كابي طبراني*
لم تَعُد الأسمدة مجرّد مدخلٍ زراعي تقني، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى أداة ضغطٍ جيوسياسي تعكس هشاشة سلاسل الإمداد العالمية. ومع تصاعد التوترات في الخليج وإقفال مضيق هرمز أمام حركة الشحن، لم تقتصر التداعيات على أسواق الطاقة، بل امتدت سريعًا إلى سوق الأسمدة، لتكشف كيف يمكن لاختناق ممرٍّ بحري واحد أن يُعيدَ تشكيل معادلات الأمن الغذائي لملايين البشر.
في مناطق مستقرة نسبيًا، يمكن امتصاص مثل هذه الصدمات، ولو بكلفة مرتفعة. أما في الساحل الأفريقي، فإنَّ الأمر مختلف تمامًا. هنا، تُدار الزراعة على حافة الهشاشة: موسم أمطار قصير، نافذة زراعية ضيقة، واعتماد كبير على المدخلات المستوردة. في مثل هذا السياق، لا يكون ارتفاع أسعار الأسمدة مجرّد عبءٍ اقتصادي، بل تهديدًا مباشرًا للإنتاج، ومن ثمّ للاستقرار الغذائي والاجتماعي.
فمضيق هرمز لا يشكل فقط شريانًا لتدفقات النفط، بل يمثل أيضًا عقدة أساسية في تجارة المواد الأولية المرتبطة بإنتاج الأسمدة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر أسواق الطاقة والنقل. وعندما يتعطل هذا الممر، ترتفع تكاليف الإنتاج والشحن معًا، وتتسارع الضغوط على الدول الأكثر اعتمادًا على الاستيراد، وهي في الغالب الدول الأضعف اقتصاديًا.
الساحل الأفريقي، في هذا السياق، ليس مجرد ضحية عابرة لتقلبات الأسواق، بل مرآة مكبّرة لهشاشةٍ أوسع. فالتقلبات العالمية، حين تتقاطع مع النزاعات المحلية وضعف البنية التحتية، تتحول بسرعة إلى أزمات مركّبة. وهنا، تبرز الأسمدة كحلقة حاسمة في سلسلة الأمن الغذائي—حلقة غالبًا ما تُهمَل في النقاشات العامة، رغم تأثيرها المباشر في الإنتاج الزراعي.
غير أنَّ قراءة هذه الأزمة بوصفها كارثة إنسانية فقط تفوّت جانبًا مهمًا: إنها أيضًا اختبار استراتيجي لشمال أفريقيا. فدول المغرب العربي ومصر، رغم تعرّضها للضغوط نفسها، تمتلك من الموارد والقدرات ما يجعلها قادرة، نظريًا، على لعب دور محوري في تخفيف آثار الصدمة.
المغرب، على سبيل المثال، يشكل أحد الأعمدة الأساسية في سوق الأسمدة عالميًا بفضل احتياطياته الضخمة من الفوسفات. ومن خلال مجموعة “المكتب الشريف للفوسفاط”، لم يعد دوره مقتصرًا على التصدير، بل امتد إلى بناء شراكات زراعية عبر القارة الأفريقية، تجمع بين الإنتاج والخبرة التقنية. هذه المقاربة تمنح المغرب قدرة على التأثير تتجاوز الأرقام، لتصل إلى كيفية إدارة الموارد الزراعية نفسها.
في المقابل، تمتلك الجزائر ميزة مختلفة لكنها لا تقل أهمية: الغاز الطبيعي، الذي يُعدّ المكون الأساسي لإنتاج الأسمدة النيتروجينية. أما مصر، فتجمع بين قدرات إنتاجية مُعتَبَرة وبنية تحتية لوجستية حيوية، مستفيدة من موقعها الذي يربط بين أهم الممرات التجارية في العالم. هذه العناصر، مجتمعة، تشكل منظومة إقليمية قادرة على التأثير—لكنها لا تزال دون مستوى التفعيل المطلوب.
المشكلة، في جوهرها، ليست نقص الموارد، بل غياب القرار والتنسيق.
فشمال أفريقيا، رغم ما يملكه من أدوات، لا يزال يتعامل مع أزمات جواره الجنوبي بردود فعل متفرقة، محكومة بحسابات داخلية أو تنافسات إقليمية. لكن هذا التردد لم يعد ترفًا ممكنًا. فعدم الاستقرار في الساحل لا يبقى محصورًا هناك، بل يمتد شمالًا، عبر موجات الهجرة، وتوسع الاقتصاد غير النظامي، وتنامي نشاط الجماعات المسلحة. في هذا الإطار، يصبح دعم الزراعة في الساحل –حتى عبر توفير الأسمدة– استثمارًا مباشرًا في الاستقرار، لا مجرّد مبادرة تضامنية.
غير أنَّ تحويل هذا الإدراك إلى سياسة فعّالة يتطلب التعامل مع ثلاث قضايا مترابطة:
أولًا، التمويل. فدول الساحل، المثقلة بالديون وضعف العملات، تواجه صعوبة متزايدة في تمويل وارداتها من الأسمدة في ظل الأسعار المرتفعة. وهنا يبرز دور مؤسسات مثل البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، اللذين يمكنهما توفير أدوات تمويل سريعة ومرنة، تتجاوز بطء الإجراءات التقليدية، وتستجيب لإيقاع المواسم الزراعية.
ثانيًا، اللوجستيات. فحتى مع توفُّر الإنتاج والتمويل، يبقى التحدي في إيصال الأسمدة إلى المزارعين في الوقت المناسب. البنية التحتية في الساحل محدودة، والطرق محفوفة بالمخاطر. ويمكن لمصر أن تلعب دورًا محوريًا في تنسيق حركة الشحن، بينما يستطيع المغرب تطوير ممرات بديلة نحو العمق الأفريقي عبر واجهته الأطلسية. لكن هذه الجهود لن تحقق أثرها الكامل ما لم تُدمج ضمن رؤية إقليمية متماسكة.
ثالثًا، السياسة—وهي العقدة الأكثر تعقيدًا. فالعلاقات المتوترة بين بعض دول المغرب العربي، خصوصًا بين المغرب والجزائر، لا تزال تعيق أي استجابة جماعية فعّالة. لكن هذه الأزمة تطرح سؤالًا حاسمًا: إذا لم تفرض مثل هذه التحديات تعاونًا عمليًا، فما الذي يمكن أن يفرضه؟ ربما تكمن الإجابة في تبني مقاربة براغماتية، تسمح بالتنسيق في الملفات الحيوية من دون انتظار تسوية الخلافات الأوسع. ويمكن لأطر مثل “الاتحاد من أجل المتوسط” أو “حوار 5+5” أن توفر منصّات أوّلية لهذا التنسيق، حتى وإن كان محدودًا في بدايته.
ولا يمكن تجاهل البُعد الأوروبي في هذه المعادلة. فاستقرار الساحل ليس شأنًا أفريقيًا محضًا، بل مصلحة أوروبية مباشرة، في ظل ارتباطه بقضايا الهجرة والأمن. ومع ذلك، لا تستطيع أوروبا أن تقود الاستجابة بمفردها، بل يظل دورها داعمًا لمبادرة إقليمية يجب أن تنطلق من داخل شمال أفريقيا.
بالنسبة إلى العالم العربي الأوسع، تحمل هذه الأزمة دلالات تتجاوز بُعدَها الجغرافي المباشر. فالدول العربية، خصوصًا تلك المعتمدة على استيراد الغذاء، تظل عرضة لتقلبات الأسواق العالمية في كلِّ مرحلة من مراحل الإنتاج — من الطاقة إلى الأسمدة وصولًا إلى الحبوب. وفي المقابل، تمتلك بعض الدول العربية، سواء عبر مواردها الطبيعية أو موقعها الجغرافي أو قدراتها اللوجستية، فرصة للعب دور أكبر في تأمين سلاسل الإمداد الإقليمية. السؤال لم يعد فقط كيف تتأثر هذه الدول بالأزمات، بل كيف يمكنها أن تتحوّل إلى طرفٍ فاعل في إدارتها.
في النهاية، لن تُقاس هذه اللحظة بحجم الإنتاج أو الصادرات، بل بقدرة الدول على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. فشمال أفريقيا –والعالم العربي الأوسع– لا يفتقر إلى الموارد، بل إلى توظيفها ضمن رؤية مشتركة.
وإذا كان الساحل يقف اليوم على حافة أزمة غذائية، فإنَّ التردُّد في الاستجابة قد يحوّلها إلى أزمة سياسية وأمنية أوسع، تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدوده. عندها، لن يكون السؤال لماذا اندلعت الأزمة، بل لماذا لم تُستثمر الفرصة لتفاديها حين كان ذلك ممكنًا.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
