من الغموضِ إلى المَصيَدة: باكستان في مأزقِ الالتِزامِ مع السعودية

وجدت باكستان نفسها في قلبِ معادلةٍ إقليمية معقّدة بعدما تحوّل الغموض المقصود في اتفاقها الدفاعي مع السعودية إلى التزامٍ علني يصعب التراجُع عنه. وبين ضغوطِ الرياض وحسابات طهران واضطراب الداخل، تدخل إسلام آباد واحدة من أدقِّ لحظات توازنها الإستراتيجي.

الأمير محمد بن سلمان يستقبل رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في الرياض، 17 أيلول/سبتمبر 2025.

ألبِرت وولف*

ترتبط مصداقية الدول إلى حدٍّ كبير بمدى مصداقية التزاماتها الدفاعية والاتفاقيات التي تُوَقّعها مع شركائها. وفي هذا السياق جاء تحذير وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار لطهران من استهداف المملكة العربية السعودية، في تصريحٍ أدلى به للصحافيين في 3 آذار (مارس) 2026، مُستندًا إلى اتفاقية الدفاع المشترك التي وقّعتها باكستان مع الرياض قبل ستة أشهر فقط. لم يكن هذا التحذير دعوة إلى التصعيد أو محاولة لإشعال مواجهة إقليمية، بقدر ما كان رسالة ردع تهدف إلى التأكيد على أنَّ هذه الالتزامات ليست مجرّد نصوصٍ على الورق، وأن اختبارها قد يفتح الباب أمام تداعياتٍ أوسع.

ومن خلال هذا الموقف العلني، بدا أنَّ الوزير “دار” يسعى إلى ترسيخ صدقية الالتزام الباكستاني، وربما أيضًا إلى دفع أطراف أخرى لتحمُّل عبء اختبار تلك التعهدات بدلًا من بلاده. ولتفسير هذا النوع من التصريحات، يستحضر علماء العلاقات الدولية مفهوم “تكاليف الجماهير السياسية”  (Audience Costs)، الذي يشير إلى الكلفة السياسية التي قد يتكبّدها القادة داخليًا وخارجيًا إذا تراجعوا عن تهديدات أو تعهّدات أعلنوا عنها علنًا. وقد طوّر هذا المفهوم في الأصل توماس شيلينغ، قبل أن يعيد جيمس فيرون صياغته بصورةٍ منهجية في أدبيات العلاقات الدولية. وتقوم فكرته الأساسية على منطقٍ بسيط: كلما كان الالتزام العلني أقوى وأكثر وضوحًا، ارتفعت كلفة التراجع عنه، ما يُعزّزُ صدقية الردع. ولهذا يلجأ القادة غالبًا إلى الإدلاء بتصريحاتٍ علنية، وخصوصًا أمام وسائل الإعلام، لخلق هذا النوع من “التكاليف” وإقناع الخصوم بأنَّ تهديداتهم أو تعهّداتهم جدّية.

في هذا الإطار يُمكنُ قراءة تصريح الوزير “دار” بوصفه إشارةً ردعية نموذجية. فباستدعائه علنًا اتفاقية الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية، والتي تنص على أنَّ “أيَّ اعتداءٍ على أيٍّ من البلدين يُعَدُّ اعتداءً عليهما معًا”، حَوّلَ اتفاقًا يحمل في طبيعته قدرًا من الغموض المُتعمَّد إلى التزامٍ علني أكثر وضوحًا. غير أنَّ هذا الموقف يضع إسلام آباد في مواجهة معادلة معقدة من “تكاليف الجماهير” تمتدُّ عبر ثلاث دوائر في آنٍ واحد. فمن جهة، تراقب الرياض عن كثب مدى استعداد شريكها النووي لترجمة تصريحاته إلى موقفٍ عملي. ومن جهةٍ أخرى، تُدرك طهران التي تربطها علاقات معقّدة مع باكستان أنَّ التصريحات الإعلامية وحدها قد لا تُشكّلُ رادعًا حقيقيًا. أما داخليًا، فتواجه الحكومة الباكستانية حساسية خاصة في ظلِّ وجود ما يقرب من أربعين مليون مواطن شيعي يتابعون بقلق التطوّرات المرتبطة بالضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران. وهكذا تجد باكستان نفسها أمام وضعٍ سياسي شديد التعقيد، لا يشبه مجرّد ضغط مزدوج، بل أقرب إلى معادلة متشابكة تشبه ما يُعرف في الفيزياء بـ”مشكلة الأجسام الثلاثة”.

الغموض البنّاء في الاتفاق الدفاعي

لفهم حساسية تصريح وزير الخارجية الباكستاني، لا بُدَّ من النظر إليه بوصفه سيفًا ذا حدّين: فهو لا يُوجِّه رسالةَ ردعٍ إلى طهران فحسب، بل يضع إسلام آباد نفسها أمام اختبارٍ صعب لصدقية التزاماتها. ويبدأ هذا الفهم من طبيعة اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها باكستان مع السعودية، وهي اتفاقية صيغت منذ البداية بقدرٍ متعمَّد من الغموض. فقد حرص المسؤولون في البلدين على توصيف بنودها بطريقةٍ غير تفصيلية، تسمح بهامشٍ واسع من التأويل السياسي. وكما أشار جوشوا وايت من معهد بروكينغز في حديث لصحيفة “فايننشال تايمز”، فإنَّ “الردع لا يتحقّق من دون قدرٍ من الغموض البنّاء”.

غير أنَّ بعضَ التفسيرات التي رافقت الاتفاق ذهبَ أبعد من هذا الغموض المقصود. فقد قال علي شهابي، وهو محلل سياسي سعودي مقرّب من الديوان الملكي، إنَّ الاتفاق “يضع السعودية تحت المظلّة النووية الباكستانية في حال وقوع هجوم”. وبدا أنَّ وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف يلمّح إلى المعنى ذاته عندما صرّح بأنَّ قدرات بلاده “ستكون مُتاحة للسعودية وفقاً لهذا الاتفاق”. غير أنه سرعان ما تراجع عن هذا التصريح في اليوم التالي خلال حديث مع وكالة “رويترز”، في خطوةٍ تعكس حجم الحساسية المحيطة بهذا الملف.

هذا التباين في التصريحات لم يكن مجرّد ارتباكٍ ديبلوماسي عابر، بل يعكس المعضلة البنيوية التي تواجهها إسلام آباد. فالاتفاق صُمِّمَ أصلًا ليبقى في مساحةٍ رمادية تسمح للطرفين بالحفاظ على مرونةٍ سياسية واسعة، لكن تصريح إسحاق دار العلني بدّدَ جُزءًا من هذا الغموض في مؤتمر صحافي واحد، واضعًا الاتفاق في دائرة اختبارٍ علني.

شراكة استراتيجية… وحدود واضحة

وإذا ما نُظر إلى هذا التطوُّر في سياقه الأوسع، يتّضح أنه لا يُمثّلُ استثناءً بقدر ما يعكس نمطًا متجذّرًا في العلاقات الباكستانية-السعودية. فهذه العلاقة تُعَدُّ من أكثر العلاقات القائمة على المصالح الاستراتيجية المتبادلة داخل العالم الإسلامي، وقد تشكّلت على مدى عقود من خلال شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية. ففي العام 1998، عندما قررت حكومة رئيس الوزراء الباكستاني آنذاك نواز شريف إجراء تجاربها النووية في مواجهة عقوبات غربية متوقعة، قدمت السعودية دعمًا اقتصاديًا مهمًّا تمثل في تزويد باكستان بنحو خمسين ألف برميل من النفط يوميًا مجانًا للتخفيف من آثار العقوبات. وفي ثمانينيات القرن الماضي، نشرت باكستان قوات عسكرية للمساعدة في حماية الحدود الشمالية للسعودية خلال الحرب الإيرانية-العراقية. كما يتولى قائد سابق للجيش الباكستاني اليوم دورًا قياديًا في التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب الذي تقوده الرياض.

مع ذلك، فإنَّ لهذه العلاقة حدودًا واضحة. فقد ظهر ذلك بوضوح عام 2015 عندما أطلقت السعودية والإمارات حملة جوية ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. آنذاك صوّت البرلمان الباكستاني ضد مشاركة بلاده في العمليات العسكرية، في خطوةٍ عكست حرص إسلام آباد على تجنُّب الانخراط المباشر في صراعٍ إقليمي مُعقد. وقد أثار هذا القرار ردود فعل حادة في الخليج، إذ صرّح ديبلوماسي إماراتي بارز آنذاك بأنَّ طهران “تبدو أكثر أهمية لإسلام آباد من الدول الخليجية”، رُغم “الدعم المالي الحتمي” الذي قدمته الرياض وأبو ظبي لباكستان.

ورُغم هذه التوترات، نجحت إسلام آباد في امتصاص الانتقادات والحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الإقليمية، فحافظت على علاقاتها الوثيقة مع السعودية من جهة، وعلى هدوء حدودها الغربية مع إيران من جهة أخرى. وتكشف تجربة اليمن بوضوح المنطق الذي حكم سلوك باكستان في هذا السياق: فهي تميلُ إلى إظهار التضامن مع الرياض عندما يكون التهديد بعيدًا والكلفة السياسية والعسكرية محدودة، لكنها تتراجع عندما تزداد الكلفة أو يصبح الخطر أقرب إلى حدودها المباشرة.

غير أنَّ الظروف الحالية تبدو مختلفة إلى حدٍّ كبير، إذ ارتفعت كلفة هذا التوازن إلى مستوياتٍ غير مسبوقة.

ثلاثة ضغوط تحاصر باكستان

تدخل باكستان هذه الأزمة وهي مُحاطة بتحديات متعددة من دون أن تمتلك رفاهية التوازن الاستراتيجي الذي اعتمدته في أزمات سابقة. فالجيش الباكستاني مُنخرط منذ 27 شباط (فبراير) 2026 في عمليةٍ عسكرية واسعة في شمال غرب البلاد تحت اسم “غضبٌ للحق” ضد حركة طالبان الأفغانية، وهي مواجهة مفتوحة لا تلوح لها نهاية قريبة وتستنزف قدرًا كبيرًا من الموارد العسكرية والأمنية للدولة. وفي الوقت نفسه، تمتد الحدود البلوشية مع إيران لمسافة تقارب 560 ميلًا غربًا، وهي حدود أُديرت طوال سنوات وفق تفاهم غير معلن يقوم على مبدَإِ “عِش ودع غيرك يعيش”، مدعومًا بدرجة من الردع المتبادل. غير أنَّ هذا التوازن الهشّ بات الآن مُثقلًا بعوامل جديدة، أبرزها الرمزية السياسية لمقتل المرشد الأعلى الإيراني، إضافةً إلى توتر الشارع الباكستاني الذي شهد بالفعل موجات من العنف.

في هذا السياق، يمكن القول إنَّ المعادلة التي سمحت لباكستان في السابق بالمناورة عبر ما يُعرف بـ”تكاليف الجماهير” قد بدأت تتفكك. فعندما قُتل الأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله في أيلول (سبتمبر) 2024، استطاعت الدولة الباكستانية احتواء الغضب الداخلي عبر مزيجٍ من الاحتجاجات الرمزية والخطاب السياسي الموجّه بعناية، ما وفّر مُتنَفَّسًا للشارع من دون أن تتطوّر الأحداث إلى مواجهات دامية أمام القنصلية الأميركية. وفي تلك اللحظة نفسها حصلت إسلام آباد على برنامج الإنقاذ الرابع والعشرين من صندوق النقد الدولي، وهو تسهيل ائتماني ممدّد بقيمة سبعة مليارات دولار عزز ارتباط الاقتصاد الباكستاني بالدائنين الدوليين الذين لا يرغبون في رؤية إسلام آباد تنخرط في مغامرات إقليمية مُكلفة.

غير أنَّ التطوّرات الأخيرة تشير إلى أنَّ هذه الأدوات لم تَعُد بالفاعلية ذاتها. فمقتل 22 محتجًّا أمام القنصلية الأميركية في كراتشي في الأول من آذار (مارس) 2026 يعكس تحوُّلًا نوعيًا في المزاج الشعبي، إذ لم يقتصر الغضب هذه المرة على التعبير الرمزي، بل انتقل إلى استهداف منشآتٍ ديبلوماسية حساسة داخل الأراضي الباكستانية. ومع تصاعد هذه الضغوط، تبدو قدرة الدولة على لعب دور الوسيط المحايد في الإقليم أكثر هشاشة، إن لم تكن متصدّعة بالفعل.

هنا تتجلّى “مصيدة الالتزام” في أكثر صورها حدّة. فتصريح وزير الخارجية الباكستاني كان يهدف في الأصل إلى رفع كلفة أيِّ هجوم إيراني محتمل على السعودية، لكنه في المقابل رفع أيضاً كلفة تراجع باكستان عن التزاماتها إلى مستوى قد يصعب على إسلام آباد تحمّله. فإذا التزمت باكستان بالاتفاق واتجهت نحو تضامن عسكري مع الرياض، فإنها تخاطر بدفع إيران إلى التخلي عن حالة “الصمت الصاروخي” غير المعلنة التي حافظت على استقرار الحدود الغربية منذ تبادل الضربات الصاروخية بين البلدين في كانون الثاني (يناير) 2024، وهي أزمة احتواها الطرفان سريعًا خلال 72 ساعة لأنَّ كليهما لم يكن راغبًا في جذب تدقيق دولي إلى برامجه النووية والصاروخية. كما قد يمنح هذا السيناريو حركة طالبان الأفغانية، التي أعلنت استعدادها للتعاون مع إيران ضد ما تصفه بالعدوان الأميركي، حافزًا لفتح جبهة ثانية ضد إسلام آباد.

أما إذا اختارت باكستان التزام الصمت أو التراجع عن موقفها، فإنها عمليًا تقوّض مصداقية الاتفاق الدفاعي مع السعودية، وهو ما قد يُضعف قوة الردع التي صُمم الاتفاق لتحقيقها. وفي هذه الحالة قد تواجه إسلام آباد انتقادات حادة من الرياض، وربما ضغوطًا تمسُّ أحد أهم شرايينها الاقتصادية، المتمثل في إعادة جدولة الديون السعودية وتحويلات العمالة الباكستانية في الخليج. فهناك أكثر من أربعة ملايين باكستاني يعملون في دول الخليج، وتشكّل تحويلاتهم المالية ركيزة أساسية للاقتصاد الباكستاني. وقد قُتل أحد هؤلاء العمال بالفعل في هجوم صاروخي إيراني على أبوظبي في اليوم الأول من اندلاع الحرب، ما يضيف بُعدًا إنسانيًا حساسًا إلى الأزمة. وحتى إذا حاولت إسلام آباد السير في المسار الضيق بين هذه الضغوط المتعارضة، فإنها تخاطر بألّا ترضي أيَّ طرف، في وقت يتصاعد ضغط الشارع الداخلي وتترقب حركة طالبان أيَّ فرصة لاستغلال الوضع.

اللافت أنَّ هذا السيناريو كان قد حذّر منه مبكرًا بعض الخبراء الباكستانيين. ففي أيلول (سبتمبر) 2025، عند توقيع الاتفاق الدفاعي بين باكستان والسعودية، نبّه فيروز خان، العميد المتقاعد في الجيش الباكستاني وأستاذ الدراسات الاستراتيجية في مدرسة الدراسات العليا البحرية، إلى المخاطر الكامنة في مثل هذا الالتزام. فقد قال آنذاك إنَّ باكستان “ستحتاج إلى قدرٍ كبير من الحذر كي لا تُربك موقعها الجيوسياسي الدقيق بين الصين وإيران والسعودية والولايات المتحدة”. وأضاف أنَّ الاتفاق قد يتحوّل إلى خطَإٍ استراتيجي إذا أدى إلى تقارب أكبر بين الهند وإسرائيل، أو إلى فرض عقوبات إضافية على برنامج الصواريخ الباليستية الباكستاني، أو إلى تعزيز جهود نيودلهي لعزل إسلام آباد على الساحة الدولية.

غير أنَّ الخطأ الأكبر، كما يبدو اليوم، لم يكن في الاتفاق نفسه بقدر ما كان في اللحظة التي تحوّل فيها الغموض المقصود إلى التزامٍ علني. فعندما وقف وزير الخارجية الباكستاني أمام الصحافيين محاولًا تقديم ذلك الغموض على أنه حزمٌ سياسي، تحوّل هامش المناورة الذي بُني عليه الاتفاق إلى قيدٍ علني يصعب التراجع عنه. ومنذ تلك اللحظة، أُغلقت “مصيدة الالتزام” التي وجدت باكستان نفسها داخلها.

اليوم تبدو كل الطرق الممكنة للخروج من هذه المُعضِلة محفوفة بكلفة سياسية وأمنية قد لا تكون الدولة قادرة على تحمّلها. فالتراجع يُضعفُ مصداقية الردع ويهدد العلاقة مع الرياض، بينما المضي قدمًا في الالتزام قد يفتح جبهات إقليمية جديدة ويقوّض التوازن الحساس مع إيران. وفي الأثناء، يتصاعد الضجيج من كل اتجاه: ضجيج الشارع الغاضب في الداخل، وضغط الرياض المترقبة، وحسابات طهران الحذرة، في مشهد يشبه معضلة استراتيجية ثلاثية لا تملك حلًا واضحًا.

وهكذا تكتشف الحكومة الباكستانية أنَّ رفع سقف الخطاب العلني، عندما لا تكون القدرة على تنفيذ التهديد مؤكدة، قد لا يختلف كثيرًا عن الصمت؛ بل قد يكون أكثر كلفة منه.

Exit mobile version