في خضم التصعيد الإقليمي، يجد العراق نفسه مجددًا في قلب صراع يتجاوز حدوده لكنه يعيد تشكيل توازناته الداخلية.
فهل تستطيع بغداد استعادة سيادتها، أم تبقى رهينة ديناميكيات نفوذ تتفكك تحت ضغط الحرب؟
زيدون الكناني*
بالنسبة إلى العراق، لا يُمكن اختزال تداعيات الحرب الإيرانية في كونها أزمة إقليمية عابرة، بل هي اختبارٌ مباشر لأُسُسِ النظام السياسي الذي تشكّلَ بعد عام 2003. فهذه الحرب تُعيدُ إلى الواجهة أسئلة مؤجّلة تتعلق بمدى النفوذ الإيراني داخل الدولة، ومستقبل علاقات بغداد مع دول الخليج العربي والولايات المتحدة، فضلًا عن موقع الفصائل الموالية لطهران ضمن منظومة الحشد الشعبي ودورها في معادلة السلطة والأمن.
غير أنَّ التحوّلات التي يشهدها العراق اليوم لا يمكن نسبها إلى الحرب وحدها. فالمشهد السياسي كان قد دخل بالفعل مرحلة انتقالية قبل اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 28 شباط (فبراير)، وما تلاه من تصعيد. خلال السنوات الماضية، تصاعد الجدل الداخلي حول طبيعة العلاقة مع إيران، في وقتٍ بدأت فيه دول الخليج إعادة تقييم مقاربتها تجاه بغداد، بينما واجهت النخبة الحاكمة تحدّيًا متزايدًا في كيفية إدارة الفصائل المسلحة التي تعمل داخل مؤسسات الدولة وعلى هامشها في آن واحد.
في هذا السياق، لا تبدو الحرب نقطة تحوّل بقدر ما هي عامل تسريع لمساراتٍ قائمة أصلًا. فقد ساهمت في تعرية التناقضات الكامنة داخل النظام السياسي، ودفعته إلى مواجهة استحقاقات مؤجلة. كما رفعت سقف الضغوط الدولية والإقليمية، خصوصًا من جانب الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، لتجد بغداد نفسها أمام اختبار حقيقي في كيفية إدارة ملفات السيادة، والأمن، وتوازن التحالفات في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
النفوذ الإيراني المتنامي في العراق قبل الحرب
منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، برزت إيران بوصفها المستفيد الأكبر من التحوُّلات الجذرية التي شهدتها البلاد. فقد أدى انهيار نظام البعث إلى فراغٍ سياسي وأمني واسع، أحسنت طهران استثماره عبر مقاربة مزدوجة جمعت بين دعم الفصائل المسلحة وبناء شبكات نفوذ سياسي داخل مؤسسات الدولة. ومع مرور الوقت، تمكنت القوى الموالية لإيران من ترسيخ حضورها في البرلمان والحكومات المتعاقبة، ما منح طهران نفوذًا مؤسسيًا مباشرًا في عملية صنع القرار داخل بغداد.
وتعزز هذا النفوذ بشكل ملحوظ مع تأسيس قوات الحشد الشعبي عام 2014، في أعقاب التوسع السريع لتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في شمال وغرب العراق. فبينما نشأ الحشد كاستجابة وطنية لحالة طوارئ أمنية، سارعت إيران إلى توجيه بنيته من الداخل، عبر تمكين الفصائل الأكثر ولاءً لها —مثل عصائب أهل الحق، وكتائب “حزب الله”، وحركة النجباء— من مواقع قيادية داخل هيكله التنظيمي، إلى جانب ضمان حصولها على تمويل حكومي. وبهذا، ساهمت طهران في تحويل جزء من منظومة دفاعية رسمية إلى أداة تخدم استراتيجيتها الإقليمية الأوسع.
مع ذلك، فإنَّ تصوير النفوذ الإيراني في العراق باعتباره مطلقًا أو غير قابل للمنافسة يتجاهل تعقيدات المشهد الداخلي. فالروايات التقليدية غالبًا ما تُركّز على معارضة القوى السنية والكردية لهذا النفوذ، لكنها تغفل ديناميكية أكثر تأثيرًا داخل البيت الشيعي نفسه. إذ إنَّ التحديات الأكثر استمرارية لطهران برزت من داخل البيئة السياسية الشيعية، التي لا تشكّل كتلة متجانسة، بل تعكس تنوُّعًا إيديولوجيًا وسياسيًا واضحًا.
في هذا الإطار، سعى التيار الصدري إلى ترسيخ هوية شيعية عراقية ذات طابع وطني، ترفض الخضوع للوصاية الخارجية، بما فيها الإيرانية. وفي موازاة ذلك، مثّل انفصال الزعيم الشيعي عمار الحكيم عن منظمة بدر وتأسيسه “تيار الحكمة” محاولة لإعادة التموضع السياسي نحو مقاربة أكثر توازنًا في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة ودول الخليج العربي. غير أنَّ التحدي الأعمق لم يأتِ فقط من تحركات النخب، بل من الشارع العراقي نفسه.
فمع اندلاع احتجاجات تشرين الأول (أكتوبر) 2019 في المحافظات ذات الغالبية الشيعية، برزت موجة رفض شعبية غير مسبوقة للنظام السياسي القائم منذ 2003. ووجّه الشباب الشيعي انتقادات حادة للنخبة الحاكمة، لا سيما القوى المرتبطة بدوائر النفوذ الإيراني. وقد أظهرت تلك الاحتجاجات أنَّ تقليص نفوذ طهران لم يعد مطلبًا سياسيًا نخبويًا فحسب، بل أصبح جُزءًا من وعيٍ عام أوسع يُطالب بالإصلاح الشامل—من مكافحة الفساد، إلى إنهاء الإفلات من العقاب، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمات العامة.
تعكس هذه التباينات داخل النخبة السياسية الشيعية في العراق حقيقة غالبًا ما تُغفلها المقاربات التقليدية: أنَّ هذا المكوّن ليس كتلة متجانسة، بل فضاءٌ متنوِّع من التوجّهات والرؤى. غير أنَّ نظام “المحاصصة” التوافقي، الذي يقوم على توزيع المناصب بين المكونات —رئاسة الوزراء للشيعة العرب، ورئاسة الجمهورية للأكراد، ورئاسة البرلمان للسنّة العرب— ساهم في طمس هذه الفروقات، مقدمًا صورة مبسَّطة تخفي الانقسامات العميقة داخل كلِّ مكوّن، لا سيما داخل البيت الشيعي.
إحياء القضايا المؤجلة في خضم الحرب
لم تلبث الحرب الإقليمية أن سحبت العراق إلى قلب دوّامتها. فقد كثّفت فصائل من الحشد الشعبي الموالية لإيران هجماتها ضد المصالح الأميركية داخل العراق وخارجه، في وقت أصبحت فيه الأراضي العراقية نفسها هدفًا لضربات عسكرية أميركية. هذا التداخل رسّخ مجددًا موقع العراق كساحة مفتوحة لتقاطع الأجندات الإقليمية والدولية، بدلًا من كونه فاعلًا مستقلًا في محيطه.
على الصعيد الاقتصادي، جاءت التداعيات قاسية ومباشرة. إذ أدى تعطُّل تدفُّق النفط عبر مضيق هرمز إلى تقليص إيرادات الدولة بشكلٍ حاد، في بلدٍ يعتمد على النفط لتمويل أكثر من 90% من موازنته العامة. هذا الواقع يضع الحكومة أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات العامة، وفي الوقت ذاته صون عقد اجتماعي هشّ قائم أساسًا على توزيع الريع النفطي.
وفي خضم هذه الضغوط، عاد إلى الواجهة سؤال قديم في السياسة العراقية: كيف يمكن التعامل مع قوات الحشد الشعبي؟ طوال السنوات الماضية، تراوحت الإجابات بين خيارين متناقضين —الاحتواء أو التفكيك— غير أنَّ الواقع فرض الاحتواء كخيار عملي. فمحاولة تفكيك الحشد تبدو غير ممكنة سياسيًا، ومحفوفة بالمخاطر أمنيًا، نظرًا لتغلغل فصائله في مؤسسات الدولة، واعتماد عناصره على التمويل الحكومي، واستمرار ارتباط بعض مكوناته بدعم خارجي من طهران.
محاولات دمج هذه الفصائل ضمن التسلسل القيادي الرسمي، لا سيما خلال فترة رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، لم تحقق سوى نتائج محدودة. فقد قاومت الفصائل الأكثر قربًا من إيران هذا المسار، وواصلت العمل بهوامش استقلالية واسعة، ما كرّس واقع “الدولة داخل الدولة”.
ورُغمَ أنَّ هذه الفصائل تُعدّ رسميًا تحت سلطة القائد العام للقوات المسلحة، فإنَّ سلوكها الميداني أظهر مرارًا قدرة على التحرك خارج توجيهات الحكومة، خصوصًا في ما يتعلق بالوجود الأميركي. ومع ذلك، لا يمكن التعامل مع الحشد بوصفه كيانًا موحدًا؛ إذ تنقسم فصائله بين مَن يرى في مواجهة الولايات المتحدة التزامًا عقائديًا، ومن يفضّل تجنّب التصعيد خشية تداعيات عسكرية مدمّرة قد تضعف الدولة نفسها. ويعكس هذا التباين جوهر المعضلة العراقية: التوتر المستمر بين متطلبات السيادة الوطنية من جهة، واستمرار الارتباط بمحاور إقليمية، وعلى رأسها إيران، من جهة أخرى.
في هذا السياق، ظلّ خيار تفكيك قوات الحشد الشعبي أقرب إلى كونه موضوعًا للنقاش العام منه إلى سياسة قابلة للتطبيق. فالمخاوف من الانزلاق إلى مواجهة مسلحة داخلية، وما قد يترتّب عليها من زعزعة للاستقرار السياسي، جعلت هذا الخيار مستبعدًا عمليًا. ومع اندلاع الحرب مع إيران، تصاعدت حدة هذا الجدل، مدفوعة بضغوط خارجية متزايدة تدعو بغداد إلى تجاوز سياسة الاحتواء. غير أنَّ المعطيات البنيوية التي حالت دون تفكيك الحشد قبل الحرب لا تزال قائمة، بل ربما ازدادت تعقيدًا في ظل الظروف الراهنة.
بين السيادة ومنطق الوكالة
في موازاة ذلك، استفادت إيران من تاريخ طويل من التوتر في علاقات العراق مع محيطه الخليجي. وعلى عكس دول مجلس التعاون، ولا سيما السعودية، أدركت طهران مبكرًا أنَّ النفوذ في العراق لا يُبنى عبر الحكومة المركزية وحدها. لذلك، اعتمدت مقاربة شاملة للتغلغل في بنية النظام السياسي، فدعمت الفصائل المسلحة، وأقامت علاقات وثيقة مع المؤسسة الدينية الشيعية—المرجعية في النجف بقيادة السيد علي السيستاني—كما نسجت قنوات تواصل مع النخب السياسية الكردية والسنية. هذا الفهم المُرَكّب لطبيعة النظام العراقي المتشظّي منح إيران أفضلية مستمرة على منافسيها الإقليميين.
في المقابل، شهدت مقاربة دول مجلس التعاون الخليجي تجاه العراق تحوّلًا تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة. فقد تراجعت المقاربات القائمة على الانقسامات الطائفية، لصالح رؤية أكثر براغماتية تُميِّزُ بين الدولة العراقية ككيانٍ سيادي، وبين ما يُعرف بـ“الدولة العميقة” التي تعززها الفصائل الموالية لإيران. وقد تُرجم هذا التحوُّل في توسيع الانخراط الاقتصادي مع بغداد، مع الحفاظ على قدر من الحذر تجاه البُنى الموازية التي تعمل خارج الإطار الرسمي.
غير أنَّ الحرب الحالية وضعت هذا التوازن على المحك. إذ دفعت التصعيدات الأخيرة، لا سيما الهجمات التي نفذتها فصائل موالية لإيران انطلاقًا من الأراضي العراقية باتجاه دول الخليج، إلى إعادة تقييم الموقف الخليجي. وفي هذا السياق، بدأت عواصم الخليج تُبدي موقفًا ديبلوماسيًا أكثر صرامة، مؤكدةً أنَّ بغداد ستكون مطالبة بتحمّل مسؤولية أكبر عن أيِّ أعمالٍ تُنفّذ من داخل أراضيها، وهو ما يعيد طرح مسألة السيادة العراقية في مواجهة منطق “سياسة الوكالة” الذي يطبع جُزءًا من المشهد الأمني في البلاد.
بالنسبة إلى القادة العراقيين، باتت معادلة التوازُن أكثر تعقيدًا من أيِّ وقتٍ مضى. فبغداد حاولت، منذ اندلاع تداعيات أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر)، انتهاج سياسة “العراق أولًا” بهدف تحييد نفسها عن صراعات المنطقة، وتقديم صورة دولة قادرة على ضبط بيئتها الأمنية. غير أنَّ اتساع رقعة الحرب أعاد العراق إلى موقعه التقليدي كحلقة وسطى في صراعات الآخرين. ففي مشهد يعكس دقة الموقف، وجد المسؤولون أنفسهم يجمعون بين مواقف متناقضة ظاهريًا: تقديم التعازي علنًا في اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، ورفض الضغوط للدخول في الحرب، وتعزيز الإجراءات الأمنية لحماية البعثات الديبلوماسية وحقول النفط، إلى جانب اتخاذ خطوات داخلية—مثل إبعاد بعض القيادات العسكرية والاستخباراتية—لإظهار قدر من الحزم والسيطرة.
في هذا السياق، تبدو الحكومة العراقية عالقة بين ضغوط متشابكة يصعب الفكاك منها. فقد سمح قرار مجلس الأمن القومي في آذار (مارس) 2026 لقوات الحشد الشعبي بالرد دفاعيًا على الهجمات التي تستهدف مواقعها، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين حماية هذه القوات وتفادي الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. غير أنَّ هذا القرار يكشف في جوهره حدود سلطة الدولة، إذ لا تزال الفصائل الموالية لإيران تحتفظ بهامش واسع من الاستقلالية يُمكّنها من التحرُّك خارج إرادة بغداد. وبذلك، لا تعكس السلطة الرسمية بالضرورة سيطرة فعلية على الأرض، فيما يُفهم القرار بوصفه تسوية اضطرارية مع واقع لا تستطيع الدولة تجاوزه، ومؤشرًا واضحًا إلى تقييد السيادة العراقية.
ومع ذلك، تتقاطع مصالح أطراف عدة—الحكومة العراقية، والشارع العراقي، والولايات المتحدة، ودول الخليج—عند هدف مشترك يتمثل في تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق. إلّا أنَّ هذا الهدف يصطدم بحسابات أكثر تعقيدًا، إذ يتطلب تحقيقه مقاربة دقيقة لا تدفع نحو زعزعة الاستقرار الإقليمي أو تهديد الأمن القومي الإيراني، بما قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من الاضطراب في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة بنيوية.
في المحصّلة، لم تُفضِ الحرب مع إيران إلى حلِّ هذه التناقضات، بل زادت من حدّتها وكشفت عمقها. ويظل السؤال المركزي المطروح اليوم: هل تستطيع بغداد، في ظلِّ هذا المشهد الجيوسياسي المتقلّب، أن تُقلّص شبكات النفوذ المرتبطة بطهران، وتحافظ في الوقت نفسه على توازن علاقاتها الخارجية، وتعزّز سيادة الدولة، من دون الانزلاق إلى انقسام داخلي أو تصعيد إقليمي؟ وبالمثل، تجد الولايات المتحدة ودول الخليج نفسها أمام معادلة دقيقة، حيث يتعين عليها ممارسة الضغط على العراق من دون دفعه نحو عزلة قد تستفيد منها إيران لإعادة ترسيخ نفوذها، في مفارقة تعكس تعقيد المشهد العراقي وحدود القدرة على إعادة تشكيله من الخارج.
- زيدون الكناني هو محلل سياسي متخصص في شؤون الشرق الأوسط، والمدير المؤسس لمعهد وجهات النظر العربية. عمل سابقًا محاضرًا في جامعة جورجتاون في قطر، وفي جامعة أبردين، حيث حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره على موقع “أفكار” التابع لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (الدوحة).
