مع تصاعُد التوتّرات في الخليج والبحر الأحمر، تتسابق الدول الكبرى للبحث عن ممرّات تجارية بديلة أكثر أمانًا. وفي قلب هذا التحول، يبرز “الممر الأوسط” كمشروعٍ جيوسياسي قد يغيّر خرائط التجارة بين آسيا وأوروبا.
هاني مكارم*
بينما كانت الصواريخ والطائرات المُسيّرة تعبر أجواء الخليج، كانت شركات الشحن العالمية وأسواق التأمين والطاقة تُعيدُ حساباتها على وقع الخوف من اتساع الحرب وتعطّل أحد أهم شرايين التجارة في العالم. فمجرد التهديد بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، كان كافيًا لإطلاق موجة قلق عالمية بشأن مستقبل سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
ولم يعد الصراع على الممرّات التجارية مجرّد تفصيلٍ لوجستي في الاقتصاد العالمي، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز عناوين الصراع الجيوسياسي بين القوى الكبرى. فمن مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وقناة السويس، ومن أوكرانيا إلى بحر الصين الجنوبي، اكتشفت الدول والشركات العملاقة أنَّ العولمة التي بُنيت على ممرات بحرية مستقرّة لم تعد تملك الضمانات نفسها التي حكمت العقود الماضية.
في هذا السياق، يبرز “الممر الدولي العابر لبحر قزوين” أو ما يُعرف بـ”الممر الأوسط” باعتباره أحد أكثر المشاريع الجيو-اقتصادية طموحًا في أوراسيا اليوم. فهذا الطريق، الذي يربط الصين وأواسط آسيا بأوروبا عبر كازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وتركيا، لم يعد مجرد مشروع نقل إقليمي، بل بات يُنظر إليه تدريجًا كبديل استراتيجي لمسارات التجارة التقليدية التي باتت مُعرَّضة أكثر من أيِّ وقتٍ مضى للحروب والعقوبات والاضطرابات الجيوسياسية.
ورُغمَ أنَّ المشروع ظلَّ لسنوات طويلة أقرب إلى فكرة واعدة أكثر منه ممرًّا عالميًا فعّالًا، فإنَّ التحوُّلات الكبرى التي شهدها العالم منذ عام 2022 دفعت به إلى واجهة الاهتمام الدولي. فالحرب الروسيةـالأوكرانية قلبت معادلات النقل البري بين آسيا وأوروبا، بعدما تراجعت جاذبية المسارات التي تمر عبر الأراضي الروسية بسبب العقوبات الغربية والمخاطر السياسية. ثم جاءت الحرب الأخيرة في الخليج، وما رافقها من تهديدات مباشرة للملاحة عبر مضيق هرمز وارتفاع غير مسبوق في تكاليف التأمين والشحن البحري، لتدفع الحكومات وشركات الخدمات اللوجستية إلى البحث المحموم عن بدائل تقلّل الاعتماد على الممرّات البحرية الحساسة. كما ساهمت الهجمات المتكررة في البحر الأحمر والاضطرابات المرتبطة بقناة السويس في ترسيخ قناعة متزايدة لدى القوى الاقتصادية الكبرى بأنَّ أمن التجارة العالمية لم يعد مضمونًا كما كان في العقود السابقة.
وهنا تحديدًا، بدأ “الممر الأوسط” يكتسب أهمية استراتيجية غير مسبوقة.
سباق على الزمن والخرائط
يقوم الممر على شبكة نقل متعددة الوسائط تجمع بين السكك الحديدية والموانئ والشحن البحري عبر بحر قزوين، ما يسمح بنقل البضائع من غرب الصين مرورًا بكازاخستان إلى أذربيجان، ثم إلى جورجيا وتركيا وصولًا إلى أوروبا.
وبينما كان يُنظَر إلى هذا الطريق سابقًا باعتباره خيارًا مُكلفًا وبطيئًا مقارنة بالممرات الروسية أو البحرية، فإنَّ السنوات الأخيرة غيّرت هذه المعادلة بصورة متسارعة.
فبحسب تقديرات البنك الدولي، يمكن أن تصل أحجام الشحن عبر هذا الممر إلى نحو 11 مليون طن سنويًا بحلول عام 2030 إذا استمرّت الاستثمارات الحالية والإصلاحات التنظيمية المرتبطة بها. وكانت أحجام النقل قد تجاوزت مليوني طن خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، مع توقّعات ببلوغ نحو خمسة ملايين طن مع نهاية العام.
واللافت أنَّ النمو الأكبر جاء من البضائع الصينية، في مؤشر واضح إلى أنَّ بكين بدأت تنظر بجدية أكبر إلى الممر باعتباره جُزءًا عمليًا من مشروع “الحزام والطريق”، وليس مجرّد مسار ثانوي احتياطي.
ولم تعد أهمية الطريق مرتبطة فقط بزيادة أحجام الشحن، بل أيضًا بتحسين السرعة والكفاءة. فقد تراجعت مدة نقل البضائع بين الصين وأوروبا عبر هذا الممر إلى ما بين 18 و23 يومًا فقط، مقارنة بما كان يتراوح سابقًا بين 38 و53 يومًا، بفضل تحديث البنية التحتية وتحسين التنسيق الجمركي واللوجستي بين الدول المعنية.
هذه الأرقام تفسّر لماذا بات الممر يحظى باهتمام متزايد من الشركات الأوروبية والآسيوية التي تبحث عن سلاسل إمداد أكثر مرونة وأقل عرضة للصدمات السياسية والأمنية.
كازاخستان… القلب الجغرافي للممر
تشكل كازاخستان العمود الفقري ل”الممر الأوسط”، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الهائل بين الصين وبحر قزوين، بل أيضًا بسبب استثماراتها المتسارعة في البنية التحتية للنقل والطاقة.
وفي مطلع عام 2026، وافق البنك الدولي على تقديم ضمانات بقيمة 846 مليون دولار لدعم تمويلات تصل إلى 1.4 مليار دولار لصالح شركة السكك الحديدية الوطنية الكازاخية، ضمن برنامج واسع لتحديث البنية التحتية وتحسين الكفاءة التشغيلية، خصوصًا في موانئ بحر قزوين مثل “أكتاو” و”كوريك”.
لكن الرهان الكازاخي يتجاوز النقل التجاري التقليدي. فالبلاد تسعى إلى تحويل نفسها إلى مركز صناعي ولوجستي متكامل يرتبط مباشرة بتصدير المعادن النادرة والمواد الاستراتيجية المطلوبة عالميًا، خصوصًا اليورانيوم والمعادن المستخدمة في الصناعات التكنولوجية والطاقة النظيفة.
وتحتل كازاخستان أصلًا موقعًا بالغ الأهمية في هذا المجال، إذ تُعد أكبر منتج لليورانيوم في العالم، بما يمثل نحو 14 في المئة من الإنتاج العالمي.
ومن هنا، لا يعود الممر مجرد طريق لنقل الحاويات، بل يتحول تدريجًا إلى جُزء من معركة النفوذ العالمية على المعادن والطاقة وسلاسل الإمداد الصناعية.
أوزبكستان… من دولة مغلقة إلى عقدة لوجستية
إذا كانت كازاخستان تمثل العمود الجغرافي للممر، فإنَّ أوزبكستان تبدو اليوم إحدى أكثر الدول سعيًا للاستفادة من التحوّلات الجديدة.
فالبلاد التي عاشت سنوات طويلة من الانغلاق النسبي بدأت تتحوّل تدريجًا إلى مركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية، مستفيدة من موقعها في قلب آسيا الوسطى.
وقد ارتفعت أحجام الشحن بين كازاخستان وأوزبكستان بنحو 16 في المئة بين عامي 2024 و2025، فيما يجري العمل على استكمال خط سكة حديد “داربازا ـ مكتارال” بكلفة تتجاوز 540 مليون دولار، وهو ثالث خط يربط البلدين، ومن المتوقع إنجازه في عام 2026.
وفي الوقت نفسه، تستثمر طشقند بقوة في تحديث الطرق البرية والأنظمة الجمركية الرقمية لتقليص أوقات العبور وتخفيف الاختناقات الحدودية التي لطالما شكلت إحدى أبرز مشكلات التجارة في آسيا الوسطى.
كما إنَّ مشروع سكة الحديد بين الصين وقرغيزستان وأوزبكستان، المتوقع اكتماله خلال السنوات المقبلة، سيمنح أوزبكستان منفذًا مباشرًا أكثر كفاءة إلى الأسواق الصينية، ما يعزز دورها في شبكة التجارة الأوراسية الجديدة.
أذربيجان… بوابة بحر قزوين
في الجانب الغربي من بحر قزوين، تلعب أذربيجان دور الحلقة المحورية في الممر.
فهذا البلد الذي تحوّل خلال العقدين الماضيين إلى قوة طاقة إقليمية، يسعى اليوم إلى تكريس نفسه أيضًا كمركز لوجستي وتجاري بين آسيا وأوروبا.
وقد ارتفعت أحجام البضائع العابرة عبر أذربيجان، بما يشمل النقل البري والسكك الحديدية والشحن الجوي، بنسبة 8 في المئة خلال عام 2024 لتصل إلى أكثر من 114 مليون طن، وفق بيانات مجلس تنسيق النقل العابر في أذربيجان.
كما يشهد ميناء باكو في منطقة “ألات” توسعة ضخمة سترفع طاقته الاستيعابية إلى 25 مليون طن سنويًا ونحو نصف مليون حاوية.
وتُدرك باكو أنَّ التحوّلات الجيوسياسية الحالية تمنحها فرصة نادرة للتحوُّل من دولة عبور طاقوي إلى عقدة مركزية في التجارة الأوراسية.
أوروبا تبحث عن طريق آمن
وراء الاهتمام الأوروبي المتزايد ب”الممر الأوسط” دوافع تتجاوز الاقتصاد البحت.
فالحرب في أوكرانيا دفعت أوروبا إلى إعادة التفكير جذريًا في علاقتها بالبنية التحتية التي تمر عبر روسيا، سواء في الطاقة أو النقل أو التجارة.
وفي الوقت نفسه، أظهرت أزمات البحر الأحمر ومضيق هرمز مدى هشاشة الاعتماد الأوروبي على الممرات البحرية التقليدية، خصوصًا مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط.
ولهذا، تنظر بروكسل اليوم إلى آسيا الوسطى باعتبارها جُزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تنويع طرق التجارة والطاقة وتقليل الاعتماد على روسيا والصين في آن معًا. كما تخشى أوروبا من أن يؤدي أيُّ تصعيد طويل الأمد في الخليج إلى خنق جزء كبير من التجارة والطاقة العالمية، ما يمنح الممرات البرية الجديدة أهمية تتجاوز الحسابات التجارية البحتة لتصبح جُزءًا من الأمن الاقتصادي الأوروبي نفسه.
وقد تعهد الاتحاد الأوروبي وشركاؤه بتوفير نحو 10 مليارات يورو لدعم مشاريع النقل المستدام في المنطقة، فيما قدّر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أنَّ تحديث البنية التحتية المرتبطة بالممر يتطلب استثمارات تصل إلى 18.5 مليار يورو.
لكن هذه الاستثمارات لا تستهدف الطرق والسكك الحديدية فقط، بل تشمل أيضًا تحديث الأنظمة الجمركية والحوكمة اللوجستية وتنسيق التشريعات التجارية بين دول آسيا الوسطى والقوقاز.
التحديات التي تعترض الممر
ورغم الزخم المتصاعد، لا يزال “الممر الأوسط” يواجه تحديات كبيرة قد تحدّ من قدرته على منافسة الممرات التقليدية.
فالبنية التحتية في بعض المناطق لا تزال غير مكتملة، كما إنَّ تعدّد الحدود والإجراءات الجمركية يبطئ حركة البضائع ويرفع التكاليف.
ويظل النقل البحري عبر بحر قزوين أحد أبرز نقاط الضعف، بسبب محدودية الأسطول وطاقات الموانئ والحاجة إلى تنسيقٍ أكبر بين الدول المطلة على البحر.
كما إنَّ التوترات الجيوسياسية نفسها قد تتحول إلى عامل تهديد للممر، سواء بسبب التنافس الروسي ـ الغربي في آسيا الوسطى، أو بسبب حساسية العلاقة بين الصين والغرب.
فروسيا تنظر بحذر إلى أيِّ مشروع قد يضعف دورها التقليدي كممر رئيسي بين آسيا وأوروبا، بينما تحاول الصين تحقيق توازن دقيق بين دعم الممر والحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع موسكو.
عالم جديد من الممرات
في النهاية، لا يتعلق صعود “الممر الأوسط” فقط بمسألة النقل أو التجارة، بل بتحوُّلٍ أعمق يشهده الاقتصاد العالمي نفسه.
فالعالم الذي بُنيت عولمته على افتراض استقرار الممرات البحرية والأسواق المفتوحة، يدخل اليوم مرحلة جديدة تُعيد فيها الحروب والعقوبات والمخاطر الأمنية رسم خرائط التجارة والنفوذ.
ومن هنا، تبدو آسيا الوسطى، التي بقيت لعقود على هامش الاقتصاد العالمي، وكأنها تعود فجأة إلى قلب الجغرافيا السياسية الدولية.
وبينما تتسابق الدول على بناء طرق جديدة وسلاسل إمداد بديلة، يتحول “الممر الأوسط” تدريجًا من مشروع إقليمي طموح إلى أحد أهم رهانات القرن الحادي والعشرين في معركة التجارة العالمية.
- هاني مكارم هو مدير تحرير “أسواق العرب”.
