من هامِشِ الحرب إلى قلبِ التحوّل: كيف يُعادُ تَشكيلُ الواقع الفلسطيني تحتَ غطاءِ التصعيدِ الإقليمي؟
في ظلّ تصاعد المواجهة الإقليمية بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران وأذرعها من جهة أخرى، تتحوّل القضية الفلسطينية من محور الصراع إلى ضحيته الصامتة. وبين انشغال القوى الكبرى، يتشكّل على الأرض واقعٌ جديد يُعيدُ رَسمَ حدود المُمكِن السياسي والجغرافي للفلسطينيين.

جورج زيدان*
مع اتساع رقعة المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، يجد الفلسطينيون أنفسهم في موقع الأكثر تأثُّرًا، وإن كانوا خارج مركز هذا الصراع. فالتطوُّرات الإقليمية المتسارعة لا تكتفي بتهميش القضية الفلسطينية سياسيًا، بل تفتح الباب أمام تغييرات ميدانية كانت تُعد حتى وقت قريب خارج حدود الممكن. ما كان يُنظر إليه كـ“خطوط حمراء”، مثل تهجير سكان غزة أو تكريس ضم الضفة الغربية، بات يُطرح تدريجًا ضمن واقعٍ يتآكل فيه غياب المساءلة الدولية. ومع استمرار هذا المسار، لا تتراجع فقط فرص تقرير المصير الفلسطيني، بل تتآكل معها أيضًا أسس الاستقرار وحقوق الإنسان في المنطقة.
في هذا السياق، لا تأتي الحرب مع إيران كحدث منفصل عن الواقع الفلسطيني، بل كعامل إضافي يعمّق أزماته. فبينما تتجه الأنظار إلى ساحات المواجهة الكبرى، يتراجع الاهتمام بالوضع الإنساني في غزة، حيث تتباطأ الجهود الديبلوماسية وتتقلّص عمليات الإغاثة. ورغم وجود وقف إطلاق نار هش، تستمر الانتهاكات على الأرض، مع سقوط قتلى بشكل متكرر وبقاء الغالبية الساحقة من السكان في ظروف معيشية قاسية داخل مخيمات مؤقتة، وسط انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية. وفي الضفة الغربية، يتخذ التصعيد منحى آخر، حيث يتزايد عنف المستوطنين بشكل لافت، في سياقٍ يُنظر إليه على أنه تمهيدٌ تدريجي لفرض واقع ضم فعلي، يُعيدُ رسم الجغرافيا السياسية على حساب الوجود الفلسطيني.
في ظلِّ هذه المعطيات، تتراجع بسرعة فرص تحقيق تقرير المصير الفلسطيني، حتى ضمن الصيغ المحدودة التي طُرحت سابقًا في مبادرات دولية مثل خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذات البنود العشرين، والتي كانت أصلًا محاطة بتحفظات واسعة. فاليوم، يلف الغموض عناصر أساسية في أيِّ تصوُّر سياسي مستقبلي: العلاقة الجغرافية والسياسية بين غزة والضفة الغربية، طبيعة الجهة التي ستتولى إدارة القطاع، موقع “حماس” في المعادلة المقبلة، فضلًا عن الأزمة المالية الخانقة التي تدفع السلطة الفلسطينية نحو حافة الانهيار. هذه الضبابية لا تعكس فقط تعقيد المشهد، بل تشير إلى غياب أفق سياسي واضح يمكن البناء عليه.
ميدانيًا، ترجمت الحرب مع إيران إلى إجراءات فورية عمّقت العزلة المفروضة على غزة. فقد سارعت إسرائيل إلى إغلاق معبر رفح الحدودي مع مصر، الذي لم يكن قد فُتح أصلًا إلّا لفترة وجيزة ولم يسمح خلالها إلّا لعدد محدود من المرضى بالمغادرة لتلقي العلاج. ومع اندلاع الحرب، توقفت أيضًا حركة دخول المساعدات الإنسانية لأيام، قبل أن تُستأنف بشكل جُزئي لا يلبّي الاحتياجات الأساسية. وتشير تقديرات إلى أنَّ حجم المساعدات التي تدخل القطاع تراجع بشكل حاد، ليصل إلى مستويات تقل بكثير عما كان عليه في بداية الأزمة، ما يعمّق من هشاشة الوضع الإنساني في ظلِّ اعتماد شبه كامل للسكان على الإغاثة.
وفي موازاة ذلك، تبرز مؤشرات إلى توجُّهات أكثر إثارة للقلق، تتجاوز إدارة الأزمة إلى إعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي. فقد طُرحت مشاريع لبناء ما يُسمى “مدينة إنسانية” شرق الخط الأصفر، تحت مسمى “رفح الجديدة”، في إطار مبادرات يُروَّج لها على أنها جُزءٌ من جهود التعافي. غير أنَّ المخاوف تكمن في أن تتحول هذه المشاريع إلى أدوات ضغط غير مباشرة لدفع الفلسطينيين نحو الانتقال إليها، بما يعني التخلي عن مناطقهم الأصلية، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مدى توافق هذه الخطوات مع القانون الدولي. وفي الوقت نفسه، قد تُفتح مناطق ساحلية أمام استثمارات ومشاريع تنموية، في حين يُترك السكان في وضع هش، يواجهون خطر التهجير تحت غطاء إعادة الإعمار.
أما على صعيد الحُكم، فلا يزال المشهد في غزة يتسم بدرجة عالية من الغموض. فالهياكل التي طُرحت لإدارة القطاع، مثل المجلس الوطني لإدارة غزة، لا تزال عاجزة عن ممارسة دور فعلي، في ظل القيود المفروضة على دخولها إلى القطاع، وسيطرة إسرائيل على مساحات واسعة منه. كما إنَّ العلاقة بين هذه الأطر وبين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية لم تتبلور بعد، في وقت تواجه السلطة نفسها أزمة مالية حادة تهدد قدرتها على الاستمرار. وفي المقابل، لا تزال “حماس” تحتفظ بجُزء من نفوذها داخل غزة، رغم ما تكبدته من خسائر، لكنها لم تحسم بعد موقعها من الترتيبات السياسية المطروحة، بما في ذلك الخطط الدولية السابقة وبينها خطة ترامب للسلام ذات ال20 بندًا. في ظل هذا التداخل، يبدو أنَّ الفراغ السياسي لا يقل خطورة عن الواقع الإنساني، إذ يفتح الباب أمام سيناريوهات مفتوحة قد تعيد تشكيل القضية الفلسطينية خارج إطارها التقليدي.
انحسار الأفق السياسي: حسابات إقليمية وفراغ دولي
تراجع الزخم الديبلوماسي المحيط بخطة ترامب ذات البنود العشرين الخاصة بغزة تراجعًا لافتًا، بعدما كانت تُقدَّم كإطار شامل يجمع بين الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وإصلاحات الحكم، ونشر قوة استقرار دولية، ونزع السلاح، وإعادة الإعمار. غير أنَّ القراءة المتأنّية لتفاصيل هذه الخطة تكشف أنَّ بنودها ليست على الدرجة نفسها من الأهمية أو القابلية للتنفيذ. ففي ظل فتور الاهتمام الدولي، تبدو البنود التي تنسجم مع الحسابات السياسية الإسرائيلية هي الأكثر قابلية للتقدُّم، بينما تتراجع الالتزامات الجوهرية—كالانسحاب الكامل، وبناء حكم رشيد، وتحقيق تعافٍ حقيقي—إلى هامش المشهد، بما يترك الفلسطينيين فعليًا خارج معادلة تقرير مستقبلهم.
في هذا السياق، تبرز داخل إسرائيل أصوات ترى في التصعيد مع إيران فرصة لإعادة توجيه بوصلة الصراع نحو قطاع غزة، عبر استئناف المواجهة مع حركة “حماس”، وهو ما قد يُستَخدَم لتفادي الاستحقاقات السياسية المرتبطة بالمرحلة الثانية من الخطة، وفي مقدمتها تقديم تنازلات ملموسة. هذا التوجه يعكس ميلًا متزايدًا لإدارة الصراع بدلًا من حله، عبر استثمار التحوُّلات الإقليمية لتأجيل التسويات المعقّدة.
إقليميًا، تنخرط دول الخليج وعدد من الدول العربية في عملية إعادة تقييم دقيقة لعلاقاتها مع الولايات المتحدة، في ضوء التوترات المتصاعدة. فهذه الدول تجد نفسها أمام معادلة حساسة: الحفاظ على المظلة الأمنية التي توفرها واشنطن، مقابل تجنُّب الانزلاق إلى صراعات إقليمية مفتوحة قد تُهدّد استقرارها ومصالحها الاقتصادية. وفي خضم هذه الحسابات، تراجع الزخم المرتبط بالتعهدات المالية لمشاريع إعادة الإعمار أو ما يُعرف بـ”مجلس السلام”، إذ انشغلت الدول المانحة بإدارة تداعيات المواجهة مع إيران وحماية اقتصاداتها.
على الجانب الأوروبي، يستمر التهميش النسبي للدور السياسي، في ظلِّ انشغال القارة بملفات الطاقة، وتداعيات الحرب في أوكرانيا، والضغوط الاقتصادية الداخلية. أما إندونيسيا، التي كانت الدولة الوحيدة التي أعلنت استعدادها لإرسال قوات ضمن ترتيبات أمنية محتملة، فقد علّقت مشاركتها في محادثات مجلس السلام، تحت وطأة ضغوط داخلية متصاعدة تعكس حساسية الانخراط في هذا الملف.
الضفة الغربية: من التصعيد الميداني إلى تكريس الضمّ الفعلي
بالتوازي مع ذلك، يشهد الوضع في الضفة الغربية تدهورًا ملحوظًا، حيث تتبلور على الأرض استراتيجية إسرائيلية مزدوجة توظف أدوات الدولة الرسمية إلى جانب عنف المستوطنين المسلحين لتكريس واقع ميداني جديد. هذه المقاربة تُترجَم إلى توسُّعٍ تدريجي في السيطرة على الأراضي، يقابله تصاعد في وتيرة الاعتداءات على الفلسطينيين، بما يشمل القتل والتهجير القسري.
وتشير المعطيات الميدانية إلى ارتفاع ملحوظ في حدة العنف منذ اندلاع المواجهة مع إيران، مع سقوط ضحايا مدنيين في مناطق مثل مسافر يطا ووادي الأردن، إلى جانب حوادث إطلاق نار أودت بحياة عائلات كاملة، فضلًا عن تقارير تتحدث عن انتهاكات جسيمة في مناطق تشهد توسعًا في نشاط المستوطنين. هذا التصعيد لا يُفهم بمعزل عن البيئة السياسية الأوسع التي تُضعف آليات المساءلة وتُعزز مناخ الإفلات من العقاب.
في موازاة ذلك، اتخذت السلطات الإسرائيلية خطوة لافتة بتوسيع نطاق تراخيص حيازة الأسلحة النارية لتشمل جميع “الأحياء اليهودية” في القدس المحتلة، ما يفتح الباب أمام مئات الآلاف من المدنيين لحمل السلاح. هذه الخطوة تحمل دلالات عميقة، إذ تُسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين المدني والعسكري، وتُحوِّل قطاعات من المجتمع إلى فاعلين مباشرين في فرض السيطرة الميدانية، بما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويُضاعف احتمالات الاحتكاك والعنف.
أما على صعيد الحياة اليومية، فقد شهد شهر رمضان تشديدًا غير مسبوق على حركة الفلسطينيين وحقهم في العبادة، من خلال تكثيف الحواجز العسكرية، وإغلاق المدن والقرى، وتقييد الوصول إلى الأماكن المقدسة في القدس. وبهذا، لا تقتصر تداعيات الوضع الراهن على البُعد السياسي أو الأمني فحسب، بل تمتد لتطال النسيج الاجتماعي والديني، في سياق يُعمّق الشعور بالعزلة ويفاقم هشاشة الواقع الفلسطيني.
خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، تصاعدت وتيرة العنف المنظّم الذي يُنفّذه المستوطنون في أنحاء متفرّقة من الضفة الغربية، ولا سيما في محافظات نابلس ورام الله وجنين، في مشهدٍ يعكس انتقال هذه الهجمات من الطابع الفردي إلى العمل المنهجي واسع النطاق. فقد شملت الاعتداءات عمليات حرق متعمد طالت منازل ومركبات ومرافق حيوية، إلى جانب اعتداءات جسدية مباشرة على السكان. وفي بعض المواقع، بدت الهجمات أقرب إلى غارات منسَّقة نفذتها مجموعات كبيرة، خلّفت إصابات بشرية وأضرارًا مادية ملموسة، بينما ترافق ذلك مع فرض إجراءات أمنية مُشدَّدة من قبل السلطات الإسرائيلية، ما أضفى على المشهد طابعًا مركّبًا يجمع بين الفوضى المنظمة والانضباط الأمني.
ولا يمكن النظر إلى هذه التطوّرات بوصفها أحداثًا معزولة، إذ تُسهم مجتمعةً في إعادة تشكيل الخريطة الجغرافية والسياسية للضفة الغربية. فمع تزايد الضغوط الميدانية، تُدفَعُ التجمعات الفلسطينية نحو مزيد من العزلة داخل جيوب منفصلة، في وقتٍ تتعزز السيطرة الإسرائيلية تدريجًا على الأرض. ومن خلال توسيع تسليح المستوطنين، وتكثيف نطاق تحركاتهم، وإخضاع السكان المدنيين لبيئةٍ ضاغطة ومفتوحة على التهديد، تتسارع عملية فرض واقع ضمّ فعلي للأراضي، من دون الحاجة إلى إعلانٍ سياسي صريح.
في الأفق الأوسع، قد تنتهي الحرب مع إيران عند نقطة ما، لكن تداعياتها السياسية مُرشَّحة للاستمرار بما يتجاوز زمن المواجهة العسكرية ذاتها. وفي صلب هذه التحوُّلات، تبقى القضية الجوهرية متمثّلة في حقِّ الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. ذلك أنَّ غياب ضغط دولي فعّال ومستدام على إسرائيل لا يؤدي فقط إلى تقليص فرص التوصل إلى تسوية عادلة، بل يُضعف أيضًا إمكانية بناء إطار سياسي قابل للحياة في فلسطين، وهو ما ينعكس بدوره على آفاق الاستقرار الإقليمي ككل.
- جورج زيدان هو المدير القطري لمركز كارتر في إسرائيل وفلسطين. وهو أحد المؤسسين المشاركين لمبادرة “الحق في الحركة – فلسطين”، وهي مبادرة تستخدم الرياضة لتسليط الضوء على واقع الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.