الإنترنت كسلاحٍ سياسي: كيف أعادت إيران تعريف الاتصال في زَمَنِ الحرب
في إيران اليوم، لم يعد الإنترنت حقًا عامًا، بل أداة سلطة تُمنَح لمَن يخدم رواية الدولة وتُحجَب عن سواهم. وما يجري ليس مجرد رقابة، بل إعادة تشكيل كاملة لمَن يملك الصوت — وكيف يُستَخدَم.

مهسا عَلِيمَرداني*
في العاشر من آذار/مارس الجاري، خرجت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، بتصريحٍ لافت وسط أجواء الحرب، في وقتٍ كان الإيرانيون قد أمضوا نحو ثلث العام 2026 في شبه عزلة رقمية نتيجة قيودٍ صارمة فرضتها السلطات على الإنترنت. قالت مهاجراني بوضوح: “سنُوَفّر الفرص لمن يستطيع إيصال صوتنا إلى أبعد مدى”، في إشارةٍ مباشرة إلى نظام امتيازات يمنح اتصالًا غير مُقيّد بالشبكة لفئاتٍ محددة دون غيرها.
وبعد خمسة أيام فقط، ظهر وزير الخارجية عباس عراقجي في مقابلة مع قناة “سي بي أس نيوز” الأميركية عبر تطبيق “زوم”، بينما ظل ملايين الإيرانيين محرومين من الوصول إلى الإنترنت. وعندما سُئل عن سبب تمتّعه بهذه الخدمة، أجاب مقتضبًا: “لأنني صوت الإيرانيين”.
تعكس هذه التصريحات تحوُّلًا نوعيًا في خطاب السلطة؛ فبدل الاحتماء بذرائع أمنية تقليدية، بات المسؤولون يدافعون علنًا عن استخدام الإنترنت كأداةٍ سياسية. لم يعد الوصول إلى الشبكة حقًا عامًا، بل امتيازًا يُمنَحُ لمَن يُروّجون لرواية الدولة، فيما يُحجَبُ عن سائر المواطنين. وخلال الحرب، لم يُستأنف الاتصال على نطاقٍ واسع، بل جرى تخصيصه حصريًا لمَن يضخّمون صوت النظام.
وتكشف هذه الوقائع عن بُعدٍ لم يحظَ بالاهتمام الكافي في دراسات السيطرة على المعلومات في الأنظمة الاستبدادية: فالاتصال بالإنترنت لم يعد مجرّد بُنية تحتية، بل أصبح بحد ذاته سياسة محتوى. ما يُبنى في الفضاء الرقمي وما يمرُّ عبره باتا وَجهَين لفعلٍ سياسي واحد. ومن ثم، فإنَّ فهمَ الاستراتيجية الإيرانية يتطلّب تجاوز مسألة الرقابة التقليدية، وطرح سؤال أعمق: ماذا تبني الدولة في هذا الفضاء، ولماذا؟
مشكلة شرعية، لا مشكلة رقابة
يُصنّف الإطار النظري السائد لفهم سيطرة إيران على المعلومات أدوات النظام أساسًا ضمن خانة الرقابة: حجب وتصفية ومراقبة وإغراق وقطع للاتصال. وعلى مدى عقدين، استثمرت طهران في بناء بنية تحتية معقّدة لكبح تدفّق المعلومات، تسارع تطويرها بشكل ملحوظ منذ انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022. غير أنَّ هذا المنظور، الذي يفترض أنَّ النظام يكتفي بحرمان المجتمع من شيء ما، لا يُفسِّرُ الصورة كاملة. فالسؤال الأهم لم يعد ما الذي يُحجَب، بل ما الذي يُشَيَّد بديلًا من الإنترنت المفتوح، ولماذا تزداد الحاجة إليه الآن.
في جوهرها، تقوم استراتيجية البقاء لدى النظام على مزيجٍ من الإكراه وبثّ الخوف. وقد واجهت السلطات انتفاضات أعوام 2019 و2022 و2026 بحملات قمعٍ عسكري اتسمت بتصاعد واضح في مستوى العنف. وفي هذا السياق، لا تبدو السيطرة على المعلومات نقيضًا للقمع، بل امتدادًا له: فالمراقبة تُحدّد الأهداف، وقطع الإنترنت يحجب وقائع القتل، فيما تملأ الدعاية والتضليل الفراغ الناتج عن الصمت القسري. أما الوصول الانتقائي إلى الشبكة، فيُمنَح لمَن يُعَدُّون موالين وقادرين على خدمة خطاب السلطة. هكذا تتكامل هذه الأدوات ضمن منظومة واحدة، صُمِّمَت للتعامل مع أزمة متفاقمة تتمثل في تآكل الشرعية.
وقد عكست موجات الاحتجاج المتعاقبة هذا التآكل بوضوح متزايد، مع اتساع قاعدة المشاركين وتنوُّع مطالبهم. ففي عام 2019، قادت الفئات الأكثر تضرُّرًا اقتصاديًا، في المدن والأرياف، احتجاجات أشعلها ارتفاع أسعار الوقود وسوء الإدارة. أما انتفاضة 2022، فقد جمعت الطبقة الوسطى والطلاب والأقليات العرقية في تحالف عابر للطبقات، رفع شعار إنهاء النظام القائم. وفي 2026، اتسعت الدائرة أكثر، مع خروج ملايين الإيرانيين، بمَن فيهم التجار ورجال الأعمال، احتجاجًا على الانهيار الاقتصادي. وقد قوبلت هذه الموجة بقمع غير مسبوق، شمل اعتقال عشرات الآلاف وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وسط تقديرات تشير إلى حصيلة قد تبلغ 20 ألفًا وحتى 30 ألفًا. ومع كل جولة، كانت رقعة المعارضة تتسع، فيما تتقلص القاعدة الفعلية التي يستند إليها النظام.
تزامن تراجُع الدعم للجمهورية الإسلامية مع أزمةٍ خارجية وفّرت للنظام دوافع قوية لاستثمارها. ففي 28 شباط (فبراير) 2026، نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات مشتركة داخل إيران، بأهدافٍ تراوحت بين تقليص القدرات الصاروخية، وتفكيك البرنامج النووي، وصولًا إلى احتمال الدفع نحو تغيير النظام. وقد وضعت هذه التطوُّرات طهران أمام تحدٍ وجودي غير مسبوق منذ الحرب العراقية–الإيرانية. وبالنسبة إلى سلطةٍ تُواجه أصلًا أزمة شرعية عميقة، بدت هذه الضربات فرصة لإعادة تعبئة خطابها الإيديولوجي.
ينطلق هذا الخطاب من مَبدَإٍ راسخٍ في دستور الجمهورية الإسلامية، وتحديدًا في مادته 154، التي تنصُّ على دعم “نضالات المستضعفين ضد المستبدّين”. ووفق هذا التصوُّر، تُقدّمُ إيران نفسها بوصفها صوتًا للمظلومين في مواجهة الهيمنة الغربية. ومع تصاعُد الخسائر المدنية جرّاء الضربات، وجد النظام مادة دعائية ملموسة يخاطب بها الرأي العام الدولي، من الجاليات الإيرانية في الخارج إلى شبكات التضامن في دول الجنوب والتيارات المُناهضة للحرب. وفي هذا السياق، اتجهت البنية المعلوماتية التي بناها النظام لسنوات نحو الخارج، في لحظة تتزايد فيها رهاناته الإيديولوجية.
في الوقت نفسه، يتيح تعرّض إيران لهجماتٍ خارجية فعلية للنظام أن يُعيدَ تقديم نفسه في موقع الضحية، لا مجرّد سلطة قمعية في الداخل. وهنا تتضح ازدواجية الاستراتيجية: خارجيًا، تسعى طهران إلى ترسيخ سردية الاضطهاد وكسب التعاطف الدولي؛ وداخليًا، تملأ الفضاء الإعلامي بالدعاية، مستفيدة من إسكات الأصوات المعارضة.
بهذا المعنى، لم تُصَمَّم منظومة السيطرة على المعلومات لإخماد المعارضة فحسب، بل لصناعة انطباعٍ بوجود تأييد شعبي لم يَعُد قائمًا فعليًا. فمع كلِّ موجة احتجاج، انتقل مزيدٌ من الإيرانيين من حالة الخضوع إلى الفعل المعارض. وعندما تتحدث مهاجراني عن منح الاتصال لمن يستطيع “إيصال صوتنا إلى أبعد مدى”، فهي لا تعرض امتيازًا بقدر ما تطرح معادلة واضحة: اتصالٌ مقابل تضخيم الخطاب.
ليست المسألة، في جوهرها، مسألة رقابة تقنية، بل أزمة شرعية ممتدة منذ ما يقارب نصف قرن، تتخذ من بنية المعلومات أداتها الأساسية لإعادة إنتاج نفسها.
بُنية المعلومات الإيرانية: طبقة تلو الأخرى
يرتكز نظام السيطرة في إيران على المراقبة بوصفها نقطة الانطلاق. فقبل فرض القيود الانتقائية أو توزيع الوصول إلى الإنترنت وفق معايير الولاء، يعمل على تصنيف المجتمع: مَن يمتلك النفوذ، وما الشبكات التي ينتمي إليها، ومدى قدرته على إضفاء الشرعية على الدولة. وقد أُنشئت هذه البنية بدعم تقني كبير من شركات صينية مثل “هواوي” و”زد تي إي”، ما أتاح قدرات متقدمة في تحليل حركة البيانات واستخراج معلومات المستخدمين من المنصات الرقمية. لكن، كما تُوثّق أبحاث الأكاديمي “أفسانیه ريغوت” من مركز وعيادة قانون الإنترنت في كلية الحقوق بجامعة هارفارد، تبقى المراقبة على الأرض أقل دقة؛ إذ تعتمد على تفتيش الأجهزة بشكل روتيني عند الحواجز أو بعد الاعتقالات، بهدف محو مواد الاحتجاج، ورصد المواقف المعارضة، ومنع التعبئة قبل اتساعها. والنتيجة منظومة استخباراتية تُمكّن النظام من تحديد مواقع الضغط ومجالات منح الثقة بدقة محسوبة.
يُعدُّ قطع الإنترنت الأداة الأكثر حسمًا في ترسانة الدولة، ويُستخدم عند تصاعد التحدي الشعبي. فمنذ احتجاجات 2009، طوّرت إيران تدريجًا قدرتها على تقييد الشبكة، وصولًا إلى إغلاق شبه كامل عام 2019، حين عُزلت البلاد عن الإنترنت العالمي في خضم احتجاجات واسعة. وقدّرت تحقيقات صحافية عدد الضحايا بنحو 1500 قتيل، في حصيلة ظلّت موضع جدل بسبب التعتيم الذي حال دون توثيق الانتهاكات بدقة. وتكرر هذا النمط لاحقًا، وصولًا إلى العام 2026، حين نُفّذت أوسع حملة قمع تحت غطاء انقطاع شامل شمل الإنترنت وشبكات الهاتف، في مؤشر واضح إلى ما يعنيه الصمت المفروض: عنف يجري بعيدًا من الأنظار.
غير أنَّ الإغلاق لا يكتفي بإسكات الفضاء المعلوماتي، بل يخلق فراغًا تُسارِعُ الدولة إلى ملئه. فقد بلغت استراتيجيات إغراق المحتوى ذروتها خلال انتفاضة 2022، وتوسّعت بشكلٍ لافت مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي خلال حرب إيران وإسرائيل في حزيران (يونيو) 2025. وأظهرت أبحاث مشتركة كيف أسهم هذا النوع من المحتوى في رفع مستوى التضليل إلى حدود غير مسبوقة: مقاطع مفبركة توحي باحتجاجات مؤيدة لإسرائيل داخل طهران، وصور مزيفة لطائرات “أف-35” أُسقطت فوق إيران، عُرضت عبر الإعلام الرسمي لتكريس صورة الانتصار. وبين هذا وذاك، امتلأ الفضاء المعلوماتي بسيل متناقض من السرديات، جعل التمييز بين الواقع والزيف أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
لكن التضليل الإعلامي، بطبيعته، أداة عمياء لا تُميّز بين جمهور وآخر. أما الوسيلة الأكثر دقة، فتُعرف في الداخل الإيراني باسم “السايبريس” (Cyberis)، وهي شبكة حسابات يديرها النظام، تتسلل إلى فضاءات المعارضة عبر بناء مصداقية تدريجية، متقمّصة صفة أصوات معارضة موثوقة، قبل أن تُستخدم في اللحظات الحاسمة لتشويه المعلومات أو حرف مسارها.
في كانون الثاني (يناير) 2023، وبينما كان ناشطون يستعدون للتحرُّك لمنع تنفيذ حكمَي إعدام، نشر حساب معارض راسخ خبرًا زائفًا يفيد باغتيال قاضٍ إيراني بارز مرتبط بأحكام الإعدام. سرعان ما استحوذت الرواية على الاهتمام محليًا ودوليًا، فيما نُفذت الإعدامات بهدوء بعيدًا من الأنظار. وفي واقعة أحدث، نشرت حسابات تنتحل هوية معارضين محتوى احتجاجيًا مفبركًا، ثم استخدمته للتشكيك في صحة مقاطع حقيقية، مُروِّجةً لفكرة أنَّ التظاهرات نفسها مزيفة. في الحالتين، لم يكن الهدف إسكات المعارضة، بل التحدث بلسانها وتوجيه هذا الصوت ضدها.
ضمن هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته “عائد الكذب”: حين يُقوّض الإفراط المتعمد في التضليل ثقة الجمهور إلى حدّ يجعل أي رواية، حتى الصحيحة، موضع شك. وقد انعكس ذلك على النظام نفسه؛ فبعد سنوات من تلويث البيئة المعلوماتية، بات يواجه صعوبة في إقناع الجمهور بروايته، حتى عندما تتقاطع مع وقائع فعلية، كوقوع خسائر مدنية نتيجة ضربات خارجية.
ولمواجهة هذه المعضلة، طوّرت السلطات ما يُعرف ببنية “الشرائح البيضاء”، وهي آلية تمنح وصولًا غير مقيّد إلى الإنترنت لأفراد محددين قادرين على تجاوز أنظمة التصفية الوطنية. ورغم أنَّ هذه الممارسة تعود بأشكال مختلفة إلى ما قبل عقد، فإنها اكتسبت طابعًا رسميًا في تموز (يوليو) 2025 بقرار من المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني، قبل أن تتحوّلَ إلى فضيحةٍ علنية في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه، حين كشفت بيانات تحديد الموقع على منصة “إكس” ( X) استخدام شخصيات موالية للنظام اتصالًا مباشرًا من داخل إيران خلال فترات انقطاع الشبكة.
وأظهرت هذه الواقعة ما هو أبعد من مجرد نظام امتيازات، إذ بيّنت أن بعض الحسابات التي قُدّمت طويلًا كأصوات معارضة كانت في الواقع جزءًا من هذه المنظومة، تستفيد من وصولها الخاص للتأثير في السرديات الرقمية، مع الحفاظ على صورة الاضطهاد في العلن. وبينما كانت الخطابات الرسمية حتى منتصف 2025 تنفي وجود إنترنت متعدد المستويات وتؤكد الالتزام بـ”الإنترنت الحر”، جاء التراجع اللاحق من قبل مهاجراني في 10 آذار (مارس) ليكشف بوضوح التوجه الفعلي: ربط الوصول بالشبكة بوظيفة سياسية محددة، ومنحه حصريًا لمن يخدمون رواية الدولة.
ماذا يعني هذا بالنسبة إلى الاستجابة؟
تنطلق استجابات المجتمع الدولي لأزمة المعلومات في إيران من فرضية مشتركة مفادها أنَّ بيئة المعلومات كيان يجب حمايته أو استعادته. فمبادرات حرية الإنترنت تركّز على إعادة الاتصال للمستخدمين أثناء فترات الانقطاع، فيما تسعى أدوات الأمن الرقمي إلى حماية الأفراد من المراقبة ومصادرة الأجهزة. وتعمل جهات التحقق من المعلومات على كشف المحتوى المفبرك، بينما تضغط أطر مساءلة المنصات لفرض سياسات ووسوم على المحتوى المضلل. جميع هذه الجهود مشروعة ضمن سياقاتها، لكنها تقوم على تصور قاصر: التعامل مع البنية التحتية للاتصال (أي من يملك الإنترنت ومن يصل إليه) بوصفها مسألة منفصلة عن المحتوى (أي ما يُنشر ويُقال).
تصريح مهاجراني ينسف هذا الفصل. فحين يصبح الوصول إلى الإنترنت امتيازًا يُمنح لفئات محددة، فإنَّ القرار التقني حول “مَن يتّصل” يتحوّل مباشرة إلى قرار سياسي حول “مَن يتكلم” و”ماذا يُقال”. لم تعد سياسات المحتوى تقتصر على إدارة المنشورات أو حذفها، بل انتقلت إلى مستوى أسبق: التحكم في إمكانية الوصول نفسها. وبذلك، لم يعد الصراع يدور فقط حول حرية التعبير، بل حول الحق في امتلاك صوت من الأساس، وما يُبنى في ظل صمت الآخرين.
تقليديًا، يمنح الإنترنت الأرضي (القائم على البنية التحتية داخل حدود الدولة، مثل الكابلات ومراكز البيانات) الحكومات ما يُعرف بـ”نقطة الاختناق”، أي القدرة على التحكم الكامل في تدفق الاتصال. لكن بدائل مثل الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية تطرح إمكانية تجاوز هذه السيطرة. ومن هذا المنطلق، يسعى تحالف “Direct2Cell” إلى تمكين الاتصال المباشر عبر الأقمار الاصطناعية، بحيث لا يمر عبر الشبكات المحلية التي تسيطر عليها الدولة، ما يحدّ من قدرتها على فرض الوصول الانتقائي.
مع ذلك، فإنَّ كسر احتكار الدولة لا يعني بالضرورة تحقيق حرية الاتصال. فكما تُظهر التجارب الحديثة، يمكن أن تنتقل السيطرة من يد الدولة إلى شركات خاصة. على سبيل المثال، تعتمد خدمة “ستارلينك” على بنية تملكها شركة واحدة يمكنها تشغيل الخدمة أو إيقافها بقرار منفرد، كما إنَّ استخدامها داخل إيران يتطلب معدّات مُهرّبة (أطباق استقبال) قد تعرّض المستخدمين لمخاطر أمنية كبيرة في حال اكتشافها. لذلك، لا يكفي استبدال السيطرة الحكومية بسيطرة خاصة، بل يطرح ذلك الحاجة إلى نموذج حوكمة دولي ديموقراطي، يُعامل الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية كخدمة عامة عالمية تخضع للمساءلة أمام المستخدمين، لا الدول أو الشركات فقط.
في هذا السياق، أكّد بيان صادر في آذار (مارس) 2026 عن “التحالف الإيراني النسوي لحرية الإنترنت” —وهو مبادرة تدعو إلى ضمان وصول عادل وآمن للإنترنت شاركت في تأسيسه — أن إدارة هذا النوع من الاتصال ليست مسألة تقنية بحتة، بل شكل من أشكال إدارة الفضاء العام، ويجب أن تخضع لمساءلة ديموقراطية.
في المحصّلة، وبينما يسقط مدنيون إيرانيون جراء ضربات خارجية، وهي أحداثٌ لا يتحمّل النظام مسؤوليتها المباشرة، فإنَّ ما بناه خلال عقود هو القدرة على التحكُّم في كيفية رواية هذه الوقائع وتفسيرها. ويأتي تصريح مهاجراني ليكشف بوضوح وظيفة هذه البنية: فحاملو “الشرائح البيضاء” —أي بطاقات الاتصال التي تمنح وصولًا غير مقيّد للإنترنت— لا يُمنحون مجرد حق الاتصال، بل يُمنحون حق البث وتشكيل الرواية.
جاء ظهور عباس عراقجي على شاشة “سي بي أس” الأميركية تجسيدًا مباشرًا لهذه المنظومة. فبينما كان وزير الخارجية يخاطب جمهورًا دوليًا عبر تطبيق “زوم”، مستفيدًا من اتصالٍ مستقر وقدرة على الوصول، كان ملايين الإيرانيين عاجزين عن التواصل الآمن حتى مع عائلاتهم. لم يكن ذلك تناقضًا عابرًا، بل انعكاسًا دقيقًا لكيفية عمل البنية التي شيّدها النظام: الإنترنت ليس خدمة عامة، بل أداة انتقائية تُستَخدَم لنقل خطاب الدولة إلى الخارج — نحو الجاليات، ودول الجنوب العالمي، والرأي العام الدولي.
بهذا المعنى، لم يعد هدف السلطة حسم معركة السرديات داخل حدودها، بقدر ما أصبح تركيزها منصبًّا على كسبها في الفضاء الخارجي، حيث يمكن إعادة تشكيل الصورة وتحصيل الشرعية. ومن هنا، فإنَّ الأسئلة المتعلقة بما يُقال، ومن يُسمح له بالقول، ومن يُمنع في الوقت ذاته، لم تعد قضايا منفصلة بين “محتوى” و”اتصال”، بل أجزاء من منظومة واحدة تعمل بتكامل محسوب.
أيُّ مقاربة تفصل بين هذين المستويين ستظل متأخرة عن فهم الواقع. فالمسألة، في جوهرها، ليست أزمة محتوى يمكن تصحيحها، بل بنية تحتية تُدار سياسيًا. وإلى أن يُدرك المجتمع الدولي ذلك ويُسمّي المشكلة على حقيقتها، ستكون هذه المنظومة قد ترسخت بالكامل، قبل أن يبدأ النقاش الجدي حول كيفية مواجهتها.
- مهسا عَلِيمرداني هي المديرة المساعدة لبرنامج التهديدات والفرص التكنولوجية في منظمة “WITNESS“، وتقود العمل على كيفية إعادة تشكيل التقنيات الناشئة للحقيقة المرئية. وهي أيضًا باحثة دكتوراه في معهد أكسفورد للإنترنت حول ضوابط المعلومات في البيئات الاستبدادية، مستندة إلى أكثر من عقد من العمل عند تقاطع الحقوق الرقمية وتصميم التقنيات التي تحمي حقوق الإنسان وتخدم الفئات الأكثر ضعفًا.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.