الخليج يتراجع: كيف تُعيدُ الحربُ الإيرانية تَشكيلَ المنطقة نحو مزيدٍ من العُزلة والصراعات
مع اتساع رقعة الحرب الإيرانية، يتجه الخليج من موقع الفاعل الإقليمي إلى موقع الدفاع والانكفاء. وبين تصاعد التهديدات الأمنية وتآكل فرص التعاون، تتشكل بيئة جديدة أكثر عزلة وتوترًا تُعيدُ المنطقة إلى منطق الصراع بدل الشراكة.

عمرو حمزاوي*
في أعقاب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 شباط (فبراير) الفائت، دخل الشرق الأوسط مرحلة تصعيدٍ نوعي يعكس تحوُّلًا لافتًا في السلوك الاستراتيجي لطهران. فطوال سنواتٍ، اعتمدت إيران نهج “الحرب المُدارة”، مُستندةً إلى أدواتٍ غير مباشرة تمثّلت في الوكلاء الإقليميين، والضربات المحدودة، والعمليات المحسوبة التي تُحقّقُ الردع من دون الانزلاق إلى مواجهةٍ شاملة. غير أنَّ هذا النموذج يبدو اليوم في طور التفكُّك؛ إذ انتقلت طهران من سياسة الاحتواء المدروس إلى توسيع نطاق الاشتباك، عبر استهدافٍ مباشر ومُتكرِّر للبُنى التحتية الحيوية في دول الخليج، في خطوةٍ تعكس استعدادًا لتغيير قواعد اللعبة الإقليمية.
وتؤكد الوقائع الميدانية حجم هذا التحول. ففي الأسبوعَين الأوَّلَين من المواجهة، أعلنت دولة الإمارات رصد موجات كثيفة من الهجمات شملت مئات الصواريخ الباليستية وأكثر من 1600 طائرة مسيّرة. ورغم كفاءة أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض النسبة الأكبر، فإنَّ اختراق جُزءٍ محدود منها كان كافيًا لإحداث خسائر بشرية وأضرار في منشآتٍ حيوية. ولم تكن السعودية بمنأى عن هذا التصعيد، إذ طالت الهجمات منشآت نفطية ومراكز اقتصادية حساسة، ما وضع أمن الطاقة في دائرة الخطر المباشر. كما امتدَّ نطاق الاستهداف إلى سلطنة عُمان، التي طالما حافظت على موقع الوسيط المحايد، حيث تعرَّضت موانئها ومدنها الساحلية لضربات مشابهة. ومع ورود تقارير عن حوادث مماثلة في البحرين والكويت وقطر، يتضح أنَّ رقعة الصراع لم تعد محصورة، بل باتت تشمل الخليج بأكمله، في مؤشّرٍ إلى مرحلةٍ إقليمية أكثر هشاشةً وتعقيدًا.
يُفضي قرار طهران بتوسيع نطاق الاستهداف ليشمل مواقع سياسية واقتصادية في دول الخليج إلى خلق بيئة جيوسياسية غير مسبوقة منذ عقود. فهذه الهجمات لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد حلقة جديدة في سلسلة التصعيد الإقليمي، بل هي مؤشّر واضح إلى تحوّل بنيوي في منظومة الأمن الإقليمي. وفي ظل هذا المسار، تبدو فرص بناء نظام مستقر قائم على الحوار والديبلوماسية متعددة الأطراف والأمن الجماعي أكثر هشاشة من أيِّ وقت مضى، مع عودة منطق الصراع وانعدام الثقة ليهيمن على المشهد. وإذا ما استمر النظام الإيراني قائمًا في المدى المنظور، فمن المرجح أن تترك هذه التحوُّلات أثرًا عميقًا على بنية العلاقات الأمنية في الشرق الأوسط، وأن تعيد رسم خريطته الجيوسياسية لسنوات طويلة.
صديق وعدو
قبيل اندلاع المواجهة الحالية، كانت العلاقات بين إيران ودول الخليج تتجه نحو قدرٍ من التقارب والانفراج الحذر. وعلى مدى العقد الماضي، انخرطت عواصم الخليج في مساعٍ تدريجية لاحتواء التوتر مع طهران عبر قنوات ديبلوماسية وتفاهمات اقتصادية محدودة. وشمل ذلك محاولات خفض التصعيد بين إيران والسعودية في سياق الحرب اليمنية خلال العامين 2022 و2023، إضافة إلى موجة تقارب نسبي أعقبت حرب غزة، تُرجمت بإعادة فتح السفارات واستئناف قنوات الاتصال، والسعي إلى تعاون محدود في ملفات مثل الأمن البحري والتجارة. وقد انطلقت هذه المقاربة من منطق براغماتي واضح: تقليل الاحتكاك مع إيران بما يضمن استقرار الإقليم، ويحمي تدفقات الطاقة، ويمنح دول الخليج مساحة أوسع للتركيز على أولويات التنمية والتنويع الاقتصادي.
غير أنَّ هذا المسار سرعان ما انهار مع اندلاع الحرب وتوسُّع الهجمات الإيرانية لتطال دول الخليج مباشرة. فباستهدافها الأراضي والمنشآت الحيوية والمراكز الاقتصادية، انتقلت طهران من كونها خصمًا إقليميًا يمكن احتواؤه إلى تهديدٍ مباشر للأمن القومي الخليجي. ويترتب على هذا التحوُّل انعكاسات سياسية عميقة؛ إذ لم تعد الحكومات الخليجية ترى في الحوار مع إيران خيارًا قابلًا للدفاع عنه داخليًا أو إقليميًا. بل يُرجَّح أن تتجه نحو تبنّي مقاربة أكثر صرامة ترتكز على الردع والاحتواء، مع تركيزٍ خاص على تحجيم القدرات العسكرية الإيرانية، والتصدّي لتهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتعزيز اتفاقيات الدفاع الثنائية مع الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، تتراجع تدريجًا فكرة إدماج إيران ضمن نظام إقليمي قائم على الأطر متعددة الأطراف، لصالح مقاربة أمنية أكثر تقليدية تقوم على موازين القوة.
وفي موازاة ذلك، يُتَوَقَّع أن يدفع التصعيد الإيراني دول الخليج إلى إعادة صياغة عقائدها الأمنية الوطنية، بما يعزز من مركزية التحالف مع الولايات المتحدة. فرُغمَ محاولات السنوات الأخيرة لتنويع الشراكات الدولية وتقليل الاعتماد على واشنطن، عبر توسيع العلاقات مع قوى صاعدة مثل الصين وروسيا، فإنَّ البيئة الأمنية الجديدة قد تُعيد الاعتبار للدور الأميركي كضامنٍ رئيس للأمن الإقليمي. فقد لعبت بكين دور الوسيط بين طهران والرياض في ملفات التهدئة، فيما سعت موسكو إلى تعزيز حضورها عبر صفقات السلاح والتعاون الاقتصادي. إلّا أنَّ هذه الاستراتيجية التنويعية كانت مدفوعة جُزئيًا بتزايد الشكوك حول التزام الولايات المتحدة بأمن المنطقة، في ظلِّ تراجع انخراطها المباشر خلال السنوات الماضية—وهي معادلة قد تعاد صياغتها اليوم تحت ضغط التهديدات المتصاعدة.
غير أنَّ الأزمة الراهنة تُعيدُ صياغة هذه الحسابات الاستراتيجية بوتيرةٍ مُتسارعة. ففي ظلِّ الهجمات الإيرانية المتواصلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، تتكشّف حدود القدرات الدفاعية الوطنية لدول الخليج، حتى لدى القوى العسكرية الأكثر تسليحًا مثل السعودية والإمارات. فالحفاظ على منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات، وشبكات إنذار مبكر متقدّمة، وبنية لوجستية قادرة على مواجهة هجمات جوية كثيفة ومستمرة، يتجاوز الإمكانات الذاتية لأيِّ دولة بمفردها. ونتيجة لذلك، يتعمّق اعتماد هذه الدول على المظلة الأمنية الأميركية، سواء عبر أنظمة الدفاع الجوي المتطورة، أو تبادل المعلومات الاستخباراتية، أو الوجود العسكري المباشر في المنطقة.
ويُعيد هذا الواقع ترسيخ دور الولايات المتحدة بوصفها الضامن الرئيسي لأمن الخليج. صحيح أنَّ دول المنطقة ستواصل تنويع علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع قوى مثل الصين وروسيا، إلّا أنَّ الاعتبارات الأمنية تفرض واقعًا مختلفًا، يجعل من واشنطن الشريك الأكثر موثوقية في مواجهة التهديدات المباشرة. وفي هذا السياق، تبدو محاولات تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة أقل واقعية، بل إنَّ المفارقة تكمن في أنَّ التصعيد الإيراني قد يسهم فعليًا في تعزيز الحضور الأميركي في المنطقة، على عكس ما سعت إليه طهران لعقود.
ارتفاع التكاليف
حتى مع استمرار الدعم الأميركي، تتصاعد كلفة الأمن في الشرق الأوسط بشكلٍ ملحوظ، مع تداعيات تمتد إلى ما هو أبعد من حدود الإقليم. فالهجمات الإيرانية على البنية التحتية في الخليج لا تقتصر على بُعدِها العسكري، بل تضرب في صميم نظام الطاقة العالمي. إذ تحتضن المنطقة واحدة من أهم شبكات إنتاج وتصدير النفط والغاز في العالم، إلى جانب ممرات شحن حيوية تُعد شرايين للاقتصاد الدولي. ويبرز مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يوميًا، كنقطة اختناق استراتيجية شديدة الحساسية، ما يجعل أي تهديد له عامل اضطراب مباشر للأسواق العالمية.
وفي هذا الإطار، يتزايد القلق من احتمال سعي إيران إلى فرض سيطرة عسكرية على المضيق، أو الاستمرار في استهداف منشآت الطاقة والموانئ والسفن التجارية، بما يكرّس حالة من عدم الاستقرار المزمن. وحتى الاضطرابات المحدودة في الإنتاج أو النقل كفيلة بإحداث صدمات في أسواق الطاقة ورفع مستويات التضخم عالميًا. وقد بدأت هذه التأثيرات الظهور بالفعل؛ إذ شهدت أسعار النفط العالمية ارتفاعًا بنحو 40% منذ اندلاع الحرب، وقامت وكالة الطاقة الدولية بضخّ 400 مليون برميل من احتياطياتها النفطية في محاولةٍ لموازنة هذا الارتفاع الحاد واحتواء التقلّبات.
في المقابل، لا تقتصر التداعيات الاقتصادية على الأسواق العالمية، بل تمتد إلى دول الخليج نفسها. فارتفاع أسعار الطاقة قد يوفّر مكاسب مالية قصيرة الأمد، لكنه يترافق مع مخاطر طويلة الأجل، أبرزها تراجع ثقة المستثمرين وتهديد مشاريع التنويع الاقتصادي. فقد استثمرت دول الخليج خلال العقد الماضي في قطاعات بديلة مثل السياحة والخدمات اللوجستية والأسواق المالية والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، بهدف تقليل الاعتماد على النفط. غير أن نجاح هذه الاستراتيجيات يرتبط بشكل وثيق باستقرار البيئة الإقليمية. ومن شأن استمرار التوترات أو اندلاع صراع ممتد أن يُقوّض هذه الجهود، ويضع طموحات التحول الاقتصادي أمام اختبار صعب.
علاوة على ذلك، يُرجَّح أن يدفع تصعيد الحرب حكومات الخليج إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية، عبر تخصيص حصص أكبر من ميزانياتها للإنفاق الدفاعي—وهو توجُّه قد يستمر حتى بعد انحسار العمليات العسكرية المباشرة. وفي هذا السياق، ستتحوّل موارد كانت موجَّهة سابقًا نحو التنمية الاقتصادية والتكنولوجية، والبرامج الاجتماعية، وتطوير البنية التحتية، إلى تمويل منظومات الدفاع الصاروخي، وصفقات التسليح، وتعزيز الشراكات الأمنية. ومع مرور الوقت، قد يُفضي هذا التحوّل إلى إعادة صياغة الأولويات الاقتصادية الداخلية، بما يحدّ من زخم استراتيجيات التنويع التي تُركِّز على تحسين جودة الحياة وتعزيز رفاهية المواطنين والمقيمين. كما قد يفرض هذا المسار ضغوطًا إضافية على مجتمعات لم تختبر تاريخيًا فترات طويلة من التوترات الاقتصادية أو الاجتماعية الممتدة.
وفي موازاة ذلك، يبرز مفهوم الأمن الجماعي كأحد أبرز ضحايا انخراط الخليج في هذا الصراع. ففكرة الأمن الجماعي تقوم أساسًا على تعزيز التعاون بين الدول انطلاقًا من المصالح المشتركة، وبناء الثقة المتبادلة، وتطوير آليات مؤسسية لإدارة النزاعات. ورغم أنَّ الشرق الأوسط عانى طويلًا من غياب مثل هذه الأطر، بفعل الحروب المتكررة والصراعات المزمنة، فإنَّ السنوات الأخيرة شهدت محاولات متقطعة لإحياء مسارات الحوار الإقليمي، وتعزيز الترتيبات الأمنية التعاونية، والانخراط في ديبلوماسية متعددة الأطراف. وقد لعبت دول مثل قطر والسعودية والإمارات أدوارًا ملحوظة في جهود تهدئة الأزمات، سواء في غزة أو في احتواء التوترات الإقليمية الأوسع.
غير أنَّ الهجمات الإيرانية المباشرة على دول الخليج تقوّض بشكل حاد الأسس التي يقوم عليها أي مشروع للأمن الجماعي. فالثقة—وهي الركيزة الأساسية لأيِّ تعاونٍ مُتعدد الأطراف—تتآكل بسرعة في ظلِّ سعي هذه الدول إلى حماية أراضيها من تهديدات مباشرة. وفي ظل هذا الواقع، تميل الدول التي تواجه مخاطر أمنية فورية إلى إعطاء الأولوية للترتيبات الدفاعية الثنائية والتحالفات الخارجية، وعلى رأسها الشراكة مع الولايات المتحدة، بدلًا من الاستثمار في أطر إقليمية أوسع. وبدلًا من توجيه رأس المال السياسي نحو بناء مؤسسات جماعية قادرة على إدارة التوترات، يُرجَّح أن تنصرّف حكومات الخليج إلى تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية وترسيخ منظومات الردع، ما يدفع بالمنطقة نحو مزيد من الانكفاء الوطني.
ولا يشير التاريخ الإقليمي إلى أنَّ التهديدات المشتركة تقود بالضرورة إلى تقارب خليجي فعّال، بل على العكس، غالبًا ما تكشف عن عمق التباينات بين دوله. ففي أعقاب غزو الكويت عام 1990، ورُغمَ تعاظم التعاون مع الولايات المتحدة في مجالات الدفاع والردع، لم تنجح دول الخليج في بناء منظومة أمنية جماعية متماسكة. كما إنَّ الخلافات البينية ظلت عاملًا مُعيقًا؛ إذ شهدت المنطقة أزمات حادة، مثل الأزمة الخليجية عام 2017 التي فرضت خلالها السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصارًا على قطر، واستمرت تداعياتها حتى العام 2021. كما برزت توترات أخرى، من بينها التباين بين السعودية والإمارات في الملف اليمني، والذي انعكس في اشتباكات غير مباشرة بين فصائل محلية مدعومة من الطرفين.
ويحمل هذا التراجع عن مفهوم الأمن الجماعي تداعيات استراتيجية طويلة الأمد. ففي غياب آليات إقليمية فعالة للحوار وإدارة الأزمات، تتزايد احتمالات سوء الفهم وسوء التقدير بين الدول، ما قد يؤدي إلى تصعيد سريع وغير محسوب للأزمات. ومع غياب قنوات مؤسسية موثوقة لاحتواء النزاعات، تصبح المنطقة أكثر عُرضةً لدورات متكررة من التوتر والمواجهات المفتوحة، في بيئة إقليمية تتسم أصلًا بدرجة عالية من الهشاشة وعدم اليقين.
خطوتان إلى الوراء
تكشف الهجمات الإيرانية المتصاعدة عن مقاربة تتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية، لتلامس أبعادًا اقتصادية ومجتمعية أوسع. فاختيار طهران لأهدافها داخل دول الخليج—من بنى تحتية مدنية ومنشآت اقتصادية ومراكز إنتاج الطاقة—يوحي بمحاولة ممنهجة لفرض ضغوط تراكمية على الدول والمجتمعات على حد سواء. ومن خلال استهداف الموانئ ومستودعات النفط والبنية التحتية الحيوية، تسعى إيران إلى إحداث اضطراب اقتصادي واسع، وزعزعة الثقة في الاستقرار الإقليمي، بما قد ينعكس تباطؤًا في النمو وتصاعدًا في القلق السياسي.
وفي هذا السياق، يُرجَّح أن تراهن طهران على أنَّ استمرار هذه الهجمات سيؤدي إلى رفع كلفة الصراع على دول الخليج، بما يدفعها للضغط على واشنطن من أجل تسريع التوصل إلى تسوية ديبلوماسية. وبعبارة أخرى، قد ترى إيران في تعميم تداعيات الحرب إقليميًا وسيلة لتقصير أمدها. غير أنَّ هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر عكسية كبيرة. فبدلًا من إحداث فجوة بين الخليج والولايات المتحدة، يُتوقع أن تؤدي التهديدات المباشرة إلى تعزيز اعتماد دول الخليج على المظلة الأمنية الأميركية. وهكذا، قد تفضي تحركات طهران إلى نتيجة معاكسة لما تسعى إليه، عبر ترسيخ التحالفات الأمنية القائمة بدل تقويضها، وتسريع وتيرة عزلتها الإقليمية. كما إنَّ القنوات الاقتصادية والديبلوماسية التي كانت تُستخدم لاحتواء التوتر مرشَّحة للتآكل، لتحل محلها مقاربات أكثر صرامة تقوم على الردع والاحتواء.
في المحصلة، يبدو أنَّ الشرق الأوسط يتجه نحو الخروج من مرحلة خفض التصعيد الحذر التي طبعت السنوات الأخيرة، والتي اتسمت بتنامي الديبلوماسية متعددة الأطراف ومحاولات بناء أطر أمنية جماعية. وبدلًا من ذلك، تتبلور ملامح بيئة جيوسياسية أكثر حدّة، عنوانها تصاعد التنافس العسكري، وتكثيف التحالفات، وتراجع فرص التوافق الديبلوماسي بين إيران ودول الخليج. وفي هذا السياق، تلوح في الأفق ملامح عودة إلى أنماط سابقة من السياسة الإقليمية، حيث تهيمن معضلات الأمن على حساب التعاون، وتصبح إدارة الأزمات أكثر تعقيدًا.
وما لم ينجح مسار ديبلوماسي فاعل في كبح هذا التصعيد، فإن المنطقة—وخصوصًا الخليج—مرشحة للدخول في مرحلة ممتدة من عدم الاستقرار، تتسم بتكرار المواجهات العسكرية، وارتفاع مستويات عدم اليقين الاقتصادي، وتآكل فرص بناء منظومات تعاون إقليمي مستدامة. في هذا المشهد، لا يبدو أن عقارب الساعة تتقدم بقدر ما تعود إلى الخلف، في إعادة إنتاج لدورات التوتر التي لطالما طبعت تاريخ المنطقة.
- عمرو حمزاوي هو زميل أول ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.