… وأَيُّ جدوى من هذا الـ”لبنان”؟

هنري زغيب*

قالوه “مساحة روحية”.. قليلةٌ عليه.. قاله البابا القديس يوحنا بولس الثاني “وطنَ رسالة”.. صحيح: قولٌ مُقدَّسٌ يُشْبه لبنان تيولوجيًّا.. قالوه “الجسر بين الشرق والغرب”.. كمان صحيح، لكنه أَكثر.. أَكثر بعد.. لا بقعةَ مثله في العالم تشعُّ من ضآلة مساحتها على وساعة الدنيا..

مساحتُه ضئيلة؟ صحيح.. 10452 كلم مربعًا: أَصغرُ من مزرعة خضراء في البرازيل.. سكَّانه قليلون عددًا؟ صحيح.. أَربعة ملايين: سكانُ حيٍّ واحد في كاليفورنيا أَو بكين.. لكنه إِنْ كان ضئيلَ الجغرافيا وقليلَ الديموغرافيا فهو جليلُ الإِبداعوغرافيا..

وإِبداعُهُ ليس في لبنان “الدولة” ولا في لبنان “السُلطة” بل في لبنان “الوطن”.. الجنرال هنري غورو في الأَول من أَيلول 1920 أَعلَن “دولة” لبنان الكبير لا “وطن” لبنان الكبير.. لُبنان “الوطن” مش ناطر حدا يسمِّيه “الكبير”، لأَنه كبيرٌ أَصلًا بحضارته وآثاره وتاريخه وأَعلامه منذ فجر الحضارة.. والْكانوا “حردانين” في الأَول من أَيلول، خابُوا لأَنهم كانوا يحلُمون بانضمام دولة لبنان إِلى دولة سوريا فيصل.. هؤُلاء، لهم ولأَشباههم كتَب جبران (1920): “لبنانُكم ينفصل آنًا عن سوريا، ويتَّصل بها آونة، ثم يحتال على طرفَيه ليكون بين معقود ومحلول.. أَما لبناني فلا يتَّصل ولا ينفَصل، ولا يتفوَّق ولا يتصاغر”.

كلُّ هذا الأَعلاه له علاقة بلبنان “الدولة”.. والدولة تتغيَّر بتَغيُّر سُلطتها: تَفسُد بفساد أَهل السلطة التي تسُوسها، تَزدهر بوفاء رجال سلْطتها، وتَدول بانهيارهم.. إِنها إِذًا متغيِّرةٌ غيرُ ثابتة.. لذا، عمَلي كان منذ كنتُ، ولا يزال، وسيبقى: للبنان “الوطن” السائر في الزمان، راسخًا مُشعًّا ثابتًا في حضوره الحضاري، لا يتأَثَّر بسُلْطة تَتَثَعْلَب ولا بحُكْم يَتَقَلَّب ولا بدولة تَتَذَوَّب..

إِنه الوطن الساطع على أَرضه الأُمّ وفي جميع مَهَاجر العالم.. أَبناؤُه خلَّاقون مبدعون يلْفتون إِليهم المحيطَ في أَيِّ محيطٍ حلُّوا، ويفرضون هَيبتَهم وتقديرَهم واحترامَ رؤَساء الدوَل إِعجابًا بهم.. هؤُلاء (لا “بيت بو سياسة” وثَعْلَباتهم) هُم الذين يُنصِّعون صورة لبنان في العالم.. هُمُ المتعدِّدو الثقافات واللُغات، نُطقًا وتأْليفًا، المتعدِّدو المواهب اختراعاتٍ واكتشافاتٍ وجوائزَ عالميةً مُشَرِّفة..

هذا هو لبنان “الوطن”، بأَعلامه الخالدين وعلاماته الناصعة ومعالِمه العناوين: بعلبك الفريدة، صيدا وصور الْكانتا ذات حقبة “كل تاريخ العالم” (بول موران)، والْكانتا موطئَ قدَمي يَسوع في تبشيره، وقانا الأُعجوبة الأُولى، وجبيل بيبلوس الحرف الأَول لأَقدم أَبجدية ناطقة في التاريخ، وطرابلس واحة التراث العميق، وجبَل عامل الإِرث العظيم،… ولا ينتهي التعداد، ولا تنتهي مناراتُ الحضارة المجيدة على أَرض لبنان الْكانت ذاتَ فترةٍ فينيقيةً تمتدُّ من أَرواد شمالًا حتى عكَّا جنوبًا.. إِنها الأَرضُ التي افتَتَح بها سعيد عقل كتابه “لبنان إِن حكى”: “هُنا تحتَ كلِّ ترابَهْ، حكايةُ مجد… هنا جبلٌ لا الأَساطيرُ أَشهى ولا الشمْسُ أَبهى”..

أَيُّ جدوى من هذا الـ”لبنان” الضئيل مساحةً وسكَّانًا؟ هذا كلامٌ ينطبق على لبنان “الدولة” التي تَسْعى سلطتُها اليوم مخْلصةً لـردِّ الوحش الهائج عن جنوبه الأَقدس، ومعالجةِ ما ومَن يسبِّب توحُّشَه ودمارَه وتشويهَ صورته في العالم.. أَمَّا الجدوى من لبنان “الوطن”، فوقائعُ وثوابتُ ومعالِمُ لا تحتاج إِلى أَيِّ معالجة، لأَنها حاجةٌ وضرورةٌ لأُولي الرؤْية والرؤْيا المستحقِّين..

أَمَّا النقَّاقون والمشكِّكون والسلْبيون والمتشائمون والهازئون واليوضاسيون وحاملو بطاقة الهوية اللبنانية وينتمون إِلى هويات أُخرى، فلْيَبقَوا في وُحول المشاحنات لأَنها تُشْبه قلوبَهم السوداء وعقْلهم الكوڤيديّ.

وأَمَّا الواعُون عظمةَ لبنان “الوطن”، فَهُم أَهلُ الإِيمان بلبنان اللبناني..

طُوبى لهم شرَفُ الانتماء إِليه، ووَلاؤُهم له وطنًا حضاريًّا غيرَ عاديّ.

Exit mobile version