حين يُصبحُ الرُكامُ استراتيجية: الوَجهُ الجديد لإسرائيل
منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، لم تعد الحرب في العقيدة الإسرائيلية مجرد وسيلة للردع أو الرد على التهديدات، بل تحوّلت تدريجًا إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع بالقوة. وما يبدو اليوم في غزة ولبنان والضفة الغربية يتجاوز حدود العمليات العسكرية التقليدية، ليكشف عن منطق جديد يقوم على الهيمنة الدائمة وإدارة المنطقة عبر الركام.

ناثان براون*
منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وسّعت إسرائيل عملياتها العسكرية لتشمل غزة ولبنان والضفة الغربية وسوريا والعراق وإيران، مخلفةً دمارًا واسعًا طال المساكن والمدارس والبنية التحتية، إلى جانب تهجير جماعي وسقوط عشرات آلاف القتلى. شكّلت هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر)، بما رافقها من خسائر بشرية كبيرة، إضافة إلى عقود من المواجهات المتقطعة على جبهتي غزة ولبنان، الخلفية التي مهّدت لهذا التحول الكمي والنوعي في السلوك الإسرائيلي. ومع ذلك، لا يمكن تفسير السياسة الإسرائيلية الحالية باعتبارها مجرد رد فعل غاضب، أو نتيجة ارتجال سياسي، أو انعكاسًا لانتهازية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، رغم حضور هذه العوامل جميعها. فثمة تحوّل أعمق أخذ يتبلور تدريجًا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
يقوم هذا النهج الجديد على فرض الهيمنة من دون استيطان مباشر، وإبقاء الخصوم في حالة إنهاك دائم من دون إعادة إعمار، وحرمان الفلسطينيين من الأرض من دون تقديم أفق سياسي، بحيث تصبح الحرب نفسها أداة لإدارة الواقع لا وسيلة للوصول إلى تسوية. والخطر لا يكمن في أن إسرائيل تتجاهل تبعات هذا المسار، بل في أنَّ جزءًا متزايدًا من المؤسسة السياسية والأمنية بات يتعامل مع تلك التبعات باعتبارها مقبولة، وربما ضرورية. وما بدا في الأشهر الأولى بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر) وكأنه سلوك ظرفي أو غير مقصود، أصبح اليوم أكثر وضوحًا بوصفه استراتيجية آخذة في الترسخ.
ويتطلّب توصيف هذا التحوّل سلسلة من الحقائق الواضحة. أولها أن ما يجري ليس عارضًا أو غير مقصود، بل سياسة باتت معالمها أكثر وضوحًا مع الوقت: تدمير واسع، ومناطق عازلة، ومنع للعودة، وغياب لإعادة الإعمار، مع استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية وإبقاء الخصوم في حالة إنهاك دائم تحول دون إعادة بناء قدراتهم. الجديد ليس المنطق نفسه، بل اتساع نطاق تطبيقه. فقد بدأ هذا النهج في غزة، قبل أن يمتد إلى أجزاء من الضفة الغربية، ويشمل لاحقًا مناطق واسعة من لبنان، وأجزاء من سوريا، وبصيغ مختلفة حتى إيران. ولم يعد الهدف يقتصر على ردع الخصوم أو هزيمتهم، بل على إعادة تشكيل البيئات المحيطة بهم بصورة تجعل التعافي وإعادة البناء أكثر صعوبة، وربما مستحيلين.
ولا تستند هذه القراءة إلى محاولة استنتاج النيات الإسرائيلية بقدر ما تعكس خطابًا بات يُطرح علنًا داخل إسرائيل نفسها. فقد تحدثت تقارير إسرائيلية أخيرًا عمّا سُمّي “عقيدة الأنقاض”، حيث لا يُنظر إلى الدمار بوصفه نتيجة جانبية للحرب، بل باعتباره جزءًا من مفهوم الأمن ذاته. وبهذا المعنى، تبدو الشكوى التقليدية من غياب “خطة لليوم التالي” أقل دقة مما يُعتقد، لأنَّ الركام نفسه أصبح، بالنسبة إلى جزء من المؤسسة الإسرائيلية، صيغة لإدارة المرحلة التالية لا مجرد أثر للحرب.
وقد أقرّ بعض مسؤولي إدارة جو بايدن لاحقًا بأنهم توقّعوا هذا المسار وحذّروا من أنَّ إسرائيل تتجه نحو كارثة. ووصف أحدهم النتيجة المتوقعة بأنها “جنين على نطاق أشدّ تدميرًا”، أي وقفٌ نسبي لإطلاق النار، وعودة تدريجية للرهائن، وتدفّق بطيء للمساعدات، لكن من دون أي اتفاق سياسي أو تصور حقيقي لليوم التالي. غير أنَّ هذا التقدير أخطأ، على ما يبدو، في افتراض أنَّ إسرائيل تنظر إلى هذه النتيجة باعتبارها فشلًا يجب تجنّبه، فيما تعامل معها جزء من قيادتها، علنًا وتكرارًا، بوصفها فرصة استراتيجية لإعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بها.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل مسؤولية “حماس” عن هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر)، لكن ذلك لا يبرر أيضًا تجاهل قوانين الحرب أو إسقاط القيود الأخلاقية والقانونية على الرد الإسرائيلي. فقد شكّلت تلك الهجمات أعمال عنف دامية بحق عدد كبير من المدنيين، وكشفت كذلك عن استهتار سياسي كارثي بمصير الفلسطينيين أنفسهم. ومَن أشعل فتيل هذا الانفجار لا يمكن إعفاؤه من مسؤولية ما ترتب عليه. صحيح أن هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) أظهرت هشاشة إسرائيل الأمنية، لكنها أطلقت أيضًا مسارًا تصعيديًا خرج سريعًا عن قدرة “حماس” على التحكم به، فيما دفع الفلسطينيون الثمن الأكبر من نتائجه.
لكن هذه المسؤولية لا تُبرِّر أخلاقيًا كل ما فعلته إسرائيل. فهي لا تُحوّل التدمير المتعمد على نطاق واسع – مع خسائر بشرية فادحة – إلى أضرار جانبية مؤسفة ولكنها غير مقصودة. ولا تُحوّل عمليات النزوح القسري للسكان إلى إدارة أمنية مشروعة. ولا تُحوّل الغزو والهيمنة إلى دفاع عن النفس. ولا تُحمّل السكان المدنيين في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، فرادى وجماعات، مسؤولية القرارات السياسية والعسكرية لمن يدّعون العمل باسمهم.
من الردع إلى الهيمنة: كيف تغيّرت العقيدة الإسرائيلية؟
ثالثًا، لا يمكن اختزال المسألة ببنيامين نتنياهو وحده. صحيح أن شخصيته السياسية محورية، وأنَّ ائتلافه الحاكم وبقاءه في السلطة لعبا دورًا أساسيًا، كما إنَّ استعداده لاحتضان القوى الأكثر تطرُّفًا في السياسة الإسرائيلية ومنحها النفوذ كان عاملًا حاسمًا. لكن حصر هذا التحوُّل في شخص نتنياهو وحده يبقى قراءة مضلّلة. فالمسألة أوسع من ذلك بكثير، إذ تشمل العقيدة العسكرية الإسرائيلية، والمزاج العام، ومنظومة التفكير الأمني حتى داخل التيار الوسطي، إلى جانب صمت المعارضة وتراجع الثقة بقدرة الردع التقليدي. وبعد أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، تشكّل شبه إجماع داخل إسرائيل على أنَّ المطلوب لم يعد مجرّد ردع الخصوم، بل منعهم من استعادة قدرتهم على التنظيم وإعادة البناء.
قد تبدو إسرائيل ما بعد نتنياهو أكثر قدرة على إدارة علاقتها بواشنطن أو تحسين صورتها الخارجية، لكن العودة إلى النهج السابق تبدو مستبعدة. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بتشدد نتنياهو، بل بتحول منطق أمني كامل إلى حالة طبيعية تتجاوز شخصه وحكومته.
رابعًا، نعم، ثمة اختلاف واضح هذه المرة. هناك مَن يرى أنَّ إسرائيل، أو حتى المشروع الصهيوني برمّته، قام أساسًا على التوسع بالقوة وفرض الوقائع من دون إفساح مجال حقيقي للديبلوماسية أو التفاوض. لا أتبنّى هذا التوصيف بالكامل. فالاستراتيجية الإسرائيلية لم تكن يومًا سلمية بالمعنى الكامل؛ إذ ارتبط تأسيس الدولة بعمليات تهجير واسعة، ثم تلت ذلك عقود من الاحتلال والاستيطان والغارات العقابية والحصار والاغتيالات والتفوُّق الاستخباراتي، إلى جانب الاستعداد الدائم لاستخدام قوة ساحقة عند الحاجة.
ومع ذلك، كانت الاستراتيجية الإسرائيلية التقليدية تقوم أيضًا على فكرة مختلفة نسبيًا: استخدام القوة بهدف ردع الحرب مؤقتًا، تمهيدًا للوصول لاحقًا إلى تسوية سياسية أو واقع أكثر استقرارًا. وغالبًا ما جرى تقديم الحروب باعتبارها وسيلة لتحقيق أهداف أخرى، سواء الردع أو التفاوض أو التطبيع أو حتى التنازل عن أراضٍ ضمن تسويات سياسية أوسع.
وعلى مدى سنوات، اشتكى القادة الإسرائيليون من غياب الشريك العربي القادر على التوصل إلى اتفاقات. لكن، رغم التعقيدات، تم توقيع معاهدات سلام مع مصر والأردن بعد مفاوضات طويلة وشاقة. وفي تسعينيات القرن الماضي ظهر استعداد إسرائيلي للتعامل مع الفلسطينيين بوصفهم شعبًا له حقوق سياسية. كما شهدت تلك المرحلة، وصولًا إلى بدايات الألفية الجديدة، محاولات جدية قادها زعيمان إسرائيليان، أحدهما من اليسار والآخر من اليمين، للتوصل إلى اتفاق سلام مع سوريا.
السلام المؤجل والحرب الدائمة
ذلك بات جزءًا من الماضي. اليوم، يقف الرئيس السوري أحمد الشرع في موقع المبادر علنًا تجاه إسرائيل، معلنًا أنه طرح مبادرات لم تلقَ أي تجاوب. وفي المقابل، أقدمت إسرائيل من جانب واحد على تقويض اتفاق فك الاشتباك مع سوريا، الذي استمر لنحو نصف قرن. كذلك، لم يعد القادة في مصر والأردن ينظرون إلى علاقاتهم السلمية مع إسرائيل بوصفها علاقة مستقرة أو محصّنة كما في السابق.
لم تعد معاهدات السلام مع الخصوم السابقين تمثل الهدف المركزي للسياسة الإسرائيلية. صحيح أنَّ الديبلوماسية لا تزال حاضرة، لكنها تُستخدم بصورة متزايدة لإدارة الوقائع التي تفرضها القوة، أو لمنحها غطاءً سياسيًا وشرعية دولية، لا للوصول إلى تسويات متبادلة أو اعتراف سياسي متوازن. وحتى عندما يُطرح مفهوم السلام، فإنه يأتي بوصفه نتيجة ثانوية لفكرة الهيمنة، لا بديلًا منها. الديبلوماسية لم تختفِ، لكنها تحوّلت تدريجًا من أداة لإنهاء الصراع إلى وسيلة لتنظيمه وإدارته.
خامسًا، شهد الداخل الإسرائيلي نفسه تحوّلًا سياسيًا عميقًا. فمَن يريد الاستماع إلى خطاب اليسار الراديكالي، يمكنه النظر إلى مبادرات مثل “أرض للجميع”، التي تدعو إلى نموذج كونفدرالي يستند إلى القانون الدولي واحتياجات السكان والدروس المستخلصة من عقود من المفاوضات الفاشلة. أما ما يُعرف باليسار الصهيوني المعتدل، فحضوره بات أقرب إلى الصمت؛ قلق أخلاقي موجود، لكن من دون مشروع سياسي واضح، ومن دون قدرة فعلية على إنتاج خطاب استراتيجي بعد انهيار مسار أوسلو.
وفي المقابل، لا يبدو الوسط الإسرائيلي معسكرًا يسعى إلى السلام بالمعنى التقليدي. فالنقاشات السائدة داخل المؤسسة الأمنية والسياسية تدور حول أدوار إسرائيل الإقليمية، والمناطق العازلة، وإعادة توزيع السكان الفلسطينيين، وإقامة كيانات حكم ذاتي محدودة وخاضعة لإشراف إسرائيلي، وربما عربي، مع القبول فقط بالترتيبات السياسية التي لا تتعارض مع هذه الرؤية. ويكثر الحديث أحيانًا عن ضرورة “استعادة الردع”، لكن هذا المفهوم يبدو فضفاضًا، وغالبًا ما يُختزل في تثبيت موقع إسرائيل بوصفها القوة الإقليمية المهيمنة.
أما اليمين الإسرائيلي، فيعبّر عنه بوضوح مشروع بتسلئيل سموتريتش المعروف باسم “الخطة الحاسمة”، الذي يدعو عمليًا إلى الضم، وإنهاء القضية الفلسطينية بوصفها قضية وطنية وسياسية، مع منح الفلسطينيين إقامة دائمة في أفضل الأحوال، ودفع الرافضين لهذا الواقع نحو الرحيل.
لهذا السبب، تبدو كثير من النقاشات الدائرة خارج إسرائيل بعيدة من جوهر التحوُّل الحقيقي. فما زال بعض المراقبين في الخارج يتساءل عن موعد العودة إلى حل الدولتين، أو عن إمكان وصول حكومة إسرائيلية أكثر اعتدالًا تعيد إحياء المسار الديبلوماسي، أو عن فرص نجاح خطط إعادة إعمار ذات طابع تكنوقراطي. لكن داخل إسرائيل نفسها، لم يعد النقاش الرئيسي يدور حول كيفية إنهاء الهيمنة، بل حول الطريقة الأنسب لإدارتها وترسيخها.
إدارة الفلسطينيين بدل الاعتراف بهم
سادسًا، بالنسبة إلى غالبية الإسرائيليين اليوم، لم يعد الفلسطينيون يُنظَرُ إليهم بوصفهم أمة ذات حقوق سياسية، بل باعتبارهم مشكلة أمنية وسكّانية ينبغي إدارتها. الفكرة التي شكّلت جوهر اتفاقيات أوسلو، أي الاعتراف بالفلسطينيين كشعب له حق التفاوض على مستقبله السياسي، أصبحت محصورة إلى حدٍّ كبير في أوساط اليسار الهامشي. أما في التيار السائد، فقد بات الفصل بين السكان هو مقاربة الوسط، فيما يتبنى اليمين خطاب الطرد والإقصاء بصورة أكثر صراحة.
وليس في هذا توصيف مبالغ فيه. فالنقاش الغالب داخل السياسة الإسرائيلية اليهودية لم يعد يدور حول المساواة أو السيادة أو حق تقرير المصير، بل حول كيفية إدارة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بطريقة تضمن الهدوء الأمني، من دون منحهم دولة مستقلة أو حقوق مواطنة كاملة. وحتى حين يُستعاد بعض إرث أوسلو، فإنَّ ذلك يجري من زاوية محدودة تتعلق بالحكم الذاتي الإداري والتنسيق الأمني، لا باعتباره مسارًا يؤدي إلى تسوية دائمة بين شعبين.
وفي اليمين الإسرائيلي، تبدو الصورة أكثر وضوحًا وحدّة. فهناك حديث متزايد عن التهجير، وإفراغ الأراضي، والتعامل مع الفلسطينيين بوصفهم عقبة سياسية وديموغرافية ينبغي إزاحتها. هذا الطرح لم يعد هامشيًا، بل أصبح جزءًا من النقاش السياسي العلني. أما اعتراض قوى الوسط عليه، فلا ينطلق غالبًا من الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، بل من القلق من أن يؤدي الطرد الجماعي إلى عزلة دولية وفوضى أمنية من دون تحقيق الاستقرار المطلوب. وحتى البدائل التي يطرحها هؤلاء تقوم على منح الفلسطينيين إدارة محدودة لشؤونهم داخل مناطق منفصلة ومعزولة، لا على إقامة شراكة سياسية متكافئة.
وفي ظل هذا المسار، يبدو التراجع الذي أصاب المؤسسات الوطنية الفلسطينية عميقًا إلى درجة تجعل استعادة دورها السابق مهمة شديدة الصعوبة.
سابعًا، هناك من التقط مبكرًا التحوُّل الذي تشهده إسرائيل، لكن السؤال يبقى: لماذا تأخر كثيرون في ملاحظته؟ جُزءٌ من الإجابة يعود إلى أنَّ كثيرًا من التصريحات والسياسات الإسرائيلية جرى التعامل معها على أنها ردود فعل مؤقتة مرتبطة بصدمة السابع من تشرين الأول (أكتوبر). كما إنَّ بعض الخطابات الإسرائيلية صيغت بلغة تقنية أو أمنية بدت أقل مباشرة، رُغم أنَّ دلالاتها الإنسانية والسياسية كانت واضحة لمَن أراد قراءتها بجدية.
وفي العالم العربي، باستثناء الإمارات العربية المتحدة، برزت مخاوف واضحة من هذا التحوُّل، لكنها غالبًا ما بقيت محكومة بسقف ديبلوماسي حذر، هدفه الحفاظ على العلاقة مع واشنطن وتجنُّب الصدام المباشر مع الإدارة الأميركية، ولا سيما في ظل التقارب الكبير بين توجهات الحكومة الإسرائيلية والسياسات التي تبناها الرئيس دونالد ترامب.
لكن خارج الدوائر الرسمية، بدأت لهجة أكثر صراحة بالظهور. ففي إسرائيل نفسها، وجّهت أصوات مثل داليا شيندلين وميراف زونزين، إلى جانب صحافيي مجلة “+972″، تحذيرات مبكرة وواضحة من طبيعة التحوُّل الجاري. كما أدرك عدد من المحللين الدوليين، من بينهم معين رباني ووليد حزبون ومارك لينش ويزيد صايغ، رغم اختلاف مواقعهم وخلفياتهم الفكرية، أنَّ ما يحدث لا يمكن اختزاله في مجرد سوء تقدير أو فشل تكتيكي من الحكومة الإسرائيلية.
ورغم التباين في الاستنتاجات، فإنَّ ثمة قاسمًا مشتركًا بين هذه القراءات يتمثل في القلق من تحوُّل الاستراتيجية الإسرائيلية إلى نموذجٍ قائمٍ على الحرب الدائمة، والهيمنة المستمرة، وحرمان الفلسطينيين من السيادة، وإبقاء الأراضي الفلسطينية في حالة تفكك وضعف إداري باعتبار ذلك جزءًا من مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي نفسه.
منذ الأسابيع الأولى التي أعقبت السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، كنتُ أُحاوِل توصيف هذا التحوُّل ورسم ملامح نقاش مختلف جذريًا عن النقاشات التي سادت في العقود السابقة. وما يلفت الانتباه اليوم ليس أنَّ هذا التحوُّل ظهر فجأة، بل أنَّ من الصعب الاستمرار في التعامل معه باعتباره مجرد رد فعل عابر، أو انحراف مؤقت عن المسار، أو نتيجة غير مقصودة لظروف استثنائية.
وأخيرًا، ثامنًا، من المرجح أن يقود هذا المسار إلى نهاية شديدة القسوة. صحيح أنَّ العقيدة القائمة على الهيمنة والإذلال ومنع إعادة البناء حققت مكاسب تكتيكية واضحة؛ فقد دمّرت بنى تحتية، واغتالت قادة ومقاتلين، وأفرغت مناطق من سكانها، وأخّرت هجمات محتملة، وفرضت أثمانًا باهظة على الخصوم، كما منحت الجمهور الإسرائيلي شعورًا بأنَّ الدولة تتحرّك بحزم لاستعادة السيطرة.
لكن تحويل الحرب الدائمة إلى أسلوب حكم لا يحمل استقرارًا حقيقيًا، لا للمنطقة ولا حتى لإسرائيل نفسها. فالهدوء الذي يُفرَضُ فوق الأنقاض والركام ليس سلامًا، بل هدنة مؤقتة تسبق دورة جديدة من الدمار. وهنا تكمن المعضلة الأساسية في هذه العقيدة: فهي تخلط بين إضعاف الخصم وبين حل المشكلة من جذورها.
يقوم هذا التصور على فرضية مفادها أنَّ تفكيك المجتمعات، وإضعاف الخصوم إلى أقصى حد، ومنع أي بنية سياسية أو مؤسساتية مستقرة، قد يسمح بإدارة الصراع إلى ما لا نهاية. لكن نظامًا إقليميًا يقوم على الاقتلاع، وانعدام الأمن المستمر، والتدمير المتكرر، لن يتحوَّلَ إلى نظامٍ مستقر فقط لأنه يُعرَّف تحت عنوان “الأمن”.
بل على العكس، من المرجح أن يؤدي هذا المسار إلى إنتاج مزيد من المقاومة والتطرّف، وتعميق العزلة القانونية والسياسية لإسرائيل، وإضعاف تماسكها الداخلي، وفتح الباب أمام جولات إضافية من الحروب والصراعات المفتوحة.
- ناثان براون هو أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، باحثٌ مرموق ومؤلف لتسعة كتب في السياسة والحكم العربي، بالإضافة إلى كونه محررًا لخمسة كتب.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.