درس سوريا وإيران: حين يُخفي تماسُكُ الأنظمة لحظةََ انهيارِها

بينما يُستحضر العراق كتحذيرٍ دائم، تُقدّم سوريا درسًا أكثر تعقيدًا لفهم مصير الأنظمة تحت الضغط. فحين تبدو الأنظمة في أوج تماسكها، قد تكون في الواقع أقرب مما يُعتَقَد إلى لحظة التصدّع.

صورتان للرئيس السوري المخلوع بشار الأسد والمرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي في حي اليرموك بدمشق، سوريا، في 26 آذار (مارس) 2024.

لينا الخطيب*

هيمنت المخاوف من أن تتحوَّلَ حربُ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران إلى نسخةٍ مُكَرَّرة من مغامرة جورج بوش (الإبن) في العراق على النقاش العام، خصوصًا في ما يتعلق بتبعات تغيير الأنظمة بالقوة من الخارج. غير أنَّ استدعاء تجربة العراق، رُغمَ حضورها القوي في الذاكرة السياسية، قد لا يكون المدخل الأكثر دقّةً لفَهمِ ما قد تحمله المواجهة مع إيران. فثمّة نموذج أقرب وأكثر تعقيدًا يُقدّم دروسًا مختلفة: التجربة السورية.

ما بعد العراق: لماذا تُضلّلنا المقارنات التقليدية؟

في هذا الإطار، يوفّر المسار الذي شهدته سوريا—من اندلاع الاحتجاجات المناهضة للنظام عام 2011 إلى سقوط بشار الأسد عام 2024 وما أعقبه من انتقال للسلطة—زاوية تحليلية أكثر ثراءً لفهم ديناميات تغيير الأنظمة. فعلى امتداد نحو خمسة عشر عامًا، ترسّخت قناعة واسعة، لا سيما في الغرب وإسرائيل، بأنَّ بقاء النظام السوري أمرٌ حتمي، بل وربما أقل سوءًا من بدائل غير واضحة المعالم. إلّا أنَّ هذه القناعة، التي بدت راسخة، كشفت في النهاية عن محدودية قدرتها على استشراف التحوُّلات العميقة. فالعبرة لا تكمن في افتراض أنَّ إيران ستسير على النهج ذاته، بل في إدراك أنَّ الأنظمة كثيرًا ما تبدو في ذروة تماسُكها قبيل اهتزازِ الأُسُس السياسية التي تستند إليها.

لقد أسهمت الحالة السورية، لسنوات طويلة، في ترسيخ مجموعة من الافتراضات التقليدية حول صلابة الأنظمة: أنَّ الأنظمة التي حكمت لعقود يصعب أن تنهار؛ وأنَّ تغييرها يتطلّبُ وجود معارضة موحدة أو بديل جاهز للحكم؛ وأنَّ التدخُّلَ الخارجي الحاسم يستلزم نشر قوات برية، ومع ذلك قد ينتهي إلى الفشل كما حدث في العراق. تكمن خطورة هذه الافتراضات في أنها لا تزال تُستَخدَم كعدسةٍ لتحليل الوضع في إيران، رُغمَ أنَّ التجربة السورية نفسها أظهرت حدود هذه المقاربات وقدرتها المحدودة على تفسير التحوُّلات المفاجئة في بُنية السلطة.

على غرار ما انتهجه نظام بشار الأسد لسنوات، تعتمد الجمهورية الإسلامية الإيرانية على معادلة بقاء قاسية قوامها القمع الداخلي، وتصدير الأزمات إلى الخارج، واستنزاف الخصوم عبر صراعٍ طويل النفس. غير أنَّ هذه الاستراتيجية، التي قد تبدو فعّالة في المدى القصير، تحمل في طيّاتها بذور إنهاك ذاتي يتراكم مع الزمن. وكما كان يُنظَرُ إلى نظام الأسد بوصفه راسخًا وقادرًا على إدارة أزماتٍ مُمتدة، طالما اعتُبِرَ النظام الإيراني نموذجًا للتماسُك المؤسّسي. وعلى عكس الطابع الشخصاني في سوريا، لا يرتكز النظام الإيراني على فرد واحد، بل على شبكة مؤسساتية متداخلة. وقد استُدل على هذه المرونة بالتعيين السريع لمرشد أعلى جديد عقب اغتيال علي خامنئي، وباستبدال قيادات أخرى بشخصيات أكثر تشدُّدًا. ومع ذلك، فإنَّ تصاعد العزلة الدولية وتفاقُم الضغوط العسكرية يُرجّحان أن يكشفا عن تصدُّعات كامنة داخل البنية الأمنية للنظام.

إيران على خطى سوريا: تماسك ظاهري وهشاشة كامنة

صحيح أنَّ التراجع العسكري، في حد ذاته، لا يؤدّي بالضرورة إلى سقوط الأنظمة، لكنه قد يُشكّلُ عاملًا محفِّزًا لانقسامٍ سياسي داخلي. وفي الحالة الإيرانية، تُسهم الحملة الجوية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في تقليص القدرات العسكرية لطهران بشكلٍ تدريجي. ويعكس تراجع قدرتها على إطلاق الصواريخ مؤشّرًا مقلقًا على تآكل أدوات الردع، فيما يبدو تفعيلها لـ”حزب الله” أقرب إلى محاولة لامتصاص الضغط منه إلى تعبير عن فائض قوة. فالهجمات التي نفذها الحزب لم تتجاوز حدود الإرباك التكتيكي، من دون أن تُحدِثَ تحوُّلًا حقيقيًا في ميزان القوى.

في المقابل، يتقاطع منطق البقاء الإيراني مع التجربة السورية في السعي إلى رفع كلفة الضغط الخارجي عبر توسيع نطاق المخاطر، بحيث يصبح إضعاف النظام أكثر كلفة من الإبقاء عليه. غير أنَّ خيار التصعيد من خلال تعطيل الملاحة في مضيق هرمز يكشف، في الوقت ذاته، عن حدود القدرة العسكرية. فاستهداف السفن المدنية لا يتطلّب قدرات متقدمة بقدر ما يعكس انتقالًا إلى أدوات ضغط اقتصادية، في ظلِّ عجزٍ عن مجاراة التصعيد العسكري التقليدي. وهكذا، تسعى طهران إلى تعويض اختلال ميزان القوة عبر رفع الكلفة الاقتصادية للصراع على خصومها—وعلى النظام الدولي ككل.

وفي هذا السياق، يُظهِرُ الحصار شبه الكامل الذي فرضته إيران على المضيق وجهًا آخر لهذا الضعف. فإذا ما تمكنت القوات الأميركية من السيطرة على مواقع استراتيجية مثل جزيرة خرج (خارك) أو أجزاء من الساحل الإيراني، فإنَّ ذلك لن يشكل خسارة مادية فحسب، بل ضربة رمزية قاسية لصورة النظام. إذ إنَّ فقدان السيطرة على أراضٍ سيُقوّض السردية التي طالما روّجت لقوة الدولة وقدرتها على الصمود، ما قد يفتح الباب أمام اهتزاز داخلي يتجاوز البُعد العسكري إلى شرعية النظام ذاته.

ما دام النظام قادرًا على الحفاظ على قبضته الأمنية في الداخل، تبقى سيناريوهات التعبئة الشعبية الواسعة أو الانقلاب العسكري محدودة الاحتمال. غير أنَّ إضعافَ القدرات العسكرية الإيرانية إلى حدٍّ ملموس قد يُغيّر هذه المعادلة تدريجًا، عبر تعميق الخلافات داخل دوائر القرار حول اتجاه الاستراتيجية. وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، كما أظهرت تجربة سوريا، لا يكون التغيير بالضرورة نتاج معارضة منظمة أو بديل جاهز، بل قد يفتح المجال أمام صعود قيادات غير متوقعة وتشكّل هياكل سلطة جديدة خارج الأطر التقليدية.

قد يُستدل ببقاء نظام بشار الأسد لسنوات رغم إنهاك الجيش السوري كدليل على صلابة الأنظمة في مواجهة الضغوط. غير أنَّ قراءة أعمق للمسار السوري تكشف أنَّ بقاءه لم يكن انعكاسًا لقوة ذاتية بقدر ما كان نتيجة مباشرة لتردُّد القوى الغربية وإخفاقها في مراجعة افتراضاتها. فقد ألقت تداعيات حرب العراق 2003 بظلالها الثقيلة على السياسات الغربية، ما حدّ من الاستعداد لأيِّ تدخُّلٍ عسكري مباشر في سوريا. وعلى خلاف الوضع الراهن مع إيران، لم تتعرّض دمشق بعد 2011 لحملة ضغط خارجية متواصلة تهدف إلى تغيير سلوك النظام أو إضعافه بشكلٍ منهجي. في المقابل، تُواجه إيران اليوم ضغوطًا مركّبة من الولايات المتحدة وإسرائيل، في سياق يبدو أقل تسامحًا مع استمرار دورها الإقليمي بوصفه عاملًا مزعزعًا للاستقرار.

كما إنَّ بقاء الأسد لفترة طويلة ارتبط إلى حدٍّ كبير بتدخُّلاتٍ خارجية حاسمة في مراحل مبكرة. فقد دعمت إيران النظام السوري أمنيًا وسياسيًا، قبل أن تتدخّل روسيا عسكريًا لمنع سقوطه أمام المعارضة المسلحة. أما اليوم، فتبدو طهران محرومة من شبكة دعم مماثلة. فبرُغم إشارات إلى مساعدات محدودة من موسكو، لم تُظهر لا روسيا ولا الصين استعدادًا للانخراط المباشر في حماية النظام الإيراني، سواء عبر استخدام أدوات سياسية مثل الفيتو في مجلس الأمن أو من خلال دعم عسكري نوعي. وتُظهر التجربة الروسية في سوريا نفسها حدود هذا الدعم؛ إذ اكتفت موسكو، مع تسارع انهيار الأسد في العام 2024، بمواقف خطابية من دون تدخُّل حاسم، بعدما أعادت تقييم كلفة بقائه مقارنة بمصالحها الأوسع—وخصوصًا في ظل انشغالها بـالغزو الروسي لأوكرانيا. ومن غير المرجح أن تُخاطر روسيا اليوم بتوسيع نطاق مواجهتها مع الولايات المتحدة من أجل إيران.

في هذا السياق، قد يكون استخدام مصطلح “تغيير النظام” مضللًا عند توصيف المرحلة الحالية من الضغط الأميركي–الإسرائيلي على إيران. فكثيرًا ما تُستَحضَر تجربة العراق بوصفها نموذجًا تحذيريًا، حيث أدى إسقاط النظام—حتى بوجود قوات أجنبية على الأرض—إلى فوضى داخلية وصعود فاعلين مسلحين خارج إطار الدولة. غير أنَّ المقارنة هنا تظل قاصرة. فإيران ليست العراق، والاستراتيجية المُتَّبعة اليوم تختلف جذريًا عن نموذج الغزو والاحتلال عام 2003. إذ تقوم المقاربة الراهنة على مزيج من الأدوات: ضربات عسكرية مباشرة، وضغط اقتصادي متصاعد، وتأثير في الرأي العام الداخلي، إلى جانب تقويض شبكة الردع التي بنتها طهران عبر أذرعها الإقليمية.

وتستند هذه الاستراتيجية إلى استهداف نقاط الضعف البنيوية في النظام الإيراني: اعتماده المفرط على الوكلاء لتعزيز نفوذه الإقليمي، وبيئة داخلية شهدت موجات متكررة من السخط الشعبي، وعقيدة دفاعية تقوم على أدوات غير متكافئة بدلًا من التفوق التقليدي، فضلًا عن نموذج ردع يعتمد بقدر كبير على الصورة المُتَخيَّلة للقوة. بذلك، لا تسعى هذه المقاربة إلى احتلال إيران، بل إلى استنزاف الأدوات التي مكّنتها من ترسيخ نفوذها—في محاولة لإعادة تشكيل سلوكها، وربما مآلات نظامها، من الداخل.

ما بعد “تغيير النظام”: تفكيك التهديد بدل إسقاطه

ولا يصلح العراق بوصفه نموذجًا استشرافيًا لما قد تؤول إليه الأوضاع في إيران. فحالة التمرد التي أعقبت الغزو عام 2003 لم تنشأ في فراغ، بل تغذّت بدرجة كبيرة على دعم خارجي مباشر، وعلى رأسه إيران، التي موّلت ودرّبت ميليشيات شيعية قاتلت القوات الأميركية والبريطانية. أما في السياق الراهن، فتبدو طهران أكثر عزلة، ما يعني غياب جهة إقليمية قادرة على رعاية تمرد مماثل في مرحلة ما بعد النظام. وحتى إذا لجأت شبكات النظام أو بعض مكوّناته إلى العنف، فإنَّ افتقارها إلى دعم خارجي منظّم سيحدّ من قدرتها على إحداث اضطراب واسع النطاق، ويجعل تكرار السيناريو العراقي أقل ترجيحًا—لا سيما في ظل فقدان إيران نفسها لدورها التقليدي كراعٍ لمثل هذه الحركات.

غير أنَّ التركيز على فكرة “تغيير النظام” بحد ذاته يُخفي السؤال الاستراتيجي الأعمق. فالمسألة لا تتعلق بمجرد إسقاط النظام كغاية مستقلة، بل بكيفية تحييد التهديد البنيوي الذي تمثّله إيران في المدى الطويل. حتى في حال صعود تيارات أكثر براغماتية داخل طهران، فإنَّ ذلك لا يضمن بالضرورة زوال مصادر التهديد. كما تُظهِرُ تجارب سوريا ولبنان، فإنَّ وجود حكومات أقل تصادمًا لم يمنع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، طالما بقيت القدرات الصاروخية التي تُعدّ تهديدًا محتملًا قائمة. بل إنَّ المفارقة تكمن في أنَّ القيادة البراغماتية قد تُسهّل استمرار هذا النمط من الضغط، نظرًا لكونها أقل ميلًا إلى التصعيد المباشر.

في هذا الإطار، يتحوّل إصرار إيران على مواصلة المواجهة إلى أحد أبرز مكامن ضعفها. فعلى الرُغم من التحوُّلات العميقة في البيئة الاستراتيجية—حيث يبرز تقارب متزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من دول الخليج—لم تُظهر طهران سوى مؤشّرات محدودة على إعادة ضبط استراتيجيتها. وبدلًا من ذلك، تستمرُّ في تبنّي النهج الذي ساهمت في ترسيخه في سوريا: تشديد القبضة الداخلية، والتحذير من أنَّ سقوط النظام سيقود إلى فوضى إقليمية أوسع، والمراهنة على أنَّ خصومها سيفضّلون في نهاية المطاف احتواء الأزمة بدلًا من الانخراط في صراعٍ طويل. وقد اعتمد بشار الأسد منطقًا مشابهًا، مُقدِّمًا نفسه كخيارٍ وحيد في مواجهة الفوضى والتطرف، في سياقٍ سمح بإعادة تأطير الصراع حول تهديدات جهادية. وتعكس خطوات مثل استهداف دول الخليج وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز المنطق ذاته، لكنها في الوقت نفسه تُسرّع استنزاف القدرات العسكرية وتُضعف شبكة الوكلاء التي يستند إليها النفوذ الإيراني، ما ينعكس سلبًا على تماسك الجبهة الداخلية.

في المحصّلة، تُسهم قراءة التجربة السورية في تفكيك الثنائيات المبسطة التي غالبًا ما تُهيمن على النقاش حول إيران: الاستقرار مقابل الفوضى، بقاء النظام مقابل انهياره، التدخُّل مقابل السلبية. فالدروس المستفادة لا تكمن في افتراض تكرار المسار نفسه، بل في إدراك أنَّ الأنظمة التي تبدو راسخة قد تخفي هشاشة عميقة، وأنَّ الاستقرارَ الظاهري قد لا يكون سوى المرحلة الأخيرة قبل أن تبدأ ركائزها السياسية بالتآكل.

Exit mobile version