الإمارات تُعيدُ رَسمَ خرائط النفوذ من بوّابة دمشق

تتعامل أبوظبي مع سوريا ما بعد الأسد بوصفها أكثر من ورشة إعادة إعمار؛ إنها فرصة لإعادة تموضع استراتيجي في قلب المشرق العربي. ومن الموانئ إلى الممرات التجارية، تخوض الإمارات سباق نفوذ إقليمي يتجاوز الاقتصاد إلى إعادة تشكيل توازنات المنطقة.

وزيرة الدولة الإماراتية في وزارة الخارجية نورة الكعبي، ووزير الأوقاف السوري محمد أبو الخير شكري، ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، والرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني الزيودي، إلى جانب مسؤولين آخرين، في اليوم الثاني من منتدى الاستثمار السوري – الإماراتي الأول، الذي عُقد في قصر الشعب بدمشق، في 12 أيار/مايو.

أنَس القائد*

تُوسّع دولة الإمارات العربية المتحدة حضورها الاقتصادي والسياسي في سوريا بوتيرةٍ متسارعة، في محاولةٍ لحجز موقعٍ متقدّم داخل المشهد السوري الجديد بعد سنوات الحرب الطويلة. فبالنسبة إلى أبوظبي، لا تقتصر سوريا اليوم على كونها ورشة إعادة إعمار ضخمة، بل تمثّل أيضًا فرصة استراتيجية لإعادة رسم النفوذ الإقليمي، وتوسيع شبكات التجارة والطاقة الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط، إلى جانب تثبيت دور إماراتي أكثر تأثيرًا في التوازنات العربية التي تتشكّل مع انحسار النفوذ الإيراني التدريجي داخل سوريا.

ومن هذا المنطلق، بات الانخراط الإماراتي في الملف السوري يتجاوز البُعد الاقتصادي البحت، ليتحوّل إلى جُزءٍ من منافسة جيوسياسية أوسع بين القوى الإقليمية الساعية إلى التأثير في مستقبل دمشق السياسي والاقتصادي. فالإمارات تتحرّك ضمن مساحة تتقاطع فيها مصالح السعودية وتركيا وفاعلين إقليميين آخرين، في وقتٍ تحاول كل دولة صياغة موقعها داخل النظام الإقليمي الجديد الذي بدأت ملامحه تظهر بعد سنوات الاضطراب في الشرق الأوسط.

وخلال السنوات الماضية، بدا الموقف الإماراتي الأكثر مرونة بين دول مجلس التعاون الخليجي في التعاطي مع الأزمة السورية. ففي حين تمسكت دول خليجية، مثل قطر والكويت، بسياسة العزل الكامل لنظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، اختارت دول أخرى، كالسعودية والبحرين، مقاربة أكثر حذرًا بعد عام 2020 انطلاقًا من اعتباراتٍ أمنية وإقليمية. أما سلطنة عُمان، فواصلت نهجها التقليدي القائم على الحياد والحفاظ على قنوات التواصل مع السلطة القائمة في دمشق بغض النظر عن طبيعتها السياسية.

في المقابل، اتسمت السياسة الإماراتية بقدرة واضحة على التكيّف مع التحوُّلات الميدانية والإقليمية. ففي السنوات الأولى من الانتفاضة السورية، دعمت أبوظبي المعارضة وطالبت برحيل الأسد، لكنها أعادت تدريجًا تقييم حساباتها مع تغيّر موازين القوى على الأرض. ومع مرور الوقت، بدأت الإمارات تبتعد عن الرؤية السعودية والقطرية حيال مرحلة ما بعد الأسد، لتتبنّى مقاربة أكثر براغماتية تقوم على احتواء الفوضى ومحاربة التنظيمات المتطرفة، وهو ما دفعها لاحقًا إلى تأييد التدخل الروسي بوصفه عامل استقرار ضروريًا من وجهة نظرها.

ومع تعمّق هذا التحوُّل، أعادت الإمارات فتح قنواتها الديبلوماسية مع دمشق في مرحلة كانت فيها الرياض لا تزال تتعامل بحذر مع الملف السوري، قبل أن تتحوّل أبوظبي لاحقًا إلى أحد أبرز الداعمين العرب لإعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي. كما لعبت الديبلوماسية الإماراتية، بصورة مباشرة وغير مباشرة، دورًا مهمًا في تهيئة المناخ السياسي الذي مهّد لعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، في خطوةٍ عكست تبدُّلًا واسعًا في المقاربة العربية تجاه دمشق بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب.

دمشق… الاستثمار بوصفه نفوذًا

لكنّ التحوُّلَ الأكبر في المقاربة الإماراتية جاء بعد سقوط نظام الأسد، حين وجدت أبوظبي نفسها أمام مشهدٍ سياسي جديد بالكامل في دمشق. ففي البداية، تعاملت القيادة الإماراتية بحذر مع السلطة الانتقالية الجديدة، ولا سيما أنّ الحاكم السوري الجديد كان يحمل خلفية جهادية سابقة، رُغمَ محاولاته اللاحقة تقديم نفسه بصورة أكثر اعتدالًا وانفتاحًا، عبر خطاب يركّز على الإصلاح والتعددية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

ومع ذلك، اختارت الإمارات في نهاية المطاف الانخراط في دعم السلطة الجديدة اقتصاديًا وديبلوماسيًا، انطلاقًا من قناعة بأنّ النفوذ داخل دمشق الجديدة يشكّل فرصة استراتيجية يصعب تجاهلها. فمع دخول سوريا مرحلة انتقالية مفتوحة على إعادة رسم التوازنات السياسية والاقتصادية، بدأت قوى إقليمية عدّة، وفي مقدّمها السعودية وتركيا وقطر، سباقًا واضحًا للتأثير في مسار إعادة الإعمار وفي هوية سوريا الإقليمية المقبلة. وفي هذا السياق، بدا واضحًا أنّ أبوظبي لا تريد البقاء خارج معادلة النفوذ الجديدة.

وجاء الإعلان الإماراتي الأخير عن استثمارات ضخمة في سوريا ليؤكد هذا التحول بصورة عملية. فقد كشفت مجموعة “إعمار” العقارية عن خطط لاستثمار نحو 11 مليار دولار في دمشق ومحيطها، إضافةً إلى مشاريع أخرى على الساحل السوري قد تصل قيمتها إلى سبعة مليارات دولار. كما أعلنت “موانئ دبي العالمية” في تموز (يوليو) 2025 تخصيص 800 مليون دولار لتوسعة ميناء طرطوس، في أول اتفاقية كبرى توقّعها السلطة السورية الانتقالية مع جهة دولية.

ورُغم أنَّ هذه الاستثمارات توحي بوجود ثقة متزايدة بقدرة الحكومة السورية الجديدة على فرض الاستقرار، فإنّ أبعادها تتجاوز الاقتصاد وإعادة الإعمار. فبالنسبة إلى الإمارات، تمثل سوريا اليوم جُزءًا من مشروع جيوسياسي أوسع يرتبط بإعادة تشكيل شبكات التجارة والطاقة والنقل في المنطقة.

وقد ازدادت أهمية الموانئ السورية بصورة خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز، وهو ما دفع دولًا مثل العراق إلى استخدام البنية التحتية السورية، ولا سيما ميناء بانياس، كمسار بديل لتصدير النفط والسلع نحو الأسواق الأوروبية. ومن هذا المنطلق، تنظر أبوظبي إلى الساحل السوري باعتباره حلقة إضافية ضمن شبكة الموانئ والخدمات اللوجستية التي تعمل على بنائها منذ سنوات، الممتدة من الخليج العربي إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشرق المتوسط.

وفي الواقع، لا تنفصل الاستثمارات الإماراتية في سوريا عن الاستراتيجية البحرية الأوسع التي اعتمدتها أبوظبي خلال العقد الأخير، والقائمة على توسيع النفوذ عبر المرافئ والممرات التجارية الحيوية. ومع بسط الحكومة الانتقالية السورية سيطرتها على معظم الأراضي السورية، تبدو الإمارات مهتمة بإدماج سوريا تدريجًا داخل هذه الشبكة الاقتصادية واللوجستية الإقليمية.

كما يعكس توقيت التحرّك الإماراتي قناعة متزايدة بأنَّ السلطة الانتقالية السورية بدأت تُحكِمُ قبضتها على المشهد الداخلي. فقد توصّلت دمشق أخيرًا إلى اتفاق اندماج مع “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد)، في وقتٍ بدأت الولايات المتحدة نقل بعض ملفات التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب من حلفائها الأكراد إلى الحكومة المركزية في دمشق.

وتشيرُ هذه التطوّرات مجتمعة إلى تزايد الثقة الإقليمية والدولية بقدرة السلطة الجديدة على تثبيت الاستقرار وقيادة مرحلة انتقالية يُفتَرَض أن تمتدَّ بين ثلاث وخمس سنوات، تمهيدًا لإعادة بناء الدولة السورية سياسيًا واقتصاديًا. وفي ضوء ذلك، تبدو الإمارات وكأنها تراهن مبكرًا على سوريا الجديدة، ليس فقط بوصفها سوقًا واعدة لإعادة الإعمار، بل أيضًا كساحة محورية في إعادة تشكيل خرائط النفوذ والتجارة في الشرق الأوسط.

الساحل السوري يدخل شبكة أبوظبي الإقليمية

وفي هذا الإطار، تبدو المقاربة الإماراتية في سوريا امتدادًا لنموذج اقتصادي وسياسي سبق أن اختبرته أبوظبي في مصر خلال السنوات الماضية. فهناك أيضًا، لم يكن تدفّق رأس المال الخليجي يهدف فقط إلى دعم الاقتصاد المصري أو تخفيف أزماته المالية، بل تحوَّلَ إلى أداة نفوذ سياسي واستراتيجي طويل الأمد. ومن وجهة النظر الإماراتية، أثبتت التجربة المصرية أنّ الاستثمار الاقتصادي المكثّف قادر على تحقيق هدفين متوازيين: تعزيز الحضور السياسي الإقليمي، وتحقيق عوائد مالية كبيرة في الوقت نفسه.

ويبدو أنّ أبوظبي تسعى اليوم إلى تكرار جُزءٍ من هذا النموذج داخل سوريا الجديدة. فشركة “إعمار” العقارية وحدها ضخّت أكثر من 18 مليار دولار في السوق المصرية، وحققت مشاريعها أرباحًا كبيرة خلال السنوات الأخيرة، ما عزّز قناعة الإمارات بأنّ الاستثمار طويل الأمد في الدول الخارجة من الأزمات يمكن أن يتحوّلَ إلى رافعة نفوذ إقليمي واقتصادي معًا. وليس من قبيل المصادفة أن يُعبّر مؤسس “إعمار” ورئيسها التنفيذي علنًا عن رغبته في نقل بعض ملامح تجربة التطوير الساحلي المصرية إلى سوريا، في إشارة واضحة إلى أنّ أبوظبي تنظر إلى الساحل السوري كمساحة استثمارية واستراتيجية في آن واحد.

لكن الدوافع الإماراتية لا ترتبط فقط بالاقتصاد وإعادة الإعمار، بل تتداخل أيضًا مع حسابات التنافس الإقليمي، وخصوصًا مع المملكة العربية السعودية. فالرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع يحاول حتى الآن الحفاظ على هامش من الاستقلالية عن المحاور الإقليمية المتنافسة، بالتوازي مع سعيه إلى تقليص النفوذ الإيراني داخل البلاد. غير أنّ هذا التوازن فتح الباب أمام سباق نفوذ متزايد بين القوى الخليجية والإقليمية الساعية إلى تثبيت حضورها داخل سوريا ما بعد الحرب.

ورغم أنّ تركيا والسعودية تُعتبران القوتين الأكثر تأثيرًا سياسيًا في دمشق حاليًا، فإنّ كليهما يواجه قيودًا مختلفة. فأنقرة، التي تمتلك نفوذًا أمنيًا وسياسيًا واسعًا في الشمال السوري، تعاني في المقابل ضغوطًا اقتصادية داخلية تحدّ من قدرتها على تمويل مشاريع إعادة إعمار ضخمة. أما السعودية، فرغم ثقلها المالي والسياسي، فإنّ جزءًا مهمًا من تعهداتها الاقتصادية تجاه سوريا لم يدخل حيّز التنفيذ بعد.

وفي ظل هذه المعطيات، تحاول الإمارات استثمار الفجوة القائمة لتعزيز موقعها كلاعبٍ اقتصادي أساسي في سوريا. فالتنافس السعودي ـ الإماراتي على النفوذ الإقليمي، الذي ظهر خلال السنوات الأخيرة في أكثر من ساحة عربية، بات يمتد تدريجًا إلى الداخل السوري أيضًا، حيث تتحوّل الموانئ والبنية التحتية والممرات اللوجستية إلى أدوات نفوذ سياسي واقتصادي في آن واحد.

وتُدرك أبوظبي أنّ السيطرة على الاستثمارات المرتبطة بالموانئ السورية وطرق التجارة قد تمنحها تأثيرًا طويل الأمد في خيارات دمشق المستقبلية وعلاقاتها الخليجية. كما يرتبط هذا التوجه بمشاريع إقليمية أوسع، أبرزها “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا”، الذي يُفترض أن يمرَّ عبر جنوب سوريا وصولًا إلى موانئ البحر المتوسط.

ومن هنا يمكن فهم التركيز الإماراتي الواضح على دمشق والساحل السوري، ولا سيما مرافئ طرطوس واللاذقية والمعابر الجنوبية في درعا. فهذه المناطق لا تمثل فقط مراكز اقتصادية حيوية لإعادة الإعمار، بل قد تتحول أيضًا إلى عقد استراتيجية داخل شبكة التجارة والطاقة والنقل التي يُعاد تشكيلها في المنطقة مع تبدّل التوازنات الإقليمية والدولية.

بين إسرائيل والسعودية… أبوظبي تبحث عن موقعها

ومع ذلك، تُواجه هذه الطموحات الإماراتية عقبات بنيوية معقدة، أبرزها الجغرافيا السياسية نفسها. فأيُّ مشروعٍ لربط الخليج بسوريا برًا يمر حتمًا عبر الأردن وجنوب سوريا، وهي منطقة تزداد حساسية بفعل التصعيد العسكري الإسرائيلي والتشابكات الأمنية والسياسية المتواصلة. وهذا الواقع يجعل من جنوب سوريا نقطة تقاطع مباشرة بين المصالح الخليجية والإسرائيلية، ويمنح الإمارات دورًا قد يتجاوز الاقتصاد إلى الوساطة السياسية والأمنية.

وفي هذا السياق، قد تنظر القيادة السورية الانتقالية إلى الاستثمارات الإماراتية ليس فقط باعتبارها شريانًا اقتصاديًا تحتاجه البلاد بشدة، بل أيضًا كنوع من المظلّة السياسية غير المباشرة. فكلما ازداد الحضور الاقتصادي الإماراتي داخل سوريا، ارتفعت الكلفة السياسية والديبلوماسية لأي محاولة إسرائيلية محتملة لزعزعة الاستقرار في المناطق الجنوبية أو عرقلة ترتيبات ما بعد الحرب.

وتستفيد أبوظبي هنا من موقع فريد داخل الإقليم، باعتبارها الدولة العربية الخليجية الأكثر انفتاحًا على إسرائيل والأقدر على التواصل معها سياسيًا واقتصاديًا. فمن خلال علاقاتها المتينة مع تل أبيب، قد تحاول الإمارات الدفع نحو مقاربة إسرائيلية أقل تشددًا في جنوب سوريا، بما يضمن حماية مشاريع البنية التحتية والممرات التجارية التي تراهن عليها في المرحلة المقبلة.

كما إنّ تعثُّر المفاوضات السوريةـالإسرائيلية حول ترتيبات أمنية جديدة يفتح الباب أمام دور إماراتي محتمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة، سواء لتسهيل التفاهمات أو لتخفيف التوترات التي قد تهدّد الاستقرار الهش في سوريا. وفي المقابل، يبدو أنّ إسرائيل نفسها قد تنظر إلى تنامي النفوذ الإماراتي داخل سوريا باعتباره خيارًا أقل إزعاجًا من تمدد النفوذ التركي، الذي بات يشكل مصدر قلق متزايد لصنّاع القرار الإسرائيليين، خصوصًا بعد انهيار جزء كبير من الشبكة الإقليمية الإيرانية في المنطقة.

ومع ذلك، يبقى نجاح الاستراتيجية الإماراتية في سوريا مرتبطًا بعوامل تتجاوز قدرة أبوظبي على التحكُّم بها. فالهشاشة الداخلية السورية ما زالت قائمة، كما إنّ التوترات الإسرائيليةـالسورية لم تُحسم بعد، فضلًا عن استمرار التنافس التركي ـ السعودي على النفوذ داخل دمشق ومحيطها.

لكن رغم هذه التعقيدات، تدخل الإمارات المنافسة وهي تمتلك عناصر قوة يصعب تجاهلها. فهي تتمتع بقدرة مالية تفوق ما تملكه تركيا في الظروف الحالية، كما تحتفظ بعلاقات أكثر متانة مع إسرائيل مقارنة بمعظم الدول العربية والخليجية الأخرى، في وقت تتجه تل أبيب إلى لعب دور إقليمي أكثر تأثيرًا بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة.

وفي المحصّلة، قد لا تكون الاستثمارات الإماراتية وحدها كافية لتحقيق الاستقرار الكامل في سوريا أو حماية التجارة الخليجية من الصدمات المستقبلية، إلا أنّها تمنح أبوظبي فرصة واقعية لتوسيع نفوذها الجيوسياسي تدريجًا داخل المشرق العربي. فالإمارات لا تستثمر اليوم في إعادة إعمار سوريا فقط، بل في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية التي ستحدد شكل الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.

Exit mobile version