تفتح هدنة الأيام العشرة بين لبنان وإسرائيل نافذة نادرة على مسار سلام طال انتظاره، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم التناقض بين طموحات الدبلوماسية ووقائع الميدان. وبين ضغوط الداخل وتشابكات الإقليم، يقف لبنان أمام اختبار مصيري قد يعيد رسم مستقبله.
بول سالم*
أعلنت الولايات المتحدة، الخميس الماضي، وقفًا لإطلاق النار لمدة عشرة أيام، في خطوةٍ قالت إنها تهدف إلى “تمكين مفاوضات السلام بين إسرائيل ولبنان”. وشكّل بيان وزارة الخارجية الأميركية—الذي يُقال إن الحكومتين وافقتا عليه—تحوُّلًا ديبلوماسيًا لافتًا، إذ تضمّن تأكيدًا غير مسبوق نسبيًا على أنَّ “البلدين ليسا في حالة حرب”، إلى جانب التزام بالعمل على “الاعتراف الكامل بسيادة كل منهما وسلامة أراضيه”، والسعي نحو “اتفاقٍ دائم يضمن الأمن والاستقرار والسلام المُستدام”.
وتعكس هذه التعهّدات مستوى من الوضوح والاتساع لم تشهده العلاقة بين الطرفين في مراحل سابقة من تاريخهما الحديث، ما يمنح المسار التفاوضي زخمًا نظريًا مهمًا. وجاء هذا التطوُّر عقب لقاءات جمعت سفيري البلدين في واشنطن برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، على أن يُستكمل هذا المسار باجتماع ثانٍ بين السفيرين يوم الخميس المقبل، في مؤشّر إلى إصرارٍ أميركي على تحويل الهدنة المؤقتة إلى مسارٍ تفاوضي مستمر.
ومع أنَّ الهدف النهائي بات أكثر تحديدًا، فإنَّ الطريق إلى تحقيقه لا يزال محفوفًا بالتعقيدات. فداخل لبنان، لا يزال “حزب الله” يحتفظ بترسانة عسكرية كبيرة ويواصل نشاطه، وقد سارع إلى توصيف وقف إطلاق النار على أنه “انتصار”، مُعتبرًا أنَّ الضغوط الأميركية على إسرائيل جاءت نتيجة “المقاومة” ودعم إيران الإقليمي. في المقابل، مضت إسرائيل في توسيع نطاق عملياتها داخل الجنوب اللبناني، حيث امتد الاحتلال والتدمير إلى عمق يقارب ثمانية كيلومترات، مع إشاراتٍ رسمية إلى احتمال تثبيت “منطقة عازلة” جديدة في المدى الطويل—ما يعكس فجوة واضحة بين منطق التهدئة المعلَن ووقائع الميدان.
هدنة قصيرة… وطريق طويل إلى السلام
غير أنّ هذا الزخم الدبلوماسي لا يخلو من عوامل هشاشة بنيوية، لعل أبرزها ما يتضمّنه بيان وقف إطلاق النار نفسه من ثغرة واضحة، إذ ينصُّ على أنَّ إسرائيل “تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع التدابير دفاعًا عن النفس في أيِّ وقت”، وهو بندٌ يفتح الباب أمام تفسيرات واسعة قد تُقوّض أي تهدئة مستدامة.
ويأتي هذا الانفتاح الديبلوماسي في سياق تحوّلات عميقة إقليميًا وداخليًا. فقد أسهم تراجع نفوذ “حزب الله” خلال حرب 2024، إلى جانب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، في إعادة تشكيل المشهد السياسي اللبناني. وللمرة الأولى منذ عقود، تمكّن لبنان من انتخاب رئيسٍ للجمهورية وتسمية رئيسٍ للحكومة وتشكيل حكومة، من دون تدخُّلٍ حاسم من إيران أو دمشق، ما يعكس تراجعًا ملحوظًا في مراكز التأثير التقليدية.
في هذا الإطار، يعبّر كلٌّ من جوزيف عون ونواف سلام، إلى جانب الحكومة الجديدة، عن توجُّهٍ داخلي يسعى إلى استعادة سيادة الدولة، وإطلاق مسار إصلاحي طال انتظاره، بهدف إعادة إنعاش بلد أنهكته الأزمات المتراكمة والتجاذبات الخارجية.
أما الشرارة المباشرة لهذا المسار، فكان التصعيد الذي وقع في 2 آذار (مارس)، عندما شنّ “حزب الله”—بدعم من الحرس الثوري الإيراني—هجمات صاروخية على إسرائيل، ما استدعى ردًا عسكريًا واسعًا. وفي أعقاب ذلك، دعا الرئيس عون إلى محادثات مباشرة مع إسرائيل. ورُغم التردُّد الأوَّلي من قبل بنيامين نتنياهو، فإنَّ الضغط الأميركي المتواصل، بالتوازي مع انخراط الولايات المتحدة في مسارٍ ديبلوماسي مع طهران، ساهم في دفع الأطراف نحو طاولة التفاوض. كما اتخذت الحكومة اللبنانية خطوات لافتة، تمثّلت في حظر الجناحين العسكري والأمني ل”حزب الله”، وإعلان السفير الإيراني شخصًا غير مرغوب فيه.
ويأتي هذا التطور ضمن سياق تاريخي من العلاقات المتوترة وغير المباشرة في معظمها بين لبنان وإسرائيل، وإن شهدت محطات تفاوضية محدودة. ففي عام 2024، توصّل الطرفان إلى وقفٍ لإطلاق النار بوساطة أميركية، وقبل ذلك بعامين، وقّعا اتفاقًا بارزًا لترسيم الحدود البحرية بوساطة واشنطن. كما شكّلت تداعيات حرب لبنان 2006 أساسًا لإصدار قرار مجلس الأمن 1701، الذي لا يزال يشكّل مرجعية رئيسة لأيِّ ترتيباتٍ أمنية على الحدود الجنوبية.
تعودُ آخر جولات المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل قبل اللحظة الراهنة إلى عام 1993، في إطار المسار الثنائي المنبثق عن مؤتمر مدريد للسلام. أما قبل ذلك، فقد خاض الطرفان مفاوضات أعقبت الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وأفضت إلى ما عُرف بـاتفاق 17 أيار (مايو)، الذي انهار لاحقًا تحت وطأة الضغوط الإقليمية. ويعود أصل هذا المسار الديبلوماسي إلى ما هو أبعد، وتحديدًا إلى اتفاقية الهدنة 1949، التي شكّلت الإطار الأول لتنظيم العلاقة بين الطرفين بعد قيام دولة إسرائيل.
ومع ذلك، فإنَّ وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام يظل إطارًا زمنيًا محدودًا للغاية لحل نزاعات متجذّرة بهذا الحجم. فالغرض الأساسي منه لا يتجاوز كونه نافذة لبدء مفاوضات جدية. وإذا ما أظهرت هذه المحادثات مؤشّرات تقدُّم مُبكر، فقد يُصار إلى تمديد التهدئة، وربما تطويرها إلى مسار أكثر استدامة يمهّد لاتفاق أوسع.
بين الدولة و”حزب الله”: معركة السيادة
بالنسبة إلى لبنان، تبدو التحديات جسيمة ومتعددة الأبعاد. إذ تحتاج الدولة إلى دعم دولي واسع لتعزيز قدراتها العسكرية والأمنية، بما يمكّنها من احتواء نفوذ “حزب الله” وصولًا إلى نزع سلاحه تدريجًا. وفي الوقت نفسه، تبرز الحاجة الملحّة إلى مساعدات مالية عاجلة لمعالجة أزمة اقتصادية وإنسانية متفاقمة، تفاقمت تداعياتها بفعل الحرب الأخيرة. ويشمل ذلك إعادة إعمار المناطق المتضررة، لا سيما في البيئات ذات الغالبية الشيعية، وتوفير خدمات حكومية فعّالة تقلّص اعتماد السكان على البنى الموازية التي أنشأها الحزب.
ولا يقل أهمية عن ذلك السعي إلى بلورة اتفاق أمني تدريجي مع إسرائيل، يقوم على إعادة انتشار مرحلي للجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، ربما بدعم أميركي أو من جيوش حليفة، بما يهيّئ لعودة آمنة للمدنيين النازحين. وفي المقابل، ستسعى إسرائيل إلى ضمانات موثوقة وقابلة للتحقق تُظهر قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها وكبح الأنشطة العسكرية ل”حزب الله”.
في المحصّلة، يبقى مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران عاملًا حاسمًا في تحديد مآلات هذا المسار. فإذا نجحت واشنطن في انتزاع موافقة إيرانية على تقليص أو وقف دعمها المالي والعسكري ل”حزب الله”، ستجد بيروت نفسها أمام فرصة حقيقية لتثبيت الاستقرار. أما إذا اختارت طهران تصعيد دعمها—كما توحي بعض المؤشرات—فإنَّ الطريق أمام الحكومة اللبنانية سيزداد وعورة، مع مخاطر جدية بانزلاق البلاد مجددًا إلى دوامة عدم الاستقرار.
مع ذلك، لا يمكن إغفال التحوّلات العميقة التي طرأت على المشهد الديبلوماسي في الآونة الأخيرة. إذ يمثّل الإقرار المتبادل بين لبنان وإسرائيل بأنهما “ليسا في حالة حرب”، إلى جانب السعي المعلن نحو علاقات سلمية، قطيعة واضحة مع عقود من العداء البنيوي. فبعد سنوات كان فيها النفوذ السوري والإيراني يُبقي لبنان منخرطًا ضمن ما يُعرف بـ”محور المقاومة”، يبرز اليوم داخل البلاد إجماع متنامٍ يدفع باتجاه مسار مختلف، يرتكز على استعادة السيادة وتعزيز سلطة الدولة وبناء علاقات طبيعية مع الجوار. ويؤدي هذا التحول إلى تضييق الهامش السياسي لـ”حزب الله”، رُغم احتفاظه بثقله العسكري.
من جهة الحزب، تبدو هذه اللحظة ذات طابع وجودي. فهويته السياسية وشرعيته الشعبية تأسستا تاريخيًا على دوره كحركة مقاومة مسلحة في مواجهة إسرائيل، ما يجعل أي تحوّل نحو العمل السياسي غير المسلح تغييرًا جذريًا في بنيته ووظيفته. أما بالنسبة إلى إيران، فيبقى “حزب الله” ركيزة استراتيجية أساسية، تمثل أداة ردع متقدمة على الحدود الشمالية لإسرائيل. ومن هذا المنطلق، وجّه كل من الحزب وطهران تحذيرات صريحة من أيِّ مساعٍ لبنانية لنزع سلاحه أو الانخراط في مفاوضات مباشرة، مع سجلٍّ سابق يُظهر استعدادهما لاستخدام أدوات القوة للتأثير في المسار السياسي.
وخلافًا لجولات التفاوض السابقة، توحي المؤشرات بأنَّ المحادثات الحالية قد تتجه نحو إطار أوسع، يلامس إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام نهائي. وقد استقطب هذا المسار اهتمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يرى في توسيع نطاق اتفاقيات أبراهام ركيزة أساسية في إرثه السياسي. وفي هذا السياق، كلّف ترامب مسؤولين بارزين، من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، بإعطاء أولوية خاصة للمسار اللبناني-الإسرائيلي، وانخرط شخصيًا في الدفع نحو التفاوض، مشجّعًا الطرفين، بل وداعيًا—وفق تقارير—إلى عقد لقاء مباشر في البيت الأبيض.
في المحصّلة، تبدو القيادة الأميركية عاملًا حاسمًا في دفع هذا المسار إلى الأمام. إذ لا تزال الولايات المتحدة الطرف الوحيد القادر على ممارسة نفوذ فعّال على القرار الإسرائيلي، سواء في عهد بنيامين نتنياهو أو في أيِّ حكومة لاحقة. غير أنَّ نجاح هذا المسار لن يقتصر على الضغط السياسي فحسب، بل سيتطلّب أيضًا حشد تحالف دولي أوسع، يضم شركاء عربًا ودوليين، لتأمين الدعم العسكري والاقتصادي والمؤسسي الذي يحتاجه لبنان لإعادة بناء دولته واستعادة قدراتها بعد عقود من التآكل.
في هذا السياق، يبرز الدور الأميركي كعامل حاسم، لا سيما في ما يتعلق بممارسة ضغوط فعّالة على إيران، بهدف فتح مسار واقعي نحو معالجة مسألة سلاح “حزب الله”. فنجاح هذا المسار يتطلب مقاربة دقيقة تُوازِن بين تقليص الدور العسكري للحزب وتشجيعه على التحوّل إلى فاعل سياسي تقليدي، من دون دفع البلاد نحو مواجهة داخلية شاملة قد تعيد إنتاج دوامات العنف السابقة.
وعليه، يبدو المشهد مفتوحًا على مسارين متوازيين: فرص واعدة من جهة، ومخاطر كامنة من جهة أخرى. في المدى القريب، تتركّز الأولوية على إطلاق مفاوضات جدية، تواكبها جهود لتمديد وقف إطلاق النار وتثبيت التهدئة. أما في المدى المتوسط، فيُفترض أن تمهّد هذه العملية لمسار تدريجي تستعيد من خلاله الدولة اللبنانية سيطرتها على كامل أراضيها، بالتوازي مع إعادة تعريف دور “حزب الله” العسكري أو تقليصه، وانسحاب إسرائيل من المناطق التي تحتلها، ضمن ترتيبات تلبّي في الوقت نفسه هواجسها الأمنية.
في نهاية هذا المسار المعقّد، تلوح إمكانية تحوّل نوعي طال انتظاره: قيام نموذج يقوم على وجود دولتين ذات سيادة تتعايشان ضمن معادلة أمن واستقرار مستدامين، بما يفتح الباب أمام استبدال عقود من الصراع المتكرر بأفق سلام فعلي. غير أنَّ بلوغ هذه النتيجة سيبقى رهينة توافر إرادة سياسية حقيقية، وتوازنات إقليمية مواتية، وقدرة الأطراف المحلية والدولية على إدارة واحدة من أكثر بيئات الصراع تعقيدًا في الشرق الأوسط.
- بول سالم هو محلل سياسي، زميل بارز في معهد الشرق الأوسط في واشنطن ورئيسه التنفيذي السابق.
- يصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في صحيفة “ذا ناشيونال” (أبو ظبي).
