مصر على حافة العاصفة… اقتصادٌ ينجو بالمُسَكِّنات لا بالعلاج

رُغمَ مؤشّرات التعافي والإشادات الدولية، كشفت الحرب على إيران مدى هشاشة الاقتصاد المصري أمام أيِّ صدمة خارجية. فكلُّ أزمة جديدة تُعيدُ طرح السؤال نفسه: هل تتعافى القاهرة فعلًا أم تؤجّلُ الانفجارَ فقط؟

الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام اختبارٍ جديد: هل تنجح مصر في امتصاص الصدمات أم تؤجّل أزمتها المقبلة؟

ميريت مبروك*

يختصر المثل المصري القديم القائل: “خرج من حفرة فوقع في خندق” طبيعة الأزمات التي لا تلبث أن تتفاقم كلما بدا أنَّ مخرجًا يلوح في الأفق. وهو توصيف ينطبق إلى حد بعيد على المسار الاقتصادي المصري خلال السنوات الأخيرة، حيث تتداخل محاولات التعافي مع صدمات متلاحقة تُعيد خلط الحسابات في كلِّ مرة.

فبحلول شباط (فبراير) الماضي، كانت الحكومة المصرية قد بدأت تُسجّل مؤشرات إيجابية في إطار برنامج إصلاح اقتصادي واسع يهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي، وزيادة مرونة الاقتصاد، وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب احتواء أزمة الديون المتفاقمة. وتراجع معدل التضخم إلى 13.4% بعدما كان قد بلغ ذروته عند 38% في أيلول (سبتمبر) 2023، في إشارة اعتبرتها السلطات بداية لاستعادة السيطرة على الاختلالات النقدية والأسعار.

وفي الوقت نفسه، كان صندوق النقد الدولي قد أنهى المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج القرض البالغة قيمته 8 مليارات دولار، الموقّع مع مصر عام 2022، مشيدًا بما وصفه بـ”التحسُّن في مؤشرات الاقتصاد الكلي” نتيجة السياسات النقدية والمالية المتشددة، إلى جانب اعتماد سعر صرف أكثر مرونة. واعتبر الصندوق أنَّ هذه الإجراءات أسهمت في خفض التضخم وتعزيز الاستقرار المالي وتحسين قدرة البلاد على مواجهة الضغوط الخارجية.

ولم تقتصر المؤشرات الإيجابية على الملفات النقدية والمالية فقط، بل امتدت إلى قطاعات حيوية أخرى. فقد سجل قطاع السياحة، أحد أهم مصادر العملة الصعبة في البلاد، إيرادات قياسية بلغت 24 مليار دولار خلال عام 2025، مقارنة بـ15.3 مليار دولار في العام السابق، مستفيدًا من الانتعاش العالمي في حركة السفر والسياحة.

كما حققت الحكومة تقدمًا ملحوظًا في ملف الضرائب، الذي ظل لعقود أحد أبرز مكامن الضعف في الاقتصاد المصري. فمن خلال حملات توعية إعلامية، وتقديم حوافز للمكلّفين، وتسريع التحوُّل الرقمي عبر أنظمة الفواتير والإيصالات الإلكترونية الإلزامية، إلى جانب تبنّي مقاربة أكثر مرونة في التعامل مع دافعي الضرائب، تمكنت مصلحة الضرائب من رفع الإيرادات بنسبة 35% مقارنة بالعام السابق، وهي أكبر زيادة تُسجَّل منذ عام 2005.

وفي موازاة ذلك، نجحت مصر في الحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية رُغم التراجع العام في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أفريقيا، لتتصدّر دول القارة بإجمالي استثمارات بلغ نحو 11 مليار دولار خلال العام نفسه، في مؤشِّرٍ عكس ثقة نسبية بقدرة الاقتصاد المصري على تجاوز أزماته المتراكمة.

ثم جاء الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران

ورُغم أنَّ مصر ليست طرفًا مباشرًا في الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، فإنَّ اقتصادها وجد نفسه سريعًا في قلب التداعيات الإقليمية للصراع. فإلى جانب الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة واضطراب الإمدادات، كشفت الأزمة مجددًا هشاشة البنية الاقتصادية المصرية واعتمادها الكبير على عوامل خارجية يصعب التحكُّم بها.

وكان قطاع الطاقة أول المتضررين بصورة مباشرة. ففي العاشر من آذار (مارس)، فوجئ المصريون بقرار لجنة التسعير التلقائي للوقود التابعة لوزارة البترول رفع أسعار جميع أنواع المحروقات بنسب تراوحت بين 15% و22%، دخلت حيّز التنفيذ عند الثالثة فجرًا تقريبًا، بعد إعلان متأخّر لم يسبق تطبيق القرار إلّا بساعات قليلة. وجاءت الزيادة رغم تعهدات حكومية سابقة بتثبيت الأسعار لمدة عام على الأقل عقب آخر رفع للأسعار في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، إلّا أنَّ السلطات بررت الخطوة بما وصفته بـ”الظروف الاستثنائية”.

وبينما تمتلك مصر عقود تحوُّط لتخفيف أثر تقلبات أسعار النفط العالمية، فإنَّ هذه الآليات لا تغطي سوى نحو 60% من احتياجاتها من الواردات النفطية، ما جعلها عُرضةً مباشرة لتداعيات التصعيد العسكري في الخليج. وقد أدى استهدافُ إيران لحركة ناقلات النفط في مضيق هرمز إلى اضطراب تدفقات الطاقة الدولية ورفع تكاليف الاستيراد، وهو ما انعكس سريعًا على السوق المحلية المصرية.

لكن الأزمة لم تتوقف عند أسعار النفط. فمع تصاعد التوترات الأمنية، أغلقت إسرائيل حقل “ليفياثان” للغاز في 28 شباط (فبراير) خشية تعرُّضه لهجمات إيرانية، ما أدى إلى توقف جزء مهم من إمدادات الغاز الطبيعي إلى مصر، التي تعتمد على إسرائيل لتأمين ما بين 15 و20% من احتياجاتها الغازية. وأعاد ذلك إلى الواجهة المخاوف القديمة من نقص الطاقة خلال أشهر الصيف، عندما يرتفع الاستهلاك الكهربائي بصورة حادة.

ولتفادي العودة إلى سياسة تخفيف الأحمال والانقطاعات الدورية للكهرباء، التي أثارت استياءً واسعًا خلال السنوات الماضية، لجأت الحكومة إلى إجراءات تقشفية جديدة لترشيد الاستهلاك. وفرضت السلطات اعتبارًا من 28 آذار (مارس) إغلاقًا إلزاميًا للمحال التجارية والمطاعم والمقاهي والمراكز التجارية عند الساعة التاسعة مساءً، قبل أن تتراجع عن القرار بعد شهر تقريبًا إثر احتجاجات وشكاوى واسعة من أصحاب الأعمال وتجار التجزئة.

وفي موازاة أزمة الطاقة، بدأت المخاوف تتزايد أيضًا بشأن مستقبل قطاع السياحة، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في البلاد. فمع تصاعد التوترات الإقليمية، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية في الثاني من آذار(مارس) تحذيرًا دعت فيه المواطنين الأميركيين إلى مغادرة مصر وأكثر من عشر دول أخرى في المنطقة بسبب “مخاطر أمنية جسيمة”. ورغم تراجع واشنطن سريعًا عن هذا التحذير بعد أيام، وإصدار بيان جديد يؤكد أنَّ مصر من أكثر دول المنطقة أمانًا، فإنَّ العاملين في القطاع السياحي اعتبروا أنَّ الضرر المعنوي وقع بالفعل، وسط مخاوف من تراجع الحجوزات وتباطؤ الانتعاش الذي بدأ القطاع يشهده خلال العامين الماضيين.

ولم تقتصر التداعيات الاقتصادية للحرب على الطاقة والسياحة، بل امتدت بسرعة إلى قطاع الصادرات، الذي تلقّى بدوره ضربة قوية مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين في المنطقة. ففي الأيام الأولى من اندلاع النزاع، بدأت حركة التجارة الخارجية المصرية تتباطأ بصورة حادة، وسط اضطراب خطوط النقل البحري وارتفاع المخاطر المرتبطة بالملاحة الإقليمية.

ووفقًا لتقرير داخلي لوزارة المالية نقلته وكالة رويترز، تراجعت بيانات الصادرات المصرية بنسبة 77% خلال أول يومين أو ثلاثة أيام من الحرب مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما انخفضت الصادرات إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، اللتين تستحوذان معًا على أكثر من ثلث الصادرات المصرية، بنسبة 83% و90% على التوالي، ما عكس حجم الصدمة التي أصابت حركة التجارة الإقليمية.

كما عادت الأزمة لتضغط بقوة على قناة السويس، التي كانت قد بدأت تُظهر مؤشرات تعافٍ تدريجي مطلع عام 2026، بعدما سجلت إيرادات قاربت 449 مليون دولار في الشهر الأول من العام. غير أنَّ هذا التحسُّن لم يصمد طويلًا، إذ تراجعت حركة العبور خلال الأيام الأولى من التصعيد العسكري، بفعل تصاعد المخاوف الأمنية وارتفاع أقساط التأمين المرتبطة بإمكانية تعرض السفن لهجمات من قبل الحوثيين في اليمن.

لكن، وعلى الرغم من أهمية هذه الخسائر، فإنها تبقى محدودة مقارنة بالمشكلة الأكثر عمقًا واستمرارًا في الاقتصاد المصري: الاعتماد المزمن على ما يُعرف بـ”الأموال الساخنة”. فعلى مدى سنوات، اعتمدت الحكومات المصرية على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية قصيرة الأجل لسد العجز الكبير في الموازنة وتمويل احتياجات الدولة من النقد الأجنبي، عبر جذب المستثمرين الأجانب إلى شراء أذون وسندات الخزانة المحلية ذات العوائد المرتفعة.

ويُطلق على هذه التدفقات وصف “الأموال الساخنة” بسبب طبيعتها شديدة التقلب، إذ تنتقل بسرعة بين الأسواق بحثًا عن أعلى الأرباح الممكنة وأقل مستويات المخاطرة. وغالبًا ما تستفيد الاقتصادات الناشئة، مثل مصر، من أسعار الفائدة المرتفعة لجذب هذه الاستثمارات، لكن المشكلة تكمن في أنها تكون أيضًا أول الأموال هروبًا عند اندلاع أي أزمة سياسية أو مالية.

وقد واجهت مصر هذه المُعضلة مرارًا خلال العقد الأخير، إلّا أنَّ الصدمة الأكبر جاءت عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، عندما سحب المستثمرون الأجانب نحو 20 مليار دولار من السوق المصرية خلال فترة قصيرة، ما أدى إلى استنزاف الاحتياطيات الأجنبية وفرض ضغوط هائلة على الجنيه المصري.

وفي حزيران (يونيو) من ذلك العام، أقر وزير المالية المصري آنذاك، محمد معيط، علنًا بخطورة هذا النموذج، قائلًا إنَّ “الدرس الذي تعلمناه هو أنه لا يمكن الاعتماد على هذا النوع من الاستثمار”، موضِّحًا أنَّ هذه الأموال تدخل فقط لتحقيق عوائد مرتفعة وتغادر فور وقوع أي صدمة.

لكن بعد أربع سنوات وأزمة إقليمية جديدة، تبدو مصر وكأنها لم تتخلص بعد من هذا الاعتماد الخطِر. فبرُغمِ الإغراء الذي تمثله تدفقات العملات الأجنبية السريعة لأيِّ اقتصادٍ ناشئ يعاني ضغوطًا مالية، فإنَّ التجربة المصرية أظهرت مرارًا أنَّ كلفة الاعتماد على الأموال الساخنة قد تكون باهظة عندما تهتز الأسواق أو تتصاعد التوترات الجيوسياسية.

التعلُّم من الماضي

ومع ذلك، تبدو مصر هذه المرة في وضع أقل هشاشة مُقارنةً بالأزمات السابقة، رُغمَ حجم الضغوط الإقليمية والدولية المحيطة بها. فبحسب التقديرات، خرجت من السوق المصرية تدفقات مالية تُقدَّر بنحو 10 مليارات دولار منذ اندلاع الحرب، وهو رقمٌ كبير، لكنه يظل أقل حدة من موجات الهروب الجماعي لرؤوس الأموال التي شهدتها البلاد في أزمات سابقة، لا سيما بعد الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022.

ويعود ذلك جُزئيًا إلى التحسُّن النسبي في وضع القطاع المصرفي، الذي تمكّن خلال العامين الماضيين من بناء احتياطيات وسيولة أكبر بالعملات الأجنبية، مدعومًا بتدفقات خارجية قوية واتفاقات تمويل واستثمار متعددة. وقد بلغ صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك مستوى قياسيًا قارب 30 مليار دولار بحلول كانون الثاني (يناير) 2026، في تحوُّلٍ لافت مُقارنةً بوضع عام 2022، عندما كانت البنوك المصرية تعاني عجزًا واضحًا في العملات الأجنبية نتيجة خروج الاستثمارات وتراجع التدفقات الدولارية.

ورُغمَ أنَّ أيَّ انخفاضٍ حاد جديد في قيمة الجنيه المصري قد يضغط على مستويات رأس المال والسيولة، فإنَّ مؤسسات التصنيف الائتماني، ومنها وكالة “فيتش”، ترى أنَّ البنوك المصرية لا تزال تتمتع بمستويات جيدة من الربحية والاحتياطيات والسيولة بالعملات الأجنبية، ما يمنحها قدرة أكبر على امتصاص الصدمات مُقارنةً بالفترات السابقة.

وفي المحصّلة، تبدو القاهرة وكأنها تحاول بناء قدر أكبر من المناعة الاقتصادية، حتى وإن بقيت نقاط الضعف الهيكلية قائمة. فهناك مؤشرات إلى أنَّ الاقتصاد المصري قد يكون أكثر قدرة على تجاوز هذه الأزمة مقارنةً بما حدث في محطات سابقة، ويرجع ذلك ليس فقط إلى عامل الحظ أو تغيُّر الظروف الدولية، بل أيضًا إلى بعض الإجراءات الاستباقية التي اتخذتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة.

ومن أبرز هذه الإجراءات استمرار الالتزام، ولو بصعوبة، بنظام سعر صرف أكثر مرونة يعتمد على آليات السوق، رُغمَ الضغوط الكبيرة التي يتعرّض لها الجنيه المصري أمام الدولار. وحتى الآن، تجنّبت السلطات التدخُّل المباشر لدعم العملة بصورةٍ واسعة، في محاولةٍ للحفاظ على ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية بعد سنوات من الانتقادات المرتبطة بسياسات تثبيت سعر الصرف.

كذلك، تواصل الحكومة رسميًا الحديث عن تقليص دور الدولة في الاقتصاد وفتح المجال بصورةٍ أكبر أمام القطاع الخاص، استجابةً لشروط الإصلاح الاقتصادي التي يدعمها صندوق النقد الدولي. غير أنَّ الواقع لا يزال أكثر تعقيدًا، إذ أشار أحدث تقارير الصندوق إلى عدم حدوث خفض جوهري في حجم الاستثمارات الحكومية خلال العامين الماضيين، بالتوازي مع إنشاء كيانات اقتصادية جديدة تابعة للمؤسسة العسكرية.

ومع ذلك، يبدو أنَّ قطاعَ الأعمال في مصر بات أكثر اقتناعًا بجدية الحاجة إلى الإصلاح، خصوصًا مع تزايد الكلفة المالية للإبقاء على شركاتٍ عامة وخاسرة تعتمد بصورة مستمرة على الإنفاق الحكومي والدعم غير المباشر. فالأزمة الحالية، مثل سابقاتها، تُعيدُ التذكير بأنَّ قدرة الدولة على مواصلة هذا النموذج الاقتصادي أصبحت أكثر محدودية في ظل ارتفاع الديون وتزايد الضغوط على المالية العامة.

التحوُّط ضد المستقبل

وفي موازاة محاولاتها احتواء الضغوط المالية، تبدو مصر أكثر إدراكًا لحجم هشاشتها في ملف الطاقة، الذي تحوَّلَ خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكبر التحديات الاستراتيجية للاقتصاد. فبعدما استأنفت إسرائيل ضخ الغاز إلى مصر مطلع نيسان (أبريل)، سارعت الحكومة المصرية إلى التحرُّك لتأمين احتياجاتها خلال أشهر الصيف، عندما يقفز الاستهلاك الكهربائي بصورة كبيرة.

وتسعى القاهرة إلى شراء نحو 40 شحنة من الغاز الطبيعي المسال خلال الشهرين المقبلين، في وقتٍ يتراوح متوسط الاستهلاك الصيفي بين 15 و20 شحنة شهريًا. ومن المتوقع أن يأتي جُزءٌ مهم من هذه الإمدادات من الولايات المتحدة، التي باتت تلعب دورًا متزايدًا في دعم أمن الطاقة المصري.

وفي هذا السياق، وافق مجلس إدارة بنك التصدير والاستيراد الأميركي مطلع نيسان (أبريل) على تقديم ضمانات ائتمانية تتجاوز قيمتها ملياري دولار لدعم صادرات الغاز الطبيعي المسال الأميركية إلى مصر. وبينما تمثّل هذه الخطوة فرصةً تجارية مهمة للمصدّرين الأميركيين، فإنها تمنح القاهرة أيضًا متنفَّسًا حيويًا عبر تأمين إمدادات طاقة ضرورية من دون اللجوء المباشر إلى قروضٍ إضافية تزيد أعباء الدين العام.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على المالية العامة، إذ تُخصص الحكومة المصرية نحو 64% من الإنفاق في مشروع موازنتها الجديدة لخدمة الدين، ما يحدّ بصورة كبيرة من قدرتها على توجيه الموارد إلى قطاعات التنمية والخدمات.

وفي مواجهة هذه التحديات، تتحرّك مصر عبر مسارَين متوازيين لإعادة صياغة استراتيجيتها الطاقية. المسار الأول يقوم على تسريع التحوُّل نحو الطاقة المتجددة، ضمن خطة تستهدف توليد 42% من الكهرباء من مصادر نظيفة بحلول عام 2030. وتعتمد هذه الخطة على التوسُّع في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وفي مقدمتها محطة بنبان للطاقة الشمسية، التي تُعد من أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في العالم بقدرة تصل إلى 1800 ميغاواط، إضافة إلى مشاريع متعددة لإنتاج الهيدروجين الأخضر.

وبحلول عام 2025، كانت مصر قد وقّعت 32 اتفاقية شراء طاقة مع شركات خاصة لتوليد نحو 1465 ميغاواط من الطاقة المتجددة، في محاولة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتخفيف الضغط على واردات الغاز والنفط.

أما المسار الثاني، فيقوم على تعزيز إمدادات الغاز التقليدي عبر شراكات إقليمية واكتشافات جديدة. فالقاهرة تراهن على شراء كامل إنتاج حقل أفروديت للغاز من قبرص فور بدء تشغيله خلال السنوات المقبلة، كما يُتوقع أن يبدأ حقل كرونوس، أيضًا في قبرص، الذي تطوّره شركتا “إيني” و”توتال إنيرجيز”، بإمداد مصر بالغاز خلال أقل من عامين.

وفي الداخل، أعلنت شركة إيني أيضًا اكتشاف نحو تريليوني قدم مكعبة من الغاز في “حقل غاز التمساح” المصري، ما يعزز الآمال بتحسين وضع الطاقة في المدى المتوسط.

لكن، وحتى تبدأ هذه المشاريع والاكتشافات بإنتاج فعلي قادر على سد الفجوة المحلية، ستظل مصر مضطرة إلى التعايش مع هشاشتها الطاقية، ومحاولة تحصين اقتصادها قدر الإمكان من تداعيات التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة العالمية.

ولا تقتصر حالة عدم اليقين التي تواجهها مصر على تداعيات الحرب المباشرة أو تقلّبات أسواق الطاقة، بل تمتدُّ أيضًا إلى التحوّلات العميقة التي يشهدها النظام الإقليمي وتحالفاته السياسية والاقتصادية. فالضغوط المستمرّة التي مارستها إيران على دول الخليج خلال السنوات الأخيرة ساهمت في إعادة رسم أولويات عدد من العواصم الخليجية، وأضعفت تدريجًا التوازنات التقليدية التي حكمت المنطقة لعقود.

وفي هذا السياق، بدت الإمارات العربية المتحدة من أكثر الدول ميلًا إلى إعادة تقييم تحالفاتها الاقتصادية والسياسية. وقد تجلّى ذلك في سلسلة خطوات عكست تحوُّلًا في مقاربتها الإقليمية، بدءًا من الانسحاب من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، وصولًا إلى تبنّي سياسة أكثر براغماتية في إدارة علاقاتها مع شركائها التقليديين.

ورُغمَ غيابِ تصريحات رسمية مباشرة، يسود اعتقادٌ واسع في الأوساط السياسية والاقتصادية بأنَّ القاهرة كانت من بين العواصم التي شعرت أبوظبي بأنها لم تعد تستجيب لتوقعاتها أو تعتمد عليها كما في السابق. وبالفعل، شهدت العلاقة الاقتصادية بين الجانبين تحوُّلًا واضحًا خلال السنوات الأخيرة، حيث تراجع نموذج الدعم الخليجي غير المشروط لمصر، ليحل محلّه نمط أكثر تجارية يقوم على الاستثمار المباشر القائم على الربحية والعوائد الاقتصادية.

ومع ذلك، لا يزال الاستثمار الأجنبي المباشر يمثل أداة نفوذ سياسية واقتصادية مهمة في المنطقة، خصوصًا في ظل المنافسة الحادة بين الاقتصادات الناشئة على جذب رؤوس الأموال الدولية. ومن المرجح أن تؤدي إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية الحالية إلى إعادة توزيع هذه التدفقات الاستثمارية، بما يفرض تحديات إضافية على الاقتصاد المصري.

وتدرك القاهرة حساسية هذا الوضع، خصوصًا أنَّ الاستقرار الاقتصادي لطالما كان عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على الاستقرار السياسي الداخلي. ففي تاريخ مصر الحديث، ارتبطت الأزمات الاقتصادية مباشرة بمحطات اضطراب سياسي كبرى، كما حدث خلال احتجاجات عام 1977، ثم انتفاضة 2011، وصولًا إلى أحداث 2013. ولذلك، سعت الحكومات المتعاقبة دائمًا إلى تجنّب الوصول إلى لحظة انهيار اقتصادي قد يصعب احتواء تداعياتها الاجتماعية والسياسية.

ومن هنا، فإنَّ الحديث المتكرر عن تقليص دور الدولة في الاقتصاد لا يرتبط فقط بمحاولة إرضاء صندوق النقد الدولي أو تنفيذ شروط الإصلاح المالي، بل يعكس أيضًا إدراكًا متزايدًا بأنَّ نموذج الاقتصاد القائم على التوسُّع الحكومي لم يعد قادرًا على تلبية احتياجات بلد يتجاوز عدد سكانه 110 ملايين نسمة.

فمصر تشهد دخول نحو 1.3 مليون شخص إلى سوق العمل سنويًا، في حين لا يتجاوز عدد الوظائف الجديدة التي يجري توفيرها نصف مليون وظيفة تقريبًا. وفي ظل مساهمة القطاع الخاص بنحو 75% من الناتج المحلي الإجمالي وتوظيفه قرابة 80% من القوى العاملة، تبدو الحاجة ملحة لمنحه مساحة أكبر لقيادة النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.

وفي المقابل، باتت القاهرة تدرك أيضًا أنَّ علاقتها مع الجهات المانحة الخارجية لم تعد كما كانت في السابق. فالدعم الخليجي السخي أصبح أكثر انتقائية وربطًا بالعوائد الاقتصادية، ومن المرجح أن يزداد هذا التشدد مع ارتفاع الكلفة المالية للصراعات الإقليمية، لا سيما الحرب مع إيران.

أما أوروبا، فقد قدمت لمصر في عام 2024 حزمة تمويل كبرى بقيمة 7.4 مليارات يورو، تضمنت قروضًا ميسَّرة ومنحًا واستثمارات، في إطار محاولة دعم الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الهجرة والاضطرابات الإقليمية. لكن هذه المساعدات، رغم أهميتها، تعني أيضًا زيادة الاعتماد على التمويل الخارجي، في وقتٍ تبدو القاهرة بحاجة أكبر إلى جذب استثمارات إنتاجية طويلة الأجل بدلًا من توسيع دائرة الديون.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنَّ دعم استقرار مصر لم يعد يقتصر على المساعدات التقليدية، بل بات يرتبط أكثر بتشجيع الإصلاحات الاقتصادية وتوسيع دور القطاع الخاص. وفي هذا الإطار، جاء تخصيص 129 مليون دولار عام 2024 لدعم التعليم والصحة والقطاع الخاص كمؤشّرٍ إلى توجُّهٍ أميركي نحو دعم التنمية الاقتصادية المباشرة بدل الاكتفاء بالمساعدات السياسية والأمنية التقليدية.

في النهاية، ستظل مصر شديدة التأثر بأيِّ صدمة اقتصادية ناتجة عن التوترات الإقليمية والحروب الدائرة في الشرق الأوسط، بحُكم اعتمادها الكبير على التدفقات الخارجية والطاقة والسياحة والتجارة. لكن، وعلى عكس أزمات سابقة، تبدو القاهرة اليوم أكثر استعدادًا نسبيًا لامتصاص الصدمات، حتى وإن كانت لا تزال بعيدة من معالجة جذور هشاشتها الاقتصادية بصورة كاملة.

Exit mobile version