نَفطُ الحروب يُنعِشُ جنرالات الجزائر… لا الجزائريين

مع كلِّ انفجارٍ جيوسياسي يرفع أسعار الطاقة، تستعيد السلطة الجزائرية أنفاسها المالية والسياسية. لكن خلف الطفرة النفطية المتجددة، يتكرّر السؤال نفسه: لماذا تزداد ثروة الدولة فيما يبقى المجتمع عالقًا في الأزمات نفسها؟

الرئيس عبد المجيد تبون: انتخابه كان محاولة لاستعادة قدر من الشرعية السياسية واحتواء الغضب الشعبي المتنامي.

محمد سليم*

أدّت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران إلى إحداثِ اضطرابٍ واسع في أسواق الطاقة العالمية، مع قفزاتٍ حادة في أسعار النفط والغاز وتزايد المخاوف بشأن أمن الإمدادات واستقرار التجارة الدولية للطاقة. وبينما يبقى مصير المفاوضات المرتقبة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة مفتوحًا على احتمالاتٍ متعددة، من تهدئة مؤقتة إلى تسوية أكثر ديمومة، فإنَّ نتيجةً واحدة تبدو واضحة حتى الآن: الدول المصدّرة للطاقة، وفي مقدمتها الجزائر، خرجت بمكاسب مالية كبيرة من هذه الأزمة.

فالاقتصاد الجزائري يعتمد بصورة شبه هيكلية على عائدات المحروقات، إذ توفّر صادرات النفط والغاز أكثر من 80% من إيرادات البلاد الخارجية، كما تمثل نحو 47% من مداخيل الموازنة العامة. لذلك، فإنَّ أيَّ ارتفاعٍ في أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على الخزينة العمومية، مانحًا السلطات هامشًا ماليًا أوسع للإنفاق وتخفيف الضغوط الاقتصادية.

وتكتسب هذه الطفرة في الإيرادات أهمية خاصة هذا العام، بعدما أعدّت الجزائر موازنة 2026، البالغة قيمتها القياسية 135 مليار دولار، على أساسِ سعرٍ مرجعي متحفّظ للنفط عند 60 دولارًا للبرميل. ومع تجاوز الأسعار الفعلية لهذا المستوى بفارقٍ ملحوظ، بدأت المؤشرات المالية تظهر تحسُّنًا واضحًا منذ الأشهر الأولى من السنة، ما يمنح الحكومة قدرةً أكبر على احتواء العجز ومواصلة الإنفاق بوتيرة تفوق التقديرات الرسمية.

غير أنَّ المفارقة التي طبعت الاقتصاد الجزائري لعقود تعود إلى الواجهة مجددًا: فارتفاع عائدات الطاقة، رُغم ما يوفره من ارتياح مالي للدولة، لا ينعكس بالضرورة تحسنًا ملموسًا في حياة المواطنين. فمنذ الاستقلال عن فرنسا عام 1962، ظل الحكم في الجزائر بأيدي نخبة سياسية وأمنية مغلقة، تضمُّ قيادات عسكرية ومسؤولين في أجهزة الاستخبارات وشخصيات سياسية متعاقبة تستمد شرعيتها من إرث حرب التحرير، أكثر مما تستند إلى تجديدٍ اقتصادي أو إصلاحاتٍ مؤسساتية عميقة.

اقتصاد الريع وحماية النظام

على مدى عقود، شكّلت الثروة الطاقية العمود الفقري للنظام السياسي الجزائري، ومصدر القوة الذي مكّنه من ترسيخ قيود صارمة على الحياة السياسية والعامة. فالعائدات الضخمة من النفط والغاز لم تُستخدم فقط في تمويل جهاز أمني واسع النفوذ، بل منحت السلطة أيضًا قدرة على تجنُّب الضغوط الاقتصادية والإصلاحات الهيكلية التي تدفع عادةً الحكومات إلى تحسين الإدارة العامة وتطوير آليات صنع القرار.

وفي ظل اقتصاد يعتمد بصورة أساسية على الريع، يُتوقع أن تتحول الزيادة في عائدات الطاقة خلال عام 2026 إلى توسيع برامج الدعم الاجتماعي، سواء عبر إعانات البطالة أو دعم المواد الغذائية والخدمات الأساسية. غير أنَّ هذه المكاسب، رُغمَ أهميتها الآنية بالنسبة إلى شرائح واسعة من الجزائريين، تبدو أقرب إلى حلول مؤقتة منها إلى معالجة حقيقية للأزمات الاقتصادية العميقة التي تعانيها البلاد.

وفي المدى البعيد، يُرجَّح أن تؤدي الطفرة الجديدة في إيرادات الطاقة إلى إعادة إنتاج بنية الحكم نفسها، عبر تعزيز نظام سياسي استند طويلًا إلى شرعية تاريخية مرتبطة بحرب الاستقلال، من دون أن يخضع لقدر كافٍ من المساءلة السياسية أو الاقتصادية. وعلى خلاف بعض الدول الخليجية الغنية بالطاقة، التي اقترنت فيها السلطوية بمحاولات لتنويع الاقتصاد وتوسيع فرص التعليم والعمل وتحسين الخدمات العامة، لم تنجح الجزائر في تحويل ثروتها النفطية إلى قاعدة لتنمية اقتصادية مستدامة أو إدارة حكومية فعّالة.

وقد أدّى هذا الإخفاق إلى إبقاء الاقتصاد الجزائري رهينة لتقلبات أسعار النفط والغاز، في وقتٍ أعادت النخبة الحاكمة تنظيم نفسها حول شبكات مصالح تتقاسم عوائد الثروة الوطنية. ومع مرور الوقت، طغت حسابات الحفاظ على الامتيازات السياسية والاقتصادية على أولويات التنمية، ما ساهم في تكريس عزلة الجزائر وتراجع بنيتها الاقتصادية، رُغمَ كونها أكبر دولة أفريقية من حيث المساحة وامتلاكها موارد طبيعية هائلة.

وفي المقابل، أظهرت التجارب السابقة أنَّ فترات انخفاض أسعار الطاقة كانت غالبًا لحظات اهتزاز للنظام القائم. فعندما تتراجع الإيرادات وتضيق قدرة السلطة على تمويل شبكات المحسوبية والإنفاق الاجتماعي، تتسع مساحة الضغط الشعبي، ويجد الجزائريون فرصة أكبر لمواجهة نفوذ المؤسسة العسكرية والطعن في أسس الحكم الاستبدادي الذي هيمن على البلاد لعقود.

النفط والاحتجاجات… دورة تتكرّر

وقد برز هذا الترابط بين أسعار الطاقة واستقرار النظام السياسي بوضوح خلال ثمانينيات القرن الماضي، عندما أدى فائض المعروض النفطي عالميًا إلى انهيار أسعار النفط، ما انعكس مباشرة على الاقتصاد الجزائري المعتمد على الريع. ومع تراجع إيرادات الدولة وتقليص الإنفاق والخدمات العامة، انفجرت موجة غضب شعبي واسعة في تشرين الأول (أكتوبر) 1988، تحوّلت خلال أيام إلى احتجاجات دامية قُتل فيها ما لا يقل عن 500 شخص على أيدي قوات الأمن، وفق تقديرات حقوقية.

وجد النظام نفسه آنذاك تحت ضغط غير مسبوق، واضطر إلى تقديم تنازلات سياسية أنهت عمليًا احتكار حزب جبهة التحرير الوطني للحياة السياسية منذ الاستقلال، وفتحت الباب أمام التعددية الحزبية والانتخابات. غير أنَّ مسار الانفتاح السياسي انتهى سريعًا إلى أزمة عميقة، بعدما تدخل الجيش عام 1992 لإلغاء الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية التي كانت “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” تستعد للفوز بها.

وأدى ذلك القرار إلى دخول الجزائر واحدة من أكثر مراحلها دموية، مع اندلاع حرب أهلية استمرت نحو عقد كامل بين القوات الحكومية والجماعات الإسلامية المسلحة، خلّفت عشرات الآلاف من القتلى ورسّخت قبضة المؤسسة الأمنية على الدولة والمجتمع. وخلال سنوات الصراع وما بعدها، أعاد النظام بناء سلطته عبر مزيج من القمع الأمني والسيطرة السياسية، مستفيدًا لاحقًا من موجة ارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية التي ضخت مليارات الدولارات في خزائن الدولة.

هذه الوفرة المالية لعبت دورًا حاسمًا أيضًا خلال موجة الاحتجاجات العربية عام 2011. فمع انتقال تداعيات سقوط الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى الجزائر، تحرّكت السلطات سريعًا لاحتواء أيِّ انفجارٍ داخلي، عبر رفع أجور قوات الشرطة وتوسيع برامج الدعم والإنفاق الاجتماعي. وأسهم هذا الاستخدام المكثّف للعائدات النفطية في تعزيز قدرة النظام على امتصاص الغضب الشعبي، في وقتٍ كانت أنظمة عربية أخرى تتهاوى تحت ضغط الانتفاضات الشعبية.

لكن دورة الاستقرار التي وفّرتها الطفرة النفطية لم تدم طويلًا. فمع الانهيار الجديد في أسعار الطاقة عام 2014، دخلت الجزائر مرحلة ضغوط مالية حادة أجبرت السلطات على تقليص الإنفاق العام. وخلال سنوات قليلة، تراجعت احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي بصورة دراماتيكية، من نحو 186 مليار دولار إلى 56 مليار دولار فقط بحلول عام 2021، ما كشف هشاشة النموذج الاقتصادي القائم على عائدات المحروقات.

وتزامن هذا التدهور الاقتصادي مع أزمة سياسية متفاقمة داخل السلطة، بعدما سعت المؤسسة الحاكمة إلى فرض الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، الذي كان يبلغ 82 عامًا ويعاني وضعًا صحيًا متدهورًا، لولاية رئاسية خامسة. وأدى ذلك إلى اندلاع موجة احتجاجات غير مسبوقة عام 2019، شكّلت واحدة من أكبر التعبئات الشعبية في تاريخ الجزائر منذ الاستقلال.

ورغم القبضة الأمنية الصارمة، نجح المتظاهرون في إجبار بوتفليقة على التنحي، في لحظة كشفت بوضوح الدور الحقيقي للمؤسسة العسكرية باعتبارها مركز القوة الفعلي خلف واجهة الحكم المدني. ومع تصاعد الضغط الشعبي، سعى الجيش إلى إعادة إنتاج النظام عبر دعم انتخاب عبد المجيد تبون رئيسًا جديدًا، في محاولة لاستعادة قدر من الشرعية السياسية واحتواء الغضب الشعبي المتنامي.

إلّا أنَّ هذه الخطوة لم تنجح في إقناع قطاعات واسعة من الجزائريين، الذين قاطع كثير منهم الانتخابات الرئاسية عام 2019، وكذلك الاستفتاء الدستوري الذي أعقبها في 2020. واستمرت حالة التحدي الشعبي عبر حركة احتجاجية واسعة عُرفت باسم “الحراك”، واصلت الضغط على السلطة حتى عام 2021، مطالبة بتغيير جذري في بنية النظام السياسي.

لكن السلطات استفادت لاحقًا من تداعيات جائحة كورونا، سواء عبر القيود الصحية التي حدّت من التجمعات أو من خلال قرار الحراك نفسه تعليق التظاهرات لتفادي انتشار العدوى، لتشن حملة أمنية استهدفت ناشطين سياسيين ومعارضين وصحافيين وأصواتًا منتقدة على الإنترنت. وبذلك، تمكن النظام تدريجًا من إخماد الزخم الشعبي ووضع حد لطموحات الحراك في إحداث تغيير سياسي شامل.

ومع ذلك، فإن استعادة النظام لتوازنه لم تبدأ فعليًا إلّا مطلع عام 2022، مدفوعة مجددًا بعوامل خارجية بعيدة من الداخل الجزائري، كما حدث مرارًا في تاريخ البلاد الحديث.

حروب العالم تُنعش خزائن الجزائر

في شباط (فبراير) 2022، أدى الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، الذي أمر به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى إعادة تشكيل أسواق الطاقة العالمية بصورة دراماتيكية. فقد دفعت الحرب أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع مجددًا، لكنها منحت الجزائر فرصة استراتيجية إضافية تمثّلت في سعي الدول الأوروبية إلى تقليص اعتمادها التاريخي على المحروقات الروسية.

وفي خضمّ هذا التحوُّل، تحولت الجزائر إلى شريك طاقي محوري بالنسبة إلى أوروبا، مع توافد مسؤولين وقادة أوروبيين إلى الجزائر العاصمة لإبرام اتفاقات تضمن إمدادات إضافية من الغاز الطبيعي. ونتيجةً لذلك، قفزت عائدات البلاد من صادرات الطاقة من نحو 38 مليار دولار عام 2021 إلى مستوى قياسي بلغ 60 مليار دولار في عام 2022، قبل أن تتراجع تدريجًا إلى أقل من 50 مليار دولار خلال عامي 2024 و2025، مع هدوء نسبي في الأسواق العالمية.

واليوم، تجد الجزائر نفسها مرة أخرى أمام موجة جديدة من الانتعاش الطاقي بفعل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط. ولا يزال من المبكر تحديد ما إذا كانت عائدات الطاقة خلال عام 2026 ستعود إلى مستويات الطفرة التي سجلتها البلاد عام 2022، أو ربما تتجاوزها. إلّا أنَّ كثيرًا من التقديرات تشير إلى احتمال ارتفاع متوسط سعر خام برنت إلى نحو 82.85 دولارًا للبرميل خلال العام، مقارنة بنحو 63.85 دولارًا قبل اندلاع الحرب الأخيرة.

وفي حال استمرار المواجهة العسكرية وتعطُّل الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط عالميًا، فقد تتجه الأسعار إلى ارتفاعات أكبر، وربما تقترب مجددًا من المستويات القياسية التي سُجِّلت عام 2008 عندما تجاوز سعر البرميل 147 دولارًا.

لكن حتى بعيدًا من السيناريوهات القصوى، فإنَّ حالة عدم اليقين التي تحيط بالسياسات التفاوضية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب المخاوف المرتبطة بتدفقات الطاقة من الخليج والأضرار التي أصابت بالفعل بعض البنى التحتية النفطية في المنطقة، كلها عوامل تدفع باتجاه بقاء أسعار الطاقة العالمية أعلى بكثير من المستويات التي بنت عليها الجزائر موازنتها العامة.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة الحالية في الشرق الأوسط على الارتفاع المباشر في إيرادات الجزائر من النفط والغاز، بل تمتد أيضًا إلى تعزيز موقعها الجيوسياسي كمورّد طاقة استراتيجي لأوروبا. فمع تصاعد المخاوف بشأن أمن الإمدادات الآتية من الخليج، تزداد أهمية الاحتياطيات الجزائرية القريبة جغرافيًا من الأسواق الأوروبية، والقادرة على توفير بديل أكثر استقرارًا في لحظة دولية شديدة الاضطراب.

هذا التحوُّل يمنح الجزائر وزنًا سياسيًا إضافيًا في علاقاتها مع العواصم الأوروبية، التي تبدو اليوم أكثر حرصًا على ضمان أمنها الطاقي من إثارة ملفات الحريات وحقوق الإنسان داخل البلاد. ومع تزايد اعتماد أوروبا على الغاز الجزائري، يُتوقع أن تتراجع حدة الانتقادات الغربية تجاه ممارسات السلطة الجزائرية، بما في ذلك القيود السياسية وحملات التضييق على المعارضين والنشطاء.

وبالنسبة إلى كثير من الجزائريين، قد تبدو الطفرة الجديدة في عائدات الطاقة فرصة مُرَحَّبًا بها لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتحسين مستويات الدعم والإنفاق الاجتماعي. غير أنَّ التجارب السابقة تجعل قطاعات واسعة من المجتمع تنظر بحذر إلى هذه الوفرة المتجددة، إدراكًا منها أنَّ القسم الأكبر من المكاسب سيظل يصب في خدمة نظام سياسي مغلق، نجح مرارًا في توظيف الثروة النفطية لإطالة عمره أكثر من توظيفها لبناء اقتصاد منتج أو عقد اجتماعي أكثر عدالةً واستقرارًا.

Exit mobile version