من الخليج إلى الأطلسي… كيف تُعيدُ الحربُ رَسمَ الجغرافيا العربية؟

كابي طبراني*

في الوقت الذي كانت الصواريخ تعبر أجواء الخليج، كانت خرائط جديدة تُرسَمُ بهدوء على امتداد العالم العربي. فبين صناديق الثروة السيادية الخليجية وموانئ الأطلسي وشبكات الطاقة والممرات اللوجستية، يتشكّل اليوم شرق أوسط عربي مختلف عن ذلك الذي عرفته المنطقة لعقود. شرقُ أوسطٍ أقلُّ انشغالًا بالشعارات الكبرى، وأكثر التصاقًا بلغة المصالح والأمن الاقتصادي وإدارة النفوذ.

لم تعد العلاقات بين الخليج العربي ودول المغرب الكبير مجرّد امتداد لفكرة “التضامن العربي” التي حكمت أدبيات السياسة الإقليمية طويلًا، بل تحوّلت تدريجًا إلى شبكة مصالح واقعية تُعيدُ رسم خرائط النفوذ والاقتصاد والأمن في المنطقة العربية. وفي ظلِّ التداعيات العميقة للحرب الأخيرة في الخليج، يبدو أنَّ هذه العلاقات تدخل مرحلة جديدة تتجاوز الحسابات التقليدية، لتصبح جُزءًا من عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي العربي بأسره.

الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تكن حدثًا عابرًا في الشرق الأوسط. فهي كشفت هشاشة الترتيبات الأمنية القديمة، وأظهرت أنَّ المنطقة تتجه نحو مرحلةٍ طويلة من السيولة الاستراتيجية، حيث تتراجع الضمانات الدولية التقليدية، وتتقدّم حسابات الأمن الاقتصادي والغذائي والطاقة على ما عداها. وفي خضم هذه التحوّلات، بدأت دول الخليج تنظر إلى المغرب الكبير ليس بوصفه هامشًا عربيًا بعيدًا، بل باعتباره عمقًا استراتيجيًا جديدًا لا بد من الاستثمار فيه سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

من هنا، تبدو العلاقات الخليجيةـالمغاربية اليوم أقرب إلى “تحالف مصالح مَرِن” منها إلى أيِّ مشروعٍ وحدوي أو إيديولوجي. فالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر لم تعد تتحرك في شمال أفريقيا بدافع النفوذ السياسي التقليدي فقط، بل انطلاقًا من رؤيةٍ أوسع ترتبط بتنويع الاقتصادات الخليجية، وتأمين سلاسل الإمداد الغذائي، وبناء ممرّات لوجستية نحو أفريقيا والمحيط الأطلسي، فضلًا عن البحث عن أسواق وفرص استثمار خارج البيئات الخليجية المزدحمة والمُكلِفة.

ولم يعد الحضور الخليجي في المغرب الكبير مجرد رهانات سياسية أو ديبلوماسية عابرة، بل تحوّل إلى استثماراتٍ ضخمة تعكسُ رؤيةً استراتيجية طويلة المدى. فخلال العقد الأخير، تجاوز حجم الاستثمارات الخليجية في أفريقيا 100 مليار دولار، كانت حصة الإمارات وحدها نحو 59 مليار دولار منها، فيما برزت بلدان المغرب العربي بوصفها إحدى أهم الوجهات لهذه الرساميل الباحثة عن الموانئ والطاقة والأسواق الجديدة.

وفي المقابل، تجد دول المغرب الكبير نفسها أمام واقع اقتصادي وسياسي شديد التعقيد. أوروبا، الشريك التقليدي للمنطقة، تُعاني تباطؤًا اقتصاديًا متزايدًا وأزمات سياسية داخلية تحدُّ من قدرتها على الاستثمار والانخراط العميق في جوارها الجنوبي. أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى المنطقة من زاويةٍ أمنية ضيِّقة ترتبط بمكافحة الإرهاب والهجرة والطاقة. وفي ظلِّ هذا المشهد، تبدو العواصم الخليجية بالنسبة إلى بلدان المغرب الكبير مصدرًا ضروريًا للتمويل والاستثمار والسيولة السياسية.

لكن اللافت أنَّ هذا التقارب لا يسير وفق نموذجٍ مُوَحَّد. فلكلِّ دولةٍ مغاربية حساباتها الخاصة، ولكلِّ دولةٍ خليجية أيضًا أولوياتها المختلفة.

المغرب، على سبيل المثال، نجح في بناء العلاقة الأكثر تماسُكًا مع الخليج، مُستفيدًا من موقعه الأطلسي واستقراره السياسي وقدرته على تقديم نفسه بوصفه منصة اقتصادية ولوجستية تربط الخليج بأفريقيا الغربية. فمنذ سنوات، ضخت السعودية والإمارات وقطر والكويت مليارات الدولارات في مشاريع البنية التحتية والطاقة والسياحة والموانئ المغربية، بينها حزمة دعم خليجية بلغت نحو 5 مليارات دولار خُصصت لمشاريع تنموية كبرى. ولم يعد يُنظَر إلى المغرب فقط كحليفٍ سياسي، بل كبوّابة خليجية نحو أفريقيا والمحيط الأطلسي، خصوصًا مع تصاعد الاهتمام الخليجي بالموانئ وسلاسل التجارة البحرية.

أما الجزائر، التي تتعامل بحذرٍ شديد مع أيِّ اختراقٍ سياسي خارجي، فقد فتحت الباب أمام شراكات اقتصادية واسعة مع الخليج، خصوصًا في قطاعَي الطاقة والصناعة. وفي واحدة من أكبر الصفقات الخليجية في شمال أفريقيا، وقّعت شركة “سوناطراك” المملوكة للدولة في الجزائر اتفاقًا مع شركة “مداد للطاقة” السعودية بقيمة 5.4 مليارات دولار لتطوير حقول النفط والغاز، فيما ضخّت قطر استثمارات بمليارات الدولارات في مشاريع الحديد والصلب والزراعة. ومع ذلك، لا تزال الجزائر تنظر بعين الريبة إلى بعض السياسات الخليجية، خصوصًا في ليبيا ومنطقة الساحل، حيث ترى أنَّ التنافس الإقليمي قد يتحوّل إلى تهديد مباشر لأمنها القومي.

وفي تونس، التي تواجه واحدة من أصعب أزماتها الاقتصادية منذ عقود، تحوّلت المساعدات الخليجية إلى عنصرٍ أساسي في منع الانهيار المالي الكامل. فقد تجاوزت الاستثمارات القطرية هناك مليار دولار، فيما قدمت السعودية عام 2023 دعمًا ماليًا مباشرًا بقيمة نصف مليار دولار بين قرض ومنحة. غير أنَّ تونس تحاول، رُغمَ حاجتها الماسّة إلى التمويل، تفادي التحوُّل إلى جُزءٍ من أيِّ محورٍ إقليمي، إدراكًا منها لحساسية أوضاعها الداخلية وخطورة الارتهان السياسي للخارج.

أما ليبيا، فلا تزال تُمثّلُ الساحة الأكثر تعقيدًا في العلاقات الخليجيةـالمغاربية. فالصراع الليبي كشف حجم التنافس بين القوى الخليجية نفسها، وأظهر كيف يمكن للاستثمارات والتحالفات الإقليمية أن تتحوّلَ إلى أدوات نفوذ وصراع داخل الدول الهشّة. ورُغمَ تراجع حدّة التنافس الخليجي في ليبيا مقارنة بالسنوات الماضية، فإنَّ آثار تلك المرحلة ما تزال حاضرة في المشهد الليبي وفي حسابات دول الجوار، خصوصًا الجزائر.

وفي أقصى الغرب العربي، بدأت موريتانيا تكتسب أهمية متزايدة في الحسابات الخليجية. فهذه الدولة التي ظلت طويلًا على هامش الاهتمام العربي تحوّلت، بفعل موقعها بين الساحل الأفريقي والمحيط الأطلسي، إلى نقطة ارتكاز استراتيجية في ملفات الأمن البحري ومكافحة الإرهاب والتجارة العابرة للصحراء. وقد كثفت السعودية وقطر ودولة الإمارات استثماراتها ومشاريعها الأمنية والتنموية في موريتانيا، انطلاقًا من إدراكٍ متزايد لأهمية نواكشوط كبوابة نحو غرب أفريقيا والساحل، وكنقطة استقرار نادرة في منطقة تتآكل فيها البنى الأمنية التقليدية.

الحرب الخليجية الأخيرة أضافت بُعدًا جديدًا إلى كلِّ هذه المعادلات. فقد أدركت دول الخليج أنَّ أمنها لم يَعُد يُقاس فقط بالتحالفات العسكرية أو المظلات الدولية، بل أيضًا بقدرتها على بناء شبكات نفوذ اقتصادية وجيوسياسية تمتد خارج الخليج نفسه. ومن هنا، تبدو أفريقيا الشمالية امتدادًا طبيعيًا لهذه الاستراتيجية الجديدة.

لكن هذه التحوّلات تحمل في الوقت نفسه مخاطر واضحة. فالرأسمال الخليجي، رُغمَ أهميته، لا يستطيع وحده معالجة الأزمات البنيوية التي تعانيها اقتصادات المغرب الكبير، من بطالة وضعف إنتاجية وفساد واختلالات هيكلية. كما إنَّ تحويل المنطقة إلى ساحة تنافس نفوذ بين قوى عربية وإقليمية قد يفاقم الانقسامات بدل أن يخلق استقرارًا دائمًا.

وربما تكمن المفارقة الأهم في أنَّ العالم العربي، الذي فشل طويلًا في بناء مشروع سياسي مُوَحَّد، يجد نفسه اليوم يتجه نحو نوعٍ جديد من “الوحدة الصامتة”، تقوم لا على الشعارات والإيديولوجيا، بل على الموانئ والطاقة والاستثمارات والمصالح الأمنية المشتركة.

بعدَ عقودٍ من صراع الشعارات، يبدو أنَّ العرب يدخلون أخيرًا زمن الخرائط لا الخطب.

Exit mobile version