الحرب الحقيقية على إيران: صراعٌ على شكلِ الجمهورية الإسلامية

كابي طبراني*

لم يكن موت المرشد الإيراني علي خامنئي مجرّد نهايةٍ لحقبةٍ سياسية، بل لحظة أعادت فتح معركة مؤجّلة داخل الجمهورية الإسلامية: مَن يَحكُم إيران، وبأيِّ منطق؟ فالرجل الذي حكم لأكثر من ثلاثة عقود لم يكن فقط رأس النظام، بل صمّام التوازُن بين مراكز قوة مُتنافِسة. ومع غيابه، لم يسقط النظام، لكنه فقد مركز ثقله.

جاء تعيين نجله مجتبى سريعًا، بقرارٍ من مجلس خبراء القيادة، في محاولةٍ واضحة لإغلاق باب الفراغ. غير أنَّ هذا الانتقال، رُغم َطابعه المؤسّسي، حمل في طيّاته إشارةً مُعاكسة: النظام لم يعد قادرًا على إنتاج توازناته السابقة. فمجتبى، على خلاف والده، لا يمتلك الشرعية السياسية ولا القدرة على ضبط مراكز القوة، ما يجعله أقرب إلى مُرشدٍ يستند إلى القوّة، لا مَن يُوازِنها.

وهنا يبرز الحرس الثوري كلاعبٍ حاسم. فالمؤسسة التي راكمت نفوذها في ظل خامنئي الأب تجدُ نفسها اليوم في موقعٍ مُتقدّم لفرض إرادتها. تمتلك السلاح، والاقتصاد الموازي، وشبكات النفوذ الإقليمية. لكن هذه القوة الظاهرة تخفي مفارقة جوهرية: صعودُ الحرس يأتي في لحظة تراجُعٍ فعلي في قدراته الاستراتيجية.

فالحربُ الأخيرة الجارية لم تُضعِف إيران فقط، بل كشفت حدود نموذجها. الضرباتُ التي طالت بُنيتها العسكرية، واستنزاف مواردها، والعزلة الاقتصادية المتفاقمة، كلها عوامل أضعفت الدولة ككل. وبما أنَّ الحرس كان المهندس الأساسي لهذا المسار، فإنه يجد نفسه اليوم في موقع القوة… وموقع الاتهام في آن واحد.

هذه المفارقة تفتح الباب أمام احتمالٍ لم يكن مطروحًا بجدية منذ سنوات: عودة التيار البراغماتي داخل النظام. ليس بوصفه قوة بديلة، بل كخيارٍ اضطراري لإنقاذ الدولة من مسارٍ استنزافي. فإيران اليوم ليست فقط أمام أزمة سياسية، بل أمام مُعضِلة بقاء اقتصادي واجتماعي.

الاقتصاد الإيراني، المُثقَل بالعقوبات والتضخُّم، لم يَعُد يحتمل سياسات المواجهة المفتوحة. والاستثمار في النفوذ الإقليمي لم يَعُد يحقق العائد نفسه، بل بات عبئًا إضافيًا. وفي المقابل، لم تعد أدوات القمع كافية لضبط مجتمع يتآكل من الداخل، خصوصًا مع جيلٍ شاب لم يعد يرى في النظام إطارًا يُمثل تطلّعاته.

هنا تحديدًا، يتقاطع الداخلي مع الإقليمي. فمستقبل إيران لم يعد شأنًا داخليًا فقط، بل عنصرًا حاسمًا في توازنات المنطقة. دول الخليج، التي راقبت صعود النفوذ الإيراني لعقود، تجد نفسها اليوم أمام مشهد مختلف: إيران أضعف عسكريًا، لكنها أكثر تقلبًا سياسيًا. وهذا ما يرفع منسوب المخاطر بدل أن يُخفّضها.

فإيران التي يهيمن عليها الحرس الثوري بشكلٍ كامل قد تتجه إلى مزيدٍ من التصعيد لتعويض خسائرها، ما يُهدّدُ بفتح جولات جديدة من التوتر الإقليمي. أما إيران التي تنجح في إعادة التوازن داخليًا، فقد تتحوّل إلى شريك تفاوضي أكثر قابلية للتعامل، خصوصًا في ملفات الطاقة والممرّات البحرية والأمن الإقليمي.

من جهة أخرى، فإنَّ الأسواق العالمية، ولا سيما أسواق الطاقة، تراقب هذا التحوُّل عن كثب. فاستقرار إيران أو انفلاتها لا يؤثر فقط في الإقليم، بل يمتدُّ إلى أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وأمن الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز. وهذا ما يجعل “الصراع الداخلي الإيراني” قضية ذات أبعاد دولية بامتياز.

في هذا السياق، لا يبدو أنَّ الحرس الثوري قادرٌ وحده على تقديم إجابة مستدامة. فالحكم بمنطقٍ أمني قد يضمن السيطرة، لكنه لا يُعيدُ بناء الاقتصاد، ولا يستعيد الثقة الداخلية، ولا يُخفّف الضغوط الخارجية. بل إنَّ الإصرارَ على هذا المسار قد يدفع إيران إلى مزيدٍ من الارتهان لتحالفات غير متكافئة، من دون ضمانات حقيقية.

في المقابل، فإنَّ أيَّ تحوّل براغماتي، حتى لو كان محدودًا، قد يفتح نافذة لإعادة التموضع. ليس بالضرورة عبر “صفقة كبرى”، بل من خلال مسارٍ تدريجي يُخفّف التوترات ويُعيدُ إدماج إيران جُزئيًا في الاقتصاد العالمي. مثل هذا المسار قد لا يغيّر طبيعة النظام، لكنه قد يغيّر سلوكه.

غير أنَّ العامل الحاسم يبقى داخليًا. فالنظام الإيراني لم يسقط رُغم الأزمات، لكنه لم ينجح أيضًا في تجديد شرعيته. والمجتمع، رُغمَ عدم قدرته على فرض التغيير، أصبح عامل ضغط دائم. وبين دولة تزداد “أمننة”، ومجتمع يزداد تآكلًا، يصبح السؤال: أيُّ طرفٍ سيفرض إيقاع المرحلة المقبلة؟

في النهاية، لا يتعلّقُ الأمر فقط بمَن خلف خامنئي الأب، بل بطبيعة النظام الذي سيخرج من بعده. هل ستكون إيران دولة يحكمها منطق الثكنة، أم نظامًا يحاول إعادة التوازن لتفادي الانهيار؟ الإجابة لن تُحدّد مستقبل إيران فحسب، بل ستُعيد رسمَ جُزءٍ كبير من خريطة الشرق الأوسط.

وفي هذه اللحظة، لا يبدو أنَّ المعركة قد حُسِمت بعد. لكنها، للمرة الأولى منذ سنوات، مفتوحة على أكثر من احتمال.

Exit mobile version