، وهي عوامل قد تعيد رسم أولويات الطرفين وحدود تنافسهما.
في المحصّلة، يبدو التنافس التركي-الإسرائيلي مرشَّحًا للاستمرار بوصفه أحد أبرز مظاهر إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط. وبينما تنظر أنقرة إلى مشروعها الإقليمي باعتباره ركيزة لتعزيز استقرار الدول الوطنية وتوسيع شبكات التعاون الاقتصادي والأمني، ترى إسرائيل في تنامي الدور التركي تحديًا استراتيجيًا يستوجب المتابعة والاحتواء. ومن ثم، فإنَّ مستقبل العلاقة بين الطرفين لن يتحدد بميزان القوة العسكرية وحده، وإنما أيضًا بقدرة كل منهما على بناء التحالفات، وإدارة التنافس، والتكيُّف مع التحوُّلات الإقليمية والدولية المتسارعة.
وفي هذا السياق، سيظل رهان “النفس الطويل” عنصرًا حاسمًا في الاستراتيجية التركية، غير أنَّ نجاحه سيظل مرتبطًا بقدرة أنقرة على تحصين جبهتها الداخلية، والمحافظة على توازن دقيق بين طموحاتها الإقليمية وتعقيدات البيئة الدولية المحيطة بها. وعليه، فإنَّ “الصدام المؤجّل” الذي يتناوله هذا المقال لا ينبغي النظر إليه باعتباره نتيجة حتمية، بقدر ما يمثل أحد السيناريوهات المحتملة في إطار تنافس استراتيجي مفتوح على أكثر من مسرح إقليمي.
- الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي هي أستاذة جامعيّة وباحثة سياسيّة لبنانية.
