حين يَفقُدُ هرمز سطوته… إعادةُ رَسمِ خريطةِ الطاقة في زمن الحرب

حين يفقدُ مضيق هرمز سطوته، لا يتغيّر مسار النفط فحسب، بل تتبدّل قواعد القوة في الخليج. فالحربُ الجارية لا تُعيد رسم خطوط النار فقط، بل تُعيدُ تشكيلَ خريطة الطاقة ومَن يَملُك التحكُّم الحقيقي بتدفُّقها.

مرفأ ينبع: تحول إلى محور للصادرات والواردات السعودية والخليجية.

راغب الشيباني*

في خضمِّ التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، تتكشّفُ تحوُّلاتٌ أعمق بكثير من مجرّد تبادُل الضربات أو التهديدات المتبادلة. فالحرب، التي بدت في بداياتها مُواجَهة تقليدية على النفوذ والردع، أخذت تتطوّر تدريجًا نحو اختبارٍ حقيقي لقدرة دول المنطقة على حماية شرايين اقتصادها الحيوية، وفي مقدمتها الطاقة والبنية التحتية المُرتبطة بها. وفي هذا السياق، لم يَعُد النفط مجرّد سلعة استراتيجية، بل أصبح عنصرًا مركزيًا في إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية، بينما تحوّلت طرقُ نقله إلى أدواتٍ سيادية تعكس مدى جاهزية الدول للتعامل مع الأزمات.

على مدى عقود، شكّل مضيق هرمز أحد أبرز نقاط الاختناق في النظام النفطي العالمي، إذ يمرُّ عبره ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي اليومي من النفط. هذه الحقيقة منحت إيران نفوذًا استثنائيًا، إذ يكفي التلويح بإغلاق المضيق لإحداثِ صدمةٍ في الأسواق العالمية، ورفع الأسعار، وخلق حالة من عدم اليقين تمتدُّ آثارها إلى ما هو أبعد من المنطقة. لكن التطورات الأخيرة تُشيرُ إلى أنَّ هذه المعادلة لم تَعُد ثابتة كما كانت، وأنَّ الاعتماد المطلق على هذا الممر بدأ يتآكل تدريجًا.

تفكيك معادلة هرمز: من نقطة اختناق إلى ورقة متآكلة

ما تكشفه الحرب الحالية هو أنَّ دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، لم تكن تتعامل مع مضيق هرمز باعتباره قدرًا لا يُمكن تجاوزه، بل كخطرٍ يجب التحوّط له على المدى الطويل. فقد استثمرت المملكة لعقودٍ في تطوير مساراتٍ بديلة لتصدير النفط، أبرزها خط الأنابيب “بترولاين” الممتد من شرق البلاد إلى ساحل البحر الأحمر. هذا الاستثمار، الذي كان يبدو في وقتٍ سابق كخيارٍ احترازي بعيد الاحتمال، أثبت اليوم أنه أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية في ظلِّ الأزمة.

لقد مكّن هذا الخط السعودية من إعادة توجيه جُزءٍ كبير من صادراتها النفطية بعيدًا من مناطق التوتر، والحفاظ على تدفق الإمدادات إلى الأسواق العالمية رُغم اضطراب الملاحة في الخليج. والأهم من ذلك، أنه ساهم في تقليص فعالية التهديدات المرتبطة بإغلاق المضيق، ما يعكسُ تحوُّلًا جوهريًا في مفهوم الأمن الطاقي من الاعتماد على الجغرافيا إلى القدرة على تجاوزها.

هذا التحوُّل لا يقتصر على السعودية وحدها، بل يعكس اتجاهًا إقليميًا أوسع نحو تنويع مسارات التصدير وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق. فقد طورت الإمارات العربية المتحدة بدورها خط أنابيب يربط حقولها النفطية بميناء الفجيرة على بحر عُمان، بما يسمح بتصدير النفط خارج مضيق هرمز، فيما تسعى عُمان إلى تعزيز دور موانئها، خصوصًا الدقم، كمراكز بديلة للتصدير والمعالجة.

يُنبُع وصعود البحر الأحمر: إعادةُ تَمَوضع مركز الطاقة السعودي

في قلب هذه التحوّلات، تبرز يُنبُع كمحورٍ استراتيجي يتجاوز كونه مجرد منفذ تصدير بديل. فهذه المدينة الواقعة على الساحل الغربي للمملكة تحوّلت تدريجًا إلى عقدة صناعية ولوجستية متكاملة، تجمع بين التكرير، والبتروكيماويات، والخدمات البحرية، وهو ما يمنحها دورًا متقدّمًا في منظومة الطاقة الإقليمية.

تكمن أهمية ينبع في قدرتها على الجمع بين الموقع الجغرافي الآمن نسبيًا والبنية التحتية المتطوّرة، ما يجعلها نقطة ارتكاز مثالية في أوقات الأزمات. فبينما تتعرّض مناطق الخليج العربي لمخاطر مباشرة نتيجة التصعيد العسكري، يظلُّ الساحل الغربي بعيدًا نسبيًا من هذه التهديدات، ما يمنح السعودية هامش مناورة أوسع في إدارة صادراتها.

لكن التحوّل في دور ينبع لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الاقتصادي الأوسع الذي تسعى المملكة إلى تحقيقه من خلال رؤية السعودية 2030. فالمشاريع الصناعية الجديدة، والاستثمارات في التكرير والصناعات التحويلية، إضافة إلى التوجُّه نحو الطاقة النظيفة، تعكس استراتيجية متكاملة تهدف إلى تحويل السعودية من مصدّر رئيس للخام إلى مركز عالمي للصناعات المرتبطة بالطاقة.

وفي هذا الإطار، تكتسب الاستثمارات في مشاريع الهيدروجين الأخضر على ساحل البحر الأحمر أهمية خاصة، إذ تمثل خطوة نحو تنويع مصادر الدخل والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط. هذا التوجه لا يلغي أهمية النفط في المدى المنظور، لكنه يعكس إدراكًا بأنَّ مستقبل الطاقة سيكون أكثر تنوُّعًا، وأنَّ المنافسة ستشمل ليس فقط الإنتاج، بل أيضًا الابتكار والتكنولوجيا.

غير أنَّ الحرب الحالية لا تقتصر تداعياتها على إعادة تشكيل مسارات الطاقة، بل تمتدُّ إلى إعادة تعريف طبيعة الصراع نفسه. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعدًا في استهداف البنية التحتية الحيوية، سواء بشكلٍ مباشر أو عبر التهديدات، وهو ما يعكس تحوُّلًا نحو ما يمكن تسميته “حرب الموارد”.

في هذا السياق، لم تَعُد المنشآت العسكرية وحدها هي الأهداف، بل أصبحت محطات الطاقة، والموانئ، وخطوط الأنابيب، وحتى منشآت المياه، ضمن دائرة الاستهداف المحتمل. هذا التحوُّل يعكس إدراكًا متزايدًا بأنَّ الاقتصاد هو نقطة الضعف الأكثر حساسية في أيِّ صراعٍ طويل الأمد، وأنَّ تعطيل الموارد الحيوية قد يكون أكثر تأثيرًا من المواجهة العسكرية المباشرة.

تتجلّى خطورة هذا التحوّل بشكلٍ خاص في دول الخليج، حيث ترتبط منظومات الطاقة والمياه ارتباطًا وثيقًا. فإنتاج المياه المُحلّاة يعتمد بشكلٍ كبير على الطاقة، ما يعني أنَّ أيَّ استهدافٍ للبنية التحتية للطاقة قد يؤدي تلقائيًا إلى أزمة مياه. وفي منطقةٍ تعاني أصلًا من ندرة الموارد المائية، يُمكن لمثل هذا السيناريو أن يتحوّل بسرعة إلى أزمة إنسانية واقتصادية في آن واحد.

ومن جهة أخرى، فإنَّ استهدافَ البنية التحتية لا يؤثر فقط في الدول المعنية، بل يمتد إلى الأسواق العالمية، حيث يؤدّي إلى اضطراباتٍ في الإمدادات وارتفاعٍ في الأسعار. هذا ما يُفسّر الحساسية الشديدة التي تُبديها الأسواق لأيِّ تطوُّرٍ في المنطقة، حتى وإن كان محدودًا من الناحية العسكرية.

ورُغمَ هذه المخاطر، فإنَّ ما يلفت الانتباه هو قدرة السوق حتى الآن على امتصاص جُزء كبير من الصدمة، وهو ما يعود إلى توفُّر طاقات إنتاجية احتياطية، وإلى وجود بنى تحتية بديلة تم تفعيلها بسرعة. غير أنَّ هذه القدرة لا تعني غياب المخاطر، بل تشير إلى أنَّ النظام الطاقي العالمي أصبح أكثر مرونة، وإن كان لا يزال عُرضة للصدمات.

في المحصّلة، تكشف الحرب الإيرانية–الأميركية عن تحوّلٍ عميق في العلاقة بين الجغرافيا والاقتصاد في الشرق الأوسط. فالدول التي استثمرت في البنية التحتية البديلة، ونجحت في تنويع مساراتها، باتت أقل عرضة للضغوط الجيوسياسية، وأكثر قدرة على الحفاظ على استقرارها الاقتصادي.

في المقابل، تواجه الدول التي تعتمد على نقاط اختناق محددة تحديات متزايدة، خصوصًا في ظلِّ تصاعد التوترات. وهذا ما يجعل من الاستثمار في البنية التحتية ليس مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة استراتيجية.

وبينما تستمر الحرب في رسم ملامح مرحلة جديدة، يبدو أنَّ المنافسة لم تعد تدور فقط حول السيطرة على الموارد، بل حول القدرة على إدارتها وتدفقها في بيئة معقدة. وفي هذا العالم المُتغيّر، قد لا يكون الموقع الجغرافي هو العامل الحاسم، بل القدرة على تجاوزه، وإعادة تشكيله بما يخدم المصالح الوطنية.

Exit mobile version