المسيح قام… ومتى  لبنان؟

هنري زغيب*

أَشرقت شمسُكَ هذا الصباح، والمؤْمنونَ إِليك صوتًا واحدًا يَبتهلون: “المسيح قام… ونحن شهودٌ على ذلك”. يَبتهلون، وهُم بإِيمانهم يُضْمرون: متى نقول “لبنانُ قام… ونحن شهودٌ على ذلك”؟

سنواتٍ طويلةً عبَروا، وهُم يَشْهدون على قيامتك، ويَنذُرون أَن يجيْءَ يومٌ يَشْهدون فيه لقيامةِ وطنهم المصلوب على جلجلة القهْر. فمتى يجيْءُ هذا اليوم؟

كلُّ لبنان يرنو إِليكَ بالسؤَال. كلُّ لبنان. وقبل أَيام، مُسلِموهُ ومَسيحيوهُ احتفلوا معًا بعيد بشارة أُمِّكَ مريم. حمَلوا من قرآنهم سورة مريم، ومن إِنجيل لوقا إِصحاحه الأَول، واحتفلوا… لذا يَشعر المؤْمنون اللبنانيون أَنَّ لهم دالَّةً عليك. وخصوصًا أَبناءُ الجنوب، وأَنتَ مشيتَ على أَرضه، جنوبِ لبنان.

يَذْكُرونكَ في قانا، قانا التي جئتَها رجلًا عاديًّا يَحضُر عرسًا في الضيعة، وبِطاعَتِكَ أُمَّكَ اجترحتَ الأُعجوبة فأَظهَرْتَ مجدَك وآمنَ بك تلاميذُك، كما روى يوحنا، وغادرتَ قانا إِلهًا أَظهرَ أُلوهيَّته للمرة الأُولى على أَرض لبنان.

ويَذْكُرُكَ اللبنانيون في صيدا وصور اللتَين زُرتَهُما لترتاحَ من استفزازات الفريسيين اليهود، وتبشِّرَ بالخلاص، كما روى متى.

ويَذْكُرونكَ في صور التي شفَيتَ فيها ابنةَ المرأَة الفينيقية، كما روى مرقس.

ويَذْكُرونكَ في الصرَفَنْد (وكانت يومها “صَرْفَت” أَو “سْرَبْتا”) ويَذْكُرونُ لقاءَك الأَرملةَ فيها، كما روى لوقا.

ويَذْكُرونكَ في مغدوشة “الـمَنْطرة”، وفي مغارتها كانت أُمُّك تنتظركَ وأَنتَ تُبَشِّر على الساحل اللبناني.

ويَذْكُرونكَ في جبل حرمون، الجبل العالي الذي اصْطَحَبْتَ إِلى قمَّته بطرس ويعقوب ويوحنا، وتجلَّيتَ لهم كما روى متى.

ويَذْكُرونَ من حرمون أَنَّ ذَوْبَ ثُلوجِه يشكِّل نهر الأُردن الذي بمياهه عمَّدَكَ يوحنا يومَ جئْتَهُ من الناصرة كما روى مرقس، فتكونُ اعتمدتَ بمياه من جنوب لبنان.

لهذا، ولسواه بعد، يجد أَبناءُ الجنوبِ اللبنانيون أَنَّ لهم دالَّة عليك. ولكلِّ لبنان أَيضًا دالَّةٌ عليك. فأَرضُه كلُّها تَنضحُ بالإِيمان: من أَعلى حريصا حيث سيِّدة لبنان تفتح ذراعيها على امتداد البحر، إِلى تلَّة عنايا حيث خادمُ الله بات اليوم يَسْطع في العالم، إِلى قمة نهر الكلب وتمثالٍ على اسمِك الملِك، إِلى كنائس عكَّار وطرابلس والبلَمَند ومزيارة وبيروت، وسواها وسواها من الأَجراس التي تمجِّد اليوم قيامتَك.

كلُّ لبنان يمجِّد صليبَك: مَن يَرسُمون إِشارتَه بالخمس، ومَن يرسُمونها بالثلاث. مَن يتَّبعون التقويم الشرقيّ، ومن يتَّبعون التقويم الغربي. لا فرق بينهم سوى التوقيت.

بلى… بلى يا سيِّد، وأَنتَ الشاهدُ على عذاب لبنان منذ نصفِ قرنٍ ويزيد، متى يكونُ هو الشاهدَ على قيامتك، ويكونُ دحرج الحجَر عن صدره، وخرجَ من عتمة القبر اللبناني إِلى نور القيامة اللبنانية؟

متى ينزاح عن لبنان هذا القدَرُ السيزيفيُّ القاطع؟

بلى… بلى يا سيِّد، لبنانُ الذي يحبُّكَ، ويحتفي مُسلِموهُ ومَسيحيُّوه بكَ وبِـمَريَـمِك، ينتظر أَن ينكسرَ الكابوس، وينهارَ بيلاطُس، ويُشْنقَ يوضاس. لذا ناديتُكَ في أَول هذا الحديث معك، بأَنَّ اللبنانيين سنواتٍ طويلةً عبَروا، وهُم يَشْهدون على قيامتك، ويَنذُرون أَن يجيْءَ يومٌ يَشْهدون فيه لقيامة وطنهم المصلوب على جلجلة القهْر. إِيمانهم أَنْ لا بدَّ آتٍ هذا اليوم. وإِذا لسائر الناس الأَمل، والأَملُ قد ينكسر على صخرة اليأْس، فاللبنانيون هُم أَبناء الرجاء، والرجاءُ لا ينكسِر لأَنه ينتظر. وسوف ينتظرون، ويَظلُّون على رجائهم بأَنَّ يومَهم الثالثَ آتٍ، وفيه قيامتُهم يومَ يتَدَحرجُ الحجر.

Exit mobile version