لم تَعُد البيئة في الخليج ملفًا ثانويًا أو قضية مرتبطة فقط بالمناخ، بل تحوّلت تدريجًا إلى عنصرٍ من عناصر القوة الاقتصادية والتنافسية والاستثمار. وفي هذا التحوُّل العالمي المتسارع، تحاول سلطنة عُمان بناءَ نموذجٍ يربط بين الاستدامة والتنويع الاقتصادي في مرحلة ما بعد النفط.
مسقط – محمد سليم*
في العقود الماضية، كانت البيئة تُعامَل في معظم الاقتصادات النامية بوصفها ملفًّا ثانويًا، غالبًا ما يأتي في مرتبة متأخّرة مقارنةً بأولويات النمو والاستثمار والبنية التحتية. أما اليوم، فقد تغيّرت المعادلة بصورةٍ جذرية. فالعالم الذي يواجه موجات متصاعدة من التغيُّر المناخي والضغوط على الموارد الطبيعية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، بدأ ينظر إلى البيئة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن الاقتصادي والتنافسية والاستقرار الاجتماعي، لا مجرّد قضية مرتبطة بحماية الطبيعة أو تحسين الصورة الدولية للدول.
ولم يَعُد هذا التحوُّل محصورًا بالدول الصناعية الكبرى أو بالاقتصادات الغربية. فحتى الدول المنتجة للطاقة، وخصوصًا في الخليج العربي، باتت تُدرك أنَّ الاقتصاد العالمي يدخل مرحلةً جديدة تُعاد فيها صياغة قواعد الاستثمار والتجارة والطاقة والتمويل على أساس معايير الاستدامة والحوكمة البيئية. وهذا يعني أنَّ البيئة لم تَعُد مجرّد ملفٍّ تنظيمي، بل أصبحت جُزءًا من البنية الاقتصادية نفسها، ومن قدرة الدول على الحفاظ على مكانتها في الاقتصاد العالمي المقبل.
ضمن هذا السياق، تبرز سلطنة عُمان كنموذجٍ خليجي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين البيئة والاقتصاد. فالسلطنة، التي تملك تنوُّعًا بيئيًا وجغرافيًا نادرًا في المنطقة، بدأت تتعامل مع الحوكمة البيئية باعتبارها جُزءًا من التخطيط الاقتصادي طويل الأمد، لا مجرّد سياسة قطاعية منفصلة. ويعكس ذلك إدراكًا متزايدًا بأنَّ الموارد الطبيعية ليست فقط مصدرًا للثروة، بل أيضًا عنصرًا من عناصر الاستقرار الاقتصادي والقدرة التنافسية في عالمٍ سريع التحوُّل.
البيئة تدخل معادلة الاقتصاد
هذا التحوُّل في التفكير يأتي في لحظةٍ حساسة بالنسبة إلى اقتصادات الخليج عمومًا. فمن جهة، لا تزال المنطقة تعتمد بدرجات متفاوتة على النفط والغاز كمصدرٍ رئيس للدخل والطاقة والنفوذ الاقتصادي. ومن جهة أخرى، تتسارع عالميًا السياسات المرتبطة بخفض الانبعاثات الكربونية، والتوسُّع في الطاقة النظيفة، وربط التجارة الدولية بمعايير بيئية أكثر تشدُّدًا، خصوصًا في أوروبا والاقتصادات الصناعية الكبرى.
ولذلك، لم يعد السؤال المطروح في الخليج يتعلق فقط بكيفية تنويع الاقتصاد بعيدًا من النفط، بل أيضًا بكيفية بناء نموذجٍ اقتصادي قادر على التكيُّف مع عالمٍ تُصبح فيه الاستدامة جُزءًا من شروط المنافسة الدولية. فالمستثمرون العالميون وصناديق التمويل والمؤسسات المالية الكبرى باتوا يربطون قراراتهم الاستثمارية بمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية، كما إنَّ كلفةَ التمويل والتأمين والمخاطر أصبحت مرتبطة أكثر فأكثر بمدى قدرة الدول على إدارة التحديات البيئية والمناخية.
وفي هذا الإطار، تكتسب المقاربة العُمانية أهمية خاصة لأنها تقوم على فكرةٍ مختلفة نسبيًا في المنطقة: البيئة ليست عبئًا على التنمية، بل يمكن أن تتحوّلَ إلى أصلٍ اقتصادي مُنتِج. فالنظم البيئية، من السواحل إلى التنوُّع الحيوي والموارد المائية، لم تعد تُعامَل فقط كمساحات طبيعية تحتاج إلى الحماية، بل كعناصر تدعم قطاعات اقتصادية كاملة مثل السياحة والصيد البحري والزراعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة.
السياحة تُمثل أحد أبرز الأمثلة على هذا الترابط. ففي الاقتصاد الحديث، تتحوّل الطبيعة نفسها إلى موردٍ استثماري. والشواطئ والمحميات الطبيعية والجبال والوديان ليست مجرّد عناصر جمالية، بل جُزءٌ من الاقتصاد الوطني وقدرته على جذب الزوار والاستثمارات وخلق فرص العمل. وفي حالة عُمان، حيث تمتد السواحل لآلاف الكيلومترات وتتعدد النظم البيئية بين الجبال والصحارى والمناطق الساحلية، تصبح حماية البيئة جُزءًا من استراتيجية تنمية قطاع السياحة نفسه، لا مجرد سياسة بيئية مستقلة.
كما إنَّ قطاعي الصيد البحري والزراعة يرتبطان بصورة مباشرة باستدامة الموارد الطبيعية. فالتلوُّث البحري أو استنزاف المخزون السمكي أو تدهور الأراضي الزراعية لا يهدد البيئة فحسب، بل ينعكس أيضًا على الأمن الغذائي وفرص العمل والاستقرار الاجتماعي. ولهذا، فإنَّ إدارة الموارد الطبيعية أصبحت جُزءًا من إدارة الاقتصاد الوطني نفسه.
لكن التحدّي الأكبر الذي تواجهه المنطقة يبقى مرتبطًا بالمياه. فالخليج العربي يُعد من أكثر مناطق العالم هشاشة مائيًا، في ظل محدودية الموارد الطبيعية وارتفاع معدلات الاستهلاك وتزايد الضغوط المناخية. وفي هذا السياق، لم تعد قضية المياه مجرد مسألة خدمات عامة، بل تحوّلت إلى قضيةٍ ترتبط بالأمن الاقتصادي والغذائي والطاقة والاستقرار الحضري.
ولهذا، تتجه السياسات الحديثة نحو مفهوم “الإدارة المتكاملة للمياه”، بما يشمل إعادة استخدام المياه المعالجة، وتحسين كفاءة الشبكات، وتقليل الهدر، وربط التخطيط المائي بالتخطيط الاقتصادي طويل الأمد. وفي عُمان، بدأت هذه المقاربة تأخذ طابعًا مؤسساتيًا أكثر وضوحًا عبر مشاريع إدارة الموارد المائية والبنية التحتية المرتبطة بها.
كما إنَّ التغيُّر المناخي يفرض ضغوطًا متزايدة على اقتصادات المنطقة. فارتفاع درجات الحرارة، والتصحّر، والعواصف، وارتفاع مستوى البحار، كلها عوامل تحمل كلفة اقتصادية مباشرة، سواء عبر الضغط على البنية التحتية أو زيادة استهلاك الطاقة أو تهديد المدن الساحلية والموارد المائية. وبالتالي، فإنَّ الاستثمار في الحماية البيئية والبنية التحتية المقاومة للمناخ لم يعد خيارًا تجميليًا، بل أصبح جُزءًا من إدارة المخاطر الاقتصادية.
الخليج في سباق الاقتصاد الأخضر
وفي المقابل، تفتح هذه التحوُّلات فرصًا اقتصادية ضخمة. فالاقتصاد الأخضر لم يعد مجرد شعار سياسي، بل أصبح أحد أسرع القطاعات نموًا في العالم. وتشير تقديرات دولية إلى أنَّ الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة تجاوزت ثلاثة تريليونات دولار خلال السنوات الأخيرة، مع تسارع السباق العالمي نحو الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والتقنيات منخفضة الانبعاثات.
ومن هنا، تبدو عُمان من بين الدول الخليجية التي تحاول التموضع مبكرًا داخل هذه التحوُّلات، خصوصًا في مجال الهيدروجين الأخضر. فالسلطنة تراهن على موقعها الجغرافي، ووفرة الطاقة الشمسية والرياح، والبنية اللوجستية المرتبطة بموانئ مثل الدقم وصلالة وصحار، للتحوُّل إلى مركزٍ إقليمي للطاقة النظيفة وتصدير الهيدروجين إلى الأسواق العالمية، خصوصًا الأوروبية.
وتكتسب هذه الرهانات أهمية إضافية لأنَّ أوروبا نفسها تبحث عن شركاء جدد في مجال الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر ضمن استراتيجيتها لتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية وتعزيز أمنها الطاقوي. وهذا ما يفسر تصاعد الاهتمام الأوروبي بالشراكات مع الخليج، وخصوصًا مع عُمان، في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين والبنية التحتية المرتبطة بالتحوُّل الأخضر.
لكن نجاح هذه التحوُّلات يبقى مرتبطًا بعاملٍ حاسم: بناء نموذج تنموي متوازن لا يفصل بين التنمية والبيئة. فالكثير من الاقتصادات النامية حققت نموًا سريعًا خلال العقود الماضية، لكنها دفعت لاحقًا أثمانًا باهظة نتيجة التلوث واستنزاف الموارد الطبيعية وارتفاع الكلفة الصحية والاجتماعية. أما المقاربة الأكثر استدامة فتقوم على دمج البيئة داخل عملية التخطيط الاقتصادي منذ البداية، بدل التعامل معها لاحقًا كملفٍّ تصحيحي مُكلف.
ومن هنا، تبرز أهمية الحوكمة البيئية باعتبارها جُزءًا من بيئة الأعمال والاستثمار. فوضوح القوانين، وفعالية الرقابة، وسرعة الإجراءات التنظيمية، والقدرة على تطبيق المعايير، كلها عناصر تؤثر في ثقة المستثمرين وفي قدرة الاقتصاد على جذب التمويل والشراكات الدولية. وفي الاقتصاد العالمي الجديد، لم تعد الحوكمة البيئية مسألة مرتبطة فقط بوزارات البيئة، بل أصبحت جُزءًا من إدارة الاقتصاد الوطني والمخاطر المستقبلية.
كما إنَّ التحوُّلَ نحو الاستدامة لا يمكن أن ينجح من خلال المشاريع الحكومية وحدها. فالقضية ترتبط أيضًا ببناء ثقافة اقتصادية ومجتمعية جديدة ترى في البيئة أصلًا إنتاجيًا طويل الأمد، لا موردًا قابلًا للاستنزاف السريع. وهذا يتطلب تغييرات في التعليم والتخطيط الحضري وأنماط الاستهلاك والسياسات الصناعية وحتى في مفهوم التنمية نفسه.
وفي هذا السياق، تبدو التجربة العُمانية محاولة لبناء مقاربة أكثر توازنًا بين متطلبات النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد الطبيعية. وهي مقاربة لا تخلو من التحديات، خصوصًا في ظل الضغوط المالية والاقتصادية العالمية، لكنها تعكس في الوقت نفسه إدراكًا متزايدًا بأنَّ مستقبل الاقتصادات الخليجية لن يُحدَّد فقط بحجم احتياطاتها النفطية، بل أيضًا بقدرتها على التكيُّف مع الاقتصاد العالمي الجديد.
فالتحوُّل البيئي لم يعد قضية هامشية أو ظرفية، بل أصبح جُزءًا من إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي نفسه. والدول التي ستنجح في دمج الاستدامة ضمن استراتيجياتها الاقتصادية قد تمتلك أفضلية استراتيجية خلال العقود المقبلة، فيما قد تجد الدول المتأخرة نفسها أمام كلفة متزايدة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا.
وفي النهاية، يبدو واضحًا أنَّ البيئة تتحوّل تدريجًا في الخليج من ملفٍّ تنظيمي إلى عنصرٍ من عناصر القوة الاقتصادية. والسؤال لم يعد ما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو الاقتصاد الأخضر، بل مدى سرعتها وقدرتها على تحويل هذا التحوُّل إلى فرصةٍ للنمو والاستقرار وتعزيز مكانتها في عالمٍ يُعيدُ رسمَ أولوياته الاقتصادية والطاقة والتجارة بصورةٍ غير مسبوقة.
- محمد سليم هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.
