لبنان على حافةِ السلام… أم فوهةِ انفجارٍ جديد؟

بين هدنةٍ هشّة وطموحِ سلامٍ مؤجَّل، يقف لبنان عند مُفترقٍ حاسم تتقاطع فيه حسابات الداخل وضغوط الخارج. فهل تقود المفاوضات إلى استقرارٍ طال انتظاره، أم تفتح الباب أمام صراعٍ أكثر تعقيدًا؟

الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام: أمام اختبار دقيق… بين رهانات الداخل وضغوط الخارج لصياغة مستقبل لبنان.

مايكل يونغ*

رحّبَ كثيرون، ولا سيما الشعب اللبناني، وخصوصًا الشيعة، الذين عانوا أسابيع من القصف الإسرائيلي المتواصل، بوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الأسبوع الماضي. غير أنَّ هذا الترحيب لم يُبدّد حالة القلق، إذ لا تزال فرص تمديد الاتفاق وتحويله إلى مسارٍ مستدام نحو السلام محفوفة بعدم اليقين.

الاتفاق، الذي وُصف في إعلانه الرسمي بـ”وقف الأعمال العدائية” بدلًا من “وقف إطلاق النار”، حُدِّد له هدف واضح يتمثل في إتاحة المجال أمام “مفاوضات بحسن نية للتوصل إلى اتفاق أمني وسلام دائم بين إسرائيل ولبنان”. هذه الصياغة تعكس حذرًا سياسيًا متبادلًا، كما توحي بأنَّ ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز كونه خطوة تمهيدية على طريق طويل ومعقّد.

وجاء هذا التطور عقب اجتماع عُقد في 14 نيسان (أبريل) في واشنطن، جمع السفيرين اللبناني والإسرائيلي برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وقد سعى اللقاء إلى رسم إطار تمهيدي لاجتماعات لاحقة بين الجانبين، خصوصًا بعد تصريحات للرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام أبديا فيها استعداد بيروت للانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

رهانات السلام بين الضغوط الدولية وحدود الواقع اللبناني

هذا الاحتمال—أي التوصل إلى سلام لبناني-إسرائيلي—يثير حماسة في أوساط سياسية عدة في واشنطن، بل ويمتد إلى بعض الدوائر داخل لبنان نفسه. ويبدو أنَّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينظر إلى هذا المسار باهتمام خاص، إذ قد يشكّل له إنجازًا ديبلوماسيًا في ظل الانتقادات المتزايدة، داخليًا وخارجيًا، لسياسته في الحرب مع إيران. ومع ذلك، يحذر مراقبون من الإفراط في التفاؤل، مشيرين إلى أن أي استعجال في مقاربة الملف اللبناني قد يقوّض العملية برمّتها.

في السياق ذاته، شدّد مسؤولون لبنانيون، مع انطلاق المفاوضات، على أنَّ قرارهم السياسي بات أكثر تحرُّرًا من النفوذ الإيراني، الذي لطالما تجلّى في رفض طهران السماح بنزع سلاح “حزب الله”. وتشير المعطيات إلى أنَّ إيران لعبت دورًا مباشرًا في دفع الحزب إلى المواجهة مع إسرائيل في الثاني من آذار (مارس)، فيما يُعتقد أنَّ قيادته باتت، منذ إضعاف بنيته العسكرية عام 2024، خاضعة بدرجة أكبر لضباط من الحرس الثوري الإيراني.

رغم وجاهة الدوافع التي تقف خلف الترحيب اللبناني بوقف إطلاق النار، فإنَّ هذا التفاؤل يبدو أقل رسوخًا عند التدقيق في المشهد الداخلي والإقليمي. فلبنان اليوم يقف في قلب صراعٍ مفتوح بين إيران وإسرائيل على النفوذ الفعلي داخل البلاد، فيما يعاني نسيجه الاجتماعي من انقسامٍ حاد إزاء فكرة الانخراط في محادثات سلام. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو فرضية تحقيق تقدم من دون توترات كبيرة أقرب إلى الطموح منها إلى الواقع، خصوصًا مع تصاعد الضغوط الأميركية والإسرائيلية على الجيش اللبناني لنزع سلاح “حزب الله”، حتى باستخدام القوة إن اقتضى الأمر.

ويعكس نص الاتفاق نفسه حجم التعقيد، إذ ينص أحد شروطه على أن يتولى الجيش اللبناني “المسؤولية الحصرية عن سيادة لبنان ودفاعه الوطني، بحيث لا يحق لأي دولة أو جهة أخرى ادعاء هذه المسؤولية”. وبصيغة أكثر مباشرة، يعني ذلك ضرورة بسط القوات المسلحة سيطرتها على ترسانة “حزب الله”، وهو شرط يختصر جوهر الإشكالية الأمنية والسياسية في البلاد.

غير أنَّ هذا الطرح يصطدم بواقعٍ ميداني وسياسي شديد الحساسية. فـ”حزب الله” يرفض التخلي عن سلاحه، فيما يُستبعَدُ أن توافق إيران على خطوةٍ كهذه، لما تمثّله من خسارة استراتيجية لنفوذها في لبنان. وفي ظل هذا التوازن المعقّد، يظل من غير الواضح كيف يمكن للسلطات اللبنانية المضي قدمًا في مسار التفاوض من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية.

هذا الحذر يفسر إلى حد بعيد موقف قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، الذي يتجنب الزج بالمؤسسة العسكرية في صدام مباشر مع “حزب الله”، إدراكًا منه لاحتمال تحوّل أي مواجهة إلى صراع أوسع مع شريحة كبيرة من المجتمع الشيعي. إلّا أنَّ هذا التريث لم يمرّ من دون انتقادات، إذ يواجه هيكل ضغوطًا متزايدة من مسؤولين نافذين في واشنطن، وسط تقديرات بأنَّ هذه اللحظة قد تكون اختبارًا حاسمًا لقدرته على إظهار الحزم.

ومع ذلك، فإنَّ حسابات قائد الجيش لا تخلو من منطق. فالمقاربة الحالية تبدو وكأنها تتجاهل إلى حد كبير المزاج داخل المجتمع الشيعي في لبنان، الذي سيكون له دور حاسم في تحديد مآلات أي اتفاق سلام مع إسرائيل. والأكثر إثارة للقلق هو ما يتردد عن وجود قناعة لدى بعض صناع القرار في الولايات المتحدة وإسرائيل، وحتى داخل بيروت، بأنَّ تسريع وتيرة التفاهم قد يسمح بفرض أمر واقع قبل أن تتمكن إيران و”حزب الله” وقاعدتهما الشعبية من تنظيم ردّ فعّال. وهو رهان ينطوي على مخاطر عالية، قد تعيد خلط الأوراق بدلًا من تثبيت الاستقرار المنشود.

سلاح “حزب الله” والانقسام الشيعي: التحدي الأكبر أمام أي تسوية

ينطوي هذا المنطق على قدر كبير من المخاطرة. وكما نقلت إحدى الشخصيات التي يُرجّح أن تضطلع بدور في المفاوضات مع إسرائيل في حديث خاص: “إذا سارت الأمور بسرعة مفرطة، بدافع رغبة البعض في تحويل المسار اللبناني-الإسرائيلي إلى فرصة لالتقاط الصور، فقد تنهار العملية برمّتها”. فغياب توافق داخلي واسع حول خيار السلام من شأنه أن يفتح الباب أمام عقبات جدية قد تعرقل المفاوضات منذ بداياتها.

في هذا السياق، يبرز وضع المجتمع الشيعي في لبنان كعامل حاسم. فهذه الشريحة تشعر اليوم بقدر كبير من الضعف، بعد أن طال الدمار مناطق واسعة من حضورها الجغرافي، وفي ظل تصاعد مشاعر العداء تجاه “حزب الله” من قبل قوى لبنانية أخرى تتهمه بجر البلاد إلى مواجهة جديدة مع إسرائيل هي الثالثة خلال عقدين. ويزداد المشهد تعقيدًا مع التحوّلات الإقليمية، إذ تحكم سوريا المجاورة سلطة ذات توجه سلفي تُبدي خصومة واضحة مع الحزب، على خلفية دعمه السابق لنظام بشار الأسد.

ضمن هذه المعطيات، يُرجّح أن يُفسََّر أيُّ اندفاع نحو تعزيز السلام مع إسرائيل على أنه محاولة لتهميش المجتمع الشيعي في لحظة ضعف غير مسبوقة. وقد يدفع ذلك إلى ردود فعل رافضة وربما عنيفة، بما ينذر بإمكانية انزلاق البلاد إلى اضطرابات داخلية، أو حتى إلى سيناريوهات أكثر خطورة تصل إلى حد المواجهة الأهلية.

من هنا، تبدو الدعوة إلى التريُّث أكثر واقعية. فالأشهر المقبلة قد تكون مناسبة لفتح قنوات حوار جدية مع الطائفة الشيعية، لا سيما عبر شخصية محورية مثل نبيه بري، رئيس مجلس النواب. ويمكن أن تنطلق هذه الحوارات من مسألة حصر السلاح بيد الدولة، بالتوازي مع نقاشات أوسع حول إصلاح النظام السياسي، بما يبدد المخاوف من أيِّ نوايا لتهميش الشيعة. كذلك، يبقى تأمين دعم إقليمي ركيزة أساسية لإنجاح أيِّ مسارٍ سلمي.

في المقابل، يُفترض أن يواصل الجيش اللبناني تنفيذ عمليات محددة ومدروسة لاستعادة بعض المناطق الخاضعة لنفوذ “حزب الله”، من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وقد يشمل ذلك نشر قوات في المناطق الواقعة شمال نطاق التماس مع إسرائيل، بهدف منع استخدام هذه المناطق كنقاط انطلاق لهجمات، ريثما تتقدم المفاوضات. وعلى المستوى السياسي، تبرز أهمية أن تعمل القيادات الرسمية على توضيح رؤيتها وكسب تأييد الرأي العام لمسار السلام.

في المحصّلة، إذا كان لبنان يسعى إلى الخروج بأقل الخسائر من صراع النفوذ بين إيران وإسرائيل، فإنَّ ذلك يتطلّب مقاربة تقوم على التدرُّج والصبر، لا على الاستجابة لضغوط زمنية خارجية. ففرض إيقاع سريع للتطبيع وفق أجندة أميركية قد يقود إلى نتائج عكسية، في بلد يتميز بتركيبة داخلية شديدة التعقيد والانقسام، حيث لا يمكن التعويل على نجاح مسار يفتقر إلى التخطيط والتوافق.

Exit mobile version