كشفت الحرب الأخيرة مع إيران حدود المظلة الأمنية الأميركية التي اعتمد عليها الخليج لعقود. وبين تصعيدٍ لا يُمكنُ ضمان نتائجه وانسحاب أميركي يبدو حتميًا في المدى الطويل، تجد دول الخليج نفسها أمام سؤال لم يعد بالإمكان تأجيله: كيف تبني أمنها بنفسها؟
دَيفيد روبرتس*
وضعت الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران دول الخليج العربي أمام مُعضِلة استراتيجية غير مسبوقة. فوجود القواعد والقوات الأميركية على أراضيها جعل منشآتها الحيوية —من البنية التحتية للطاقة إلى المرافق الاقتصادية والسياحية— أهدافًا مباشرة للرد الإيراني. ورُغمَ ما تعرّضت له القدرات العسكرية الإيرانية من استنزاف، لا تزال طهران تمتلك أدواتٍ فعّالة لتهديد أمن الخليج، وفي مقدمتها قدرتها على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز. وفي المقابل، يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستعدًا لقبول أيِّ تسوية يمكن تسويقها كنصرٍ سياسي، كما يبقى خيار التصعيد مطروحًا بقوة في نهجه. وفي كلا السيناريوَين، تبدو دول الخليج الطرف الأكثر عرضة للخسارة. لذلك، لم يعد من الممكن لقادة الخليج الاستمرار في انتظار واشنطن لصياغة مستقبل أمنهم، بل بات عليهم الشروع في بناء رؤية إقليمية مستقلة تحمي مصالحهم مباشرة.
إنَّ الخروج من هذا المأزق يقتضي مراجعة جذرية للمسلّمة التي حكمت أمن الخليج طوال القرن الماضي: اعتبار الأمن خدمة تُستورَد لا قدرة تُبنى ذاتيًا. ومن هذا المنطلق، ينبغي لدول الخليج أن تنخرط في إدارة علاقتها مع إيران بصورةٍ مباشرة، بدلًا من الاعتماد الدائم على الوساطة أو الحماية الأميركية. ويمكن أن يتجسّد ذلك في إطار اتفاقٍ إقليمي شامل تكون فيه إعادة تنظيم الوجود العسكري الأميركي في الخليج —عبر انسحابٍ تدريجي ومدروس— جُزءًا أساسيًا من تسوية أوسع. ولن يُفهم هذا الانسحاب باعتباره رضوخًا للضغوط الإيرانية، بل بوصفه خطوة استراتيجية لإعادة تشكيل التوازن الإقليمي. وفي المقابل، قد تجد طهران في هذا المسار فرصة لتحقيق هدف سعت إليه طويلًا، مقابل تقديم تنازلات جوهرية تشمل فرض قيود على برامجها النووية والصاروخية، والحد من سياساتها التصعيدية، والانفتاح على تطبيع العلاقات الديبلوماسية مع جيرانها الخليجيين. ومثل هذا التحوُّل، إذا تحقّق، قد يؤسس لبداية نظام إقليمي جديد في الخليج، أشبه بلحظة “وستفالية” تعيد تعريف قواعد الأمن والاستقرار في المنطقة.
غير أنَّ أيَّ تسوية إقليمية، مهما بلغت أهميتها، لن تكون كافية ما لم تُرفَق بتحوُّلٍ جذري في العقيدة العسكرية الخليجية. فطوال عقود، بنت الملكيات الخليجية منظوماتها الأمنية على أساس الاعتماد على القوى الخارجية، لا على تطوير قدرة ذاتية مستقلة. وانعكس ذلك بوضوح على طبيعة جيوشها، التي صُمِّمَت في كثيرٍ من الأحيان لإدارة التحالفات السياسية وإرسال الرسائل الديبلوماسية أكثر مما صُمِّمَت لخوض حروب طويلة ومعقدة دفاعًا عن الإقليم. وهذا النموذج لم يعد قابلًا للاستمرار.
وَهْمُ المظلّة الأميركية
يكشف التاريخ الحديث أنَّ القوى الخارجية كثيرًا ما تعاملت مع أمن الخليج باعتباره ملفًا مرتبطًا بمصالحها الخاصة، لا التزامًا ثابتًا تجاه حلفائها. فقد تخلّت المملكة المتحدة عن ثُلثَي الأراضي الكويتية عام 1922، ثم تراجعت عن دعم حلفائها في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي. وعندما أنهت وجودها العسكري في الخليج عام 1971، بعد نحو قرن ونصف من الحضور المتواصل، قبلت عمليًا بسيطرة إيران على ثلاث جزر إماراتية. أما سجل الولايات المتحدة، فلا يبدو أكثر طمأنة. ففي عام 1979، وقفت واشنطن عاجزة أمام سقوط شاه إيران، حليفها الإقليمي الأهم آنذاك. وخلال انتفاضات الربيع العربي، لم تُظهر استعدادًا حقيقيًا للدفاع عن شركائها في البحرين ومصر. وفي عام 2019، اكتفت برد محدود بعد الهجوم المدعوم من إيران على منشآت بقيق النفطية في السعودية، رغم ما مثّله الهجوم من تهديد مباشر لأمن الطاقة العالمي. ثم جاء عام 2025 ليكشف هشاشة المظلة الأمنية الأميركية بصورة أكثر وضوحًا، عندما تعرضت قطر، الحليف الرئيسي لواشنطن في الخليج، لهجمات من إيران ومن إسرائيل على حد سواء.
الاستثناء الأبرز يبقى تحرير الكويت عام 1991 بقيادة الولايات المتحدة، غير أنَّ هذا المثال غالبًا ما يُحمََّلُ أكثر مما يحتمل. فقد تدخلت واشنطن آنذاك لأنَّ حماية تدفق النفط وترسيخ النظام الدولي بعد الحرب الباردة كانا يتوافقان بالكامل مع مصالحها الاستراتيجية في لحظة أحادية القطبية. لكن ذلك لا يُقدّم ضمانة حقيقية بشأن ما قد تفعله الولايات المتحدة عندما تتباعد أولوياتها مع مصالح الخليج في المستقبل.
غير أنَّ مشكلة الاعتماد على الحماية الخارجية لا تتعلق فقط بتقلُّب التزامات الحلفاء، بل أيضًا بما أنتجته من تراجع في الجدية العسكرية داخل الخليج نفسه. وكما هو الحال في أجزاءٍ واسعة من أوروبا، ترسَّخَ افتراضٌ ضمني مفاده أنَّ الولايات المتحدة ستبقى الضامن النهائي للأمن إلى ما لا نهاية. ونتيجة لذلك، لم تُطوِّر دول الخليج، رُغم اعتمادها شبه الكامل على التجارة البحرية وكونها عرضة باستمرار لتهديدات إيرانية في مضيق هرمز، قدرات مُتقدِّمة في مجالاتٍ حيوية مثل كشف الألغام البحرية وحماية خطوط الملاحة. بل تُرِكَت هذه المهمة الحساسة إلى حدٍّ كبير للقوات البريطانية والأميركية. وعندما سحبت لندن كاسحات ألغامها قبل الحرب، وبدأت واشنطن عملياتها ضد إيران انطلاقًا من قطع بحرية تبعد آلاف الأميال، بدا واضحًا مرة أخرى أنَّ القوى الكبرى تتحرك وفق حساباتها الخاصة، لا وفق احتياجات الخليج الأمنية.
مع ذلك، لا يعني هذا أنَّ جيوش الخليج تفتقر إلى الكفاءة أو القدرة على التطوُّر. فقد أظهرَ بعضُ التجارب أنَّ هذه الجيوش قادرة على تنفيذ عمليات عالية التعقيد عندما تُمنَحُ المسؤولية كاملة. ويُعد الإنزال البرمائي الذي نفذته الإمارات العربية المتحدة في مدينة عدن اليمنية عام 2015 من أكثر العمليات العسكرية العربية تعقيدًا في العصر الحديث. كما اكتسبت وحدات الدفاع الصاروخي الخليجية خبرة عملياتية متقدمة جعلتها من بين الأكثر احتكاكًا بالتهديدات الحقيقية عالميًا. وفي اللحظات التي غابت فيها القوى الدولية عن أداء المهمة نيابة عنها، أثبتت الجيوش الخليجية أنها قادرة على القتال والتكيُّف وتحمُّل المسؤولية.
التحدّي اليوم لا يكمن في إثبات القدرة، بل في تحويل هذه النجاحات المحدودة إلى عقيدة عسكرية متكاملة ودائمة. فالأزمة المقبلة لن تمنح الخليج رفاهية التعلُّم البطيء، وربما يكون تراجع الوجود العسكري الأميركي هو العامل الوحيد القادر على فرض هذا التحوُّل الاستراتيجي ودفع دول الخليج إلى التعامل مع أمنها باعتباره مسؤولية لا يمكن تفويضها إلى الآخرين.
الصفقة المستحيلة… أم النظام الإقليمي الجديد؟
ورُغمَ ذلك، لا يزال بعض صناع القرار في الخليج يراهن على خيار مختلف: دفع الولايات المتحدة إلى “إتمام المهمة” ضد إيران. ويتجلّى هذا التوجُّه، وإن بصورةٍ غير معلنة، في رغبة متزايدة داخل بعض العواصم الخليجية في ألّا تتوقّف واشنطن قبل تجريد طهران بالكامل من قدرتها على تهديد مضيق هرمز، أو دعم حلفائها الإقليميين، أو استهداف البنية التحتية الخليجية من دون تكلفة باهظة. غير أنَّ هذا التصوُّر يصطدم بحقيقة تاريخية يصعب تجاهلها: فالجمهورية الإسلامية أثبتت، مرارًا، قدرة استثنائية على الصمود.
لقد نجت إيران من حرب استنزاف دامت ثماني سنوات مع العراق، حصدت مئات الآلاف من الأرواح ودمّرت أجزاء واسعة من اقتصادها، كما تجاوزت عقودًا من العقوبات الدولية والعزلة السياسية، فضلًا عن حملات الاغتيال والتخريب التي استهدفت شخصيات محورية في النظام. وحتى بعد أشهر من واحدة من أعنف حملات القصف التي عرفتها المنطقة، لا يزال النظام الإيراني متماسكًا، ويواصل استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لإبقاء الضغط على خصومه وجيرانه. ولذلك، فإنَّ التعويل على انهيار الجمهورية الإسلامية عبر الضغط العسكري وحده يبدو رهانًا لا تسنده تجارب التاريخ ولا توازنات الواقع.
وفي النهاية، كما تُظهر كل الحروب الممتدة، لا توجد مواجهة تستمر إلى ما لا نهاية. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت التسوية ستأتي، بل متى ستأتي: بعد أشهر من الاستنزاف أم بعد سنوات من الفوضى. فالخصوم الأكثر عداءً يجدون أنفسهم، عاجلًا أو آجلًا، مضطرين إلى البحث عن تسويات تحفظ الحد الأدنى من مصالحهم. وقد شهد الخليج نفسه سوابق عديدة لتفاهمات بين إيران وجيرانها رغم التوترات العميقة.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى إطار إقليمي جديد يقوم على صفقة استراتيجية شاملة: انسحاب أميركي تدريجي من القواعد العسكرية في الخليج مقابل التزامات إيرانية واضحة ومُلزمة. مثل هذه المعاهدة لن تكون مجرد ترتيب أمني مؤقت، بل محاولة لإعادة تأسيس النظام الإقليمي على قواعد مختلفة، بحيث تصبح دول الخليج هي الطرف الذي يحدد أولويات أمنه، بدلًا من الاعتماد الدائم على قوى خارجية قد تتغير حساباتها أو تتبدل التزاماتها مع تغير موازين القوى الدولية.
ويمكن لعملية انسحاب أميركي تمتد على خمس سنوات أن تُخفف أحد أبرز مصادر التوتر البنيوي في الخليج. وسيشمل ذلك تقليص الوجود العسكري الأميركي في منشآت استراتيجية مثل قاعدة العديد الجوية في قطر، ومقر الأسطول الخامس في، وقاعدة الظفرة في الإمارات، إلى جانب قواعد رئيسية في الكويت والسعودية. لكن هذا الانسحاب لن يعني التخلي الكامل عن الخليج، بل إعادة تموضع مدروسة تُبقي على البنية التحتية العسكرية قائمة، مع ترتيبات تتيح عودة سريعة للقوات الأميركية إذا برز تهديد استثنائي.
ومن منظور طهران، يشكل الوجود العسكري الأميركي في الخليج جوهر التهديد الاستراتيجي الذي بنت عليه عقيدتها الردعية لعقود. وإذا تراجع هذا الوجود، وتضاءلت احتمالات المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، فقد تصبح إيران أقل اندفاعًا نحو التوسُّع العسكري الدائم أو التصعيد المستمر. وفي المقابل، لن يكون الانسحاب الأميركي خطوة مجانية أو أحادية الجانب، بل جُزءًا من مقايضة أوسع قد تدفع إيران إلى تقديم تنازلات غير مسبوقة مقارنة بما قبلته في الاتفاقات السابقة.
وتبقى القضية النووية في قلب أي تسوية محتملة. فمن الصعب تصور استقرار إقليمي دائم من دون إعادة صياغة العلاقة بين إيران والرقابة الدولية على برنامجها النووي. وقد يشمل ذلك عودة طهران إلى التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة النووية، لكن ضمن ترتيبات أكثر صرامة وشفافية من تلك التي نصت عليها “خطة العمل الشاملة المشتركة” عام 2015. وفي هذا السياق، يمكن للبرامج النووية المدنية الخليجية أن تتحوَّلَ من مصدر قلق محتمل إلى أداة لبناء الثقة، عبر إنشاء آليات تفتيش وتعاون إقليمي متبادل تعزز الشفافية وتحد من احتمالات التصعيد. ومثل هذا المسار قد يقلص أيضًا دوافع العمليات الإسرائيلية الأحادية ضد إيران، فيما قد تجد طهران نفسها أقل حاجة إلى السعي نحو امتلاك سلاح نووي إذا تراجعت التهديدات الوجودية التي تواجهها.
غير أنَّ ضبط برامج الطائرات المسيّرة الإيرانية سيبقى أكثر تعقيدًا من احتواء الملف النووي أو الصاروخي. فهذه التكنولوجيا تقوم بطبيعتها على إنتاجٍ موزَّع وشبكات تطوير مرنة، كما إنَّ مكوّناتها مزدوجة الاستخدام ومتاحة على نطاق واسع، ما يجعل إخضاعها لأنظمة التفتيش التقليدية أمرًا بالغ الصعوبة. لذلك، قد يكون من غير الواقعي الحديث عن حظرٍ كامل لهذه القدرات، لكن من الممكن بناء إطار رقابي متعدد الأطراف يضع قيودًا واضحة على مدى المسيّرات وحمولاتها، ويحدُّ من نقلها إلى الجماعات المسلحة غير الحكومية، ويراقب عمليات الانتشار الواسعة التي يمكن أن تهدّد استقرار المنطقة.
وسيستند تنفيذ مثل هذه الترتيبات إلى المنطق نفسه الذي يحكم الاتفاق الأوسع: ربط التخفيف التدريجي للعقوبات والانسحاب الأميركي المشروط بمدى التزام إيران العملي ببنود الاتفاق. فكل خطوة نحو تخفيف العزلة الاقتصادية عن طهران، كما كل مرحلة من إعادة تموضع القوات الأميركية، ستكون مشروطة بإثبات الامتثال، لا بالوعود السياسية وحدها.
وفي الوقت نفسه، لا تستطيع دول الخليج انتظار نجاح الديبلوماسية وحدها. إذ يتعيّن عليها تطوير قدراتها الدفاعية بصورة عاجلة، خصوصًا في مواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة وعالية الفعالية. وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا أنَّ مواجهة هذا النوع من التهديدات لا تعتمد فقط على أنظمة الدفاع التقليدية، بل على مزيج من الحرب الإلكترونية، ومنظومات الاعتراض متعددة الطبقات، وتحصين البنية التحتية الحيوية ضد الهجمات المتكررة. فالديبلوماسية قد تخفف مستوى التهديد في المدى الطويل، لكن الدفاع الفعّال يبقى الوسيلة الوحيدة للتعامل معه في المدى المنظور.
إلى جانب ذلك، ستحتاج أيُّ تسوية إقليمية جدية إلى اتفاقٍ أوسع لعدم الاعتداء، تُحدّد فيه إيران سقوفًا واضحة لمدى صواريخها الباليستية وحمولاتها، مقابل رفعٍ تدريجي للعقوبات وإعادة دمجها اقتصاديًا في محيطها الإقليمي. كما سيتطلب الاتفاق إنهاء الدعم الإيراني للجماعات المسلحة الحليفة، من “حزب الله” إلى الميليشيات العراقية والحوثيين، بحيث يصبح استقرار الخليج مصلحة مشتركة لجميع الأطراف بدل أن يبقى ساحة مفتوحة لحروب النفوذ والاستنزاف.
والهدف النهائي من مثل هذا الترتيب لا يقتصر على احتواء التوتر، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف الخليج نفسه: من منطقة تُدار عبر الردع والتصعيد الدائم إلى فضاء اقتصادي مترابط تتحمّل فيه جميع القوى، بما فيها إيران، كلفة أي انفجار عسكري أو انهيار أمني. فكلما ازدادت المصالح الاقتصادية المتبادلة، ارتفعت كلفة العودة إلى الصراع المفتوح.
ومع ذلك، سيبقى الاعتراض الأكثر شيوعًا على هذا التصوُّر هو التشكيك في استعداد إيران للالتزام بأيِّ اتفاقٍ طويل الأمد. ويستند هذا الرأي إلى اعتبار الجمهورية الإسلامية نظامًا تحرّكه دوافع عقائدية تتجاوز الحسابات التقليدية للمصلحة والردع. لكن قراءة أكثر واقعية لسلوك طهران خلال العقود الماضية توحي بصورة مختلفة: دولة شديدة البراغماتية، وإن كانت قاسية في أدواتها، تسعى قبل كل شيء إلى تحقيق أهداف استراتيجية واضحة، في مقدمتها إبعاد النفوذ العسكري الأميركي عن جوارها، وترسيخ الاعتراف بدورها الإقليمي، وضمان بقاء النظام السياسي نفسه. ومن هذا المنظور، لا تبدو إيران كفاعل غير قابل للاحتواء، بل كدولة يتأثر سلوكها، مثل غيرها، بموازين الكلفة والعائد، وبمزيج الضغوط والحوافز.
لكن التجربة التاريخية تشير إلى أنَّ تصوير إيران كدولةٍ عقائدية بالكامل، أو كفاعلٍ براغماتي بحت، لا يعكس الواقع بدقة. فالجمهورية الإسلامية تتحرّك بالفعل بدوافع إيديولوجية عميقة، وهو ما يفسّر تمسُّكها طويل الأمد بشبكات الحلفاء والوكلاء في المنطقة، وإصرارها على خطابها المعادي لإسرائيل بوصفه جُزءًا تأسيسيًا من هوية الثورة نفسها، حتى عندما أدى ذلك إلى تعميق عزلتها الدولية وزيادة كلفتها الاقتصادية. غير أنَّ هذا البُعد العقائدي لم يمنع طهران، في الوقت ذاته، من إظهار قدر كبير من المرونة الاستراتيجية عندما اقتضت مصالحها ذلك.
فعلى امتداد العقود الماضية، أظهرت إيران استعدادًا متكررًا للتكيُّف مع موازين القوى والضغوط المحيطة بها. فقد دخلت في ترتيبات غير مباشرة مع إسرائيل خلال ثمانينيات القرن الماضي، وعاشت فترات من الانفراج النسبي مع محيطها الخليجي خلال التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة. وحتى بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، واصلت طهران الالتزام ببنود واسعة من الاتفاق لأكثر من عام، قبل أن تنتقل تدريجًا إلى تقليص التزاماتها بدل الانسحاب الكامل والفوري منه. كما إنَّ استئناف العلاقات مع السعودية عام 2023 شكّل مثالًا إضافيًا على استعدادها لإعادة ضبط سياساتها الإقليمية عندما تتوافر الحوافز المناسبة.
ومن هنا، فإنَّ القضية الأساسية لا تتعلق بما إذا كانت إيران “جديرة بالثقة” بالمعنى المطلق، بل بما إذا كانت بنية الاتفاق المقترح قادرة على جعل الالتزام أقل كلفة وأكثر فائدة من التصعيد. فالدول لا تتحرّك على أساس النيات المجردة، بل وفق توازنات المصالح والضغوط. وفي هذا السياق، تبدو المقاربة المطروحة أكثر طموحًا من الأطر التفاوضية السابقة، لأنها لا تقتصر على الملف النووي وحده، بل تربط بين تخفيف واسع للعقوبات، وإعادة تشكيل الوجود العسكري الأميركي، وإدماج إيران اقتصاديًا في محيطها الإقليمي.
الخليج بعد أميركا
وفي قلب هذه المعادلة تقف دول الخليج باعتبارها الطرف الأكثر تأثرًا بنتائج أي تسوية، سواء نجحت أو فشلت. فهي الأكثر عرضة للخسائر الأمنية والاقتصادية إذا استمرت المواجهة، لكنها أيضًا الطرف الأكثر قدرة على الاستفادة من نظام إقليمي أكثر استقرارًا. ولهذا، فإنَّ أيَّ اتفاق يُصاغ بصورة ثنائية بين واشنطن وطهران، من دون مشاركة خليجية فعلية، يحمل خطر التحوُّل إلى صفقة تخدم أولويات القوتين على حساب مصالح الدول الخليجية نفسها.
لذلك، ينبغي أن تكون البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات أطرافًا كاملة في أيِّ معاهدة مستقبلية، لا مجرد مراقبين أو داعمين من الخلف. ويجب أن تضطلع هذه الدول بدور مباشر في تصميم آليات التحقق والتفتيش المتبادل، وفي بناء أطر التعاون الاقتصادي التي تمنح الاتفاق قابلية للاستمرار في المدى الطويل. فاستدامةُ أيِّ تسوية لن تعتمد فقط على الردع العسكري، بل على خلق شبكة مصالح متبادلة تجعل كلفة الانهيار مرتفعة على جميع الأطراف.
ومع ذلك، فإنَّ نجاح هذا النموذج يتطلّب أيضًا إعادة تعريف العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، لا إنهاءها بالكامل. فدول الخليج ستظل بحاجة إلى ضمانات أميركية واضحة ومكتوبة ضمن أي اتفاق، تشمل الحفاظ على البنية التحتية العسكرية القائمة، إلى جانب التزام أميركي مُلزِم بإعادة نشر القوات الأميركية بسرعة إذا ظهر تهديد خطير للاستقرار الإقليمي. وقد أظهرت الحرب الأخيرة أنَّ واشنطن ما زالت قادرة، رُغم تراجع حضورها النسبي، على حشد قوات كبيرة في الخليج خلال فترة زمنية قصيرة.
ومن هذا المنظور، قد يمثل الانسحاب التدريجي للقوات الأميركية تسوية وسطًا تحقق مصالح جميع الأطراف: فهو يمنح دول الخليج قدرًا من الطمأنينة والردع الاستراتيجي، من دون الإبقاء على وجود عسكري دائم تعتبره طهران تهديدًا وجوديًا واستفزازًا مستمرًا. وبهذا المعنى، لا يكون الهدف إنهاء الشراكة الخليجية-الأميركية، بل تحويلها من وجود عسكري مفتوح إلى مظلة ردع احتياطية أقل استفزازًا وأكثر قابلية للاستدامة.
ومع تبلور ملامح أي تسوية إقليمية، وبدء الانسحاب الأميركي التدريجي من الخليج، ستجد الدول الخليجية نفسها أمام استحقاق لا يمكن تأجيله: بناء قدرة ردع ذاتية قادرة على موازنة إيران وحماية استقرار المنطقة. وهذا التحدي، رغم صعوبته، لا يعني أنَّ الخليج يبدأ من الصفر. فدوله تمتلك بالفعل بعضًا من أكثر أنظمة الدفاع الصاروخي تطوُّرًا في العالم، كما راكمت خلال السنوات الأخيرة خبرات عملياتية متزايدة في مجالات الحرب الجوية والدفاع البحري والتعامل مع التهديدات غير التقليدية.
لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بالإمكانات العسكرية، بل بالقدرة السياسية على بناء أشكال فعّالة من التعاون الأمني بين دولٍ لا يزال تاريخها الحديث مثقلًا بالخلافات والانقسامات. فالمنطقة نفسها شهدت قبل سنوات قليلة أزمة حصار استمرّت أكثر من ثلاث سنوات بين بعض أعضائها، وهو ما يجعل الحديث عن تكامل دفاعي شامل أقرب إلى الطموح النظري منه إلى الواقع العملي. غير أنَّ غياب الوحدة الكاملة لا يعني استحالة التعاون.
فالنظام الأمني الخليجي لا يحتاج بالضرورة إلى نموذجٍ اتحادي صارم حتى يكون فعّالًا. إذ يمكن للتحالفات المرنة، والتنسيق الثنائي، وترتيبات “الدول الراغبة” المبنية على مهام محددة، أن تحقق قدرًا كبيرًا من الفاعلية من دون الحاجة إلى مشروع سياسي وحدوي أثبتت التجربة الخليجية محدودية فرص نجاحه. وقد يتخذ هذا التعاون أشكالًا متعددة، من حماية الملاحة في مضيق هرمز، إلى تبادل بيانات الإنذار المبكر بشأن الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وصولًا إلى التدريبات المشتركة لحماية الموانئ والمنشآت النفطية، وعمليات إزالة الألغام، وبناء قدرات جماعية لاعتراض أسراب المسيّرات منخفضة الكلفة. وفي مثل هذه الترتيبات، لا يشترط أن تشارك جميع الدول الخليجية في كل مبادرة، بل يكفي وجود عدد كافٍ من الشركاء القادرين على تنفيذ المهمة المطلوبة.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنَّ الانسحاب التدريجي المدعوم بتسوية إقليمية واسعة قد يوفر مخرجًا سياسيًا واستراتيجيًا أكثر استدامة من استمرار الوضع الحالي. فبدل أن يبدو تقليص الوجود العسكري الأميركي وكأنه تراجُعٌ تحت الضغط، يمكن تقديمه بوصفه إعادة تموضع مدروسة نجحت في تحقيق أهداف استراتيجية طال انتظارها: احتواء البرنامج النووي الإيراني ضمن قيود قابلة للتحقق، وإنهاء عقود من الانتشار العسكري المكلف، وإرساء تفاهمات إقليمية تقلل احتمالات الانفجار المستمر في الخليج.
ومن شأن هذا المسار أن يعالج في آنٍ واحد أعباء عدة أثقلت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط: الكلفة المالية للوجود العسكري الدائم، والهشاشة المزمنة في أسواق الطاقة نتيجة التوترات الإقليمية، والتعب المتزايد داخل الرأي العام الأميركي من الانخراط المفتوح في حروب وصراعات لا نهاية واضحة لها.
أما بالنسبة إلى إيران، فقد تكون المكاسب المحتملة أكبر مما حققته أربعة عقود من التصعيد والمواجهة. فبالنسبة إلى النظام الإيراني، يبقى تخفيف العقوبات واستعادة النمو الاقتصادي أكثر أهمية في المدى الطويل من تحقيق انتصارات عسكرية رمزية في الخارج. إذ إنَّ التهديد الأكثر خطورة على استقرار الجمهورية الإسلامية لا يأتي من خصومها الإقليميين فقط، بل من الضغوط الداخلية المتراكمة داخل مجتمع شاب، متعلم، ومتزايد الإحباط من التهميش الاقتصادي والسياسي.
وبعد أن تمكن النظام من تجاوز أقسى مواجهة عسكرية في تاريخه الحديث، قد يرى في هذه اللحظة فرصة لتحويل “الصمود” إلى تسوية، تسمح له بتقديم تنازلات محسوبة لخصومه الخارجيين ولمجتمعه الداخلي من دون أن يبدو في موقع المنهزم. ومن هذا المنظور، لا تصبح التسوية تعبيرًا عن الضعف، بل وسيلة لإعادة إنتاج الاستقرار الداخلي واستعادة الحد الأدنى من الحيوية الاقتصادية التي يحتاجها النظام للبقاء.
أما بالنسبة إلى دول الخليج، فإنَّ التمسُّك بالمظلة الأمنية الأميركية لا ينبع فقط من حسابات القوة، بل من إرثٍ سياسي واستراتيجي ترسَّخَ على مدى قرن كامل. فقد تشكلت مؤسسات الدولة الخليجية الحديثة، وعقائدها العسكرية، وحتى تصورات نخبها الحاكمة للأمن والاستقرار، في ظل افتراضٍ ثابت مفاده أنَّ الحماية الخارجية هي الضمانة النهائية لبقاء الأنظمة واستمرار التوازن الإقليمي. كما إنَّ الاستثمارات الهائلة التي ضُخَّت في هذه البنية الأمنية، وما حققته أحيانًا من ردع واستقرار، جعلت فكرة الانفصال عنها تبدو محفوفة بالمخاطر.
لكن التحوّلات الجارية في النظام الدولي، إلى جانب التجارب المتراكمة خلال العقود الماضية، تشير إلى حقيقة يصعب تجاهلها: الأمن المستدام لا يمكن استيراده بصورة دائمة من الخارج، بل يجب أن يُبنى داخليًا، عبر مزيج من القدرة العسكرية الذاتية، والتفاهمات الإقليمية، والمصالح الاقتصادية المشتركة. فالقوى الكبرى تتحرك وفق أولوياتها المتغيرة، لا وفق احتياجات حلفائها الثابتة، والولايات المتحدة، مهما طال بقاؤها، لن تبقى منخرطة في الخليج إلى الأبد بالصيغة نفسها التي عرفتها المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة.
ولهذا، فإنَّ السؤال الحقيقي الذي يواجه دول الخليج لم يعد ما إذا كانت واشنطن ستقلص حضورها يومًا ما، بل ما إذا كانت العواصم الخليجية ستتمكن من تحويل هذا التحوُّل الحتمي إلى عملية منظّمة تخدم مصالحها، بدل أن تجد نفسها مضطرة للتكيُّف مع انسحابٍ تفرض واشنطن توقيته وشروطه وحدها. وبكلمات أخرى، لم يعد التحدي هو منع الرحيل الأميركي، بل امتلاك القدرة السياسية والاستراتيجية على إدارة ما بعده.
- ديفيد روبرتس هو أستاذ مشارك في دراسات أمن الشرق الأوسط في كلية كينغز كوليدج لندن، ورئيس معهد كينغز للدراسات الأمنية التطبيقية، ومؤلف كتاب “السياسات الأمنية في ممالك الخليج” (Security Politics of the Gulf Monarchies).
- يَصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في مجلة “فورِن أفّيرز” الأميركية.
