“حزبُ الله” بينَ الدولة والحرب: سلاحٌ على مُفتَرَق مَصير لبنان

يقف “حزب الله” اليوم أمام لحظةٍ مفصلية تتقاطع فيها ضغوط الداخل اللبناني مع حسابات الإقليم، فيما يتحوّل سلاحه من أداةِ ردعٍ إلى محور صراع يحدّد مستقبل الدولة نفسها.

الشيخ نعيم قاسم: ضربة على الحافر، ضربة على المسمار.

مايكل يونغ*

في مطلع الأسبوع الفائت، فجّر الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم مواجهة سياسية جديدة مع الحكومة اللبنانية، عندما دعاها علنًا إلى التراجع عن قرار احتكار السلاح بيد الدولة، مُعتبرًا أنَّ هذا التوجّه “لا يخدم إلّا مصالح إسرائيل”. التصريح، الذي جاء خلال كلمةٍ في حفل تأبين لعناصر من الحزب اغتيلوا مؤخرًا، لم يكن مجرد موقف اعتراضي عابر، بل حمل رسالة واضحة بأنَّ الحزب لا يرى في مسار نزع السلاح الحالي خيارًا وطنيًا جامعًا، بل خطوة سياسية مرفوضة في هذا التوقيت.

الحكومة اللبنانية كانت قد أصدرت في تموز (يوليو) الماضي مرسومًا يقضي بتطبيق مبدَإِ احتكار السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، وطلبت من قيادة الجيش إعداد خطة تنفيذية تدريجية لتحقيق هذا الهدف. القرار جاء في سياق ضغوطٍ دولية مُتصاعدة لإعادة تثبيت سلطة الدولة، خصوصًا بعد حرب العام 2024 وما خلّفته من أضرار جسيمة وتغييرات في موازين القوى الإقليمية. غير أنَّ “حزب الله” قدّم تفسيرًا مختلفًا لاتفاق وقف إطلاق النار المُوَقَّع في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، إذ اعتبر أنَّ الالتزامات المتعلّقة بنزع السلاح تقتصر على المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، وهو تفسيرٌ لا يحظى بتأييدٍ واسع داخليًا أو خارجيًا.

حاليًا، دخلت الحكومة ما تصفه بـ”المرحلة الثانية” من خطّة بسط سيادتها الأمنية، والتي تستهدف جمع السلاح في المنطقة المُمتدّة بين نهرَي الليطاني والأوَّلي، أي جنوب مدينة صيدا. غير أنَّ الحزب أعلن بوضوح أنه لا ينوي التعاون مع هذه العملية، مُبَرِّرًا موقفه باستمرار “الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية”، ومُؤكّدًا أنَّ “كلَّ احتلالٍ يتطلّبُ مقاومة”، وأنَّ مسؤولية هذه المقاومة “تقع على عاتق الدولة والجيش والشعب”.

المواجهة الحالية لا تنحصر في خلاف تقني حول آليات تنفيذ قرار حكومي، بل تمسُّ جوهر التوازن السياسي والأمني في لبنان. فقرار احتكار السلاح يرتبط بمسألة سيادة الدولة، وبعلاقة لبنان بالمجتمع الدولي، وبمستقبل دوره في الصراعات الإقليمية. وفي المقابل، يرى الحزب أنَّ أيَّ بحثٍ في سلاحه خارج سياق الصراع مع إسرائيل يُضعِفُ موقعه التفاوضي ويُهدّد شبكة الردع التي بناها خلال العقود الماضية.

بين هذَين المسارين، يجد لبنان نفسه أمام استحقاق بالغ الحساسية: إمّا السير في إعادة ترتيب المشهد الأمني وفق منطق الدولة الواحدة، أو استمرار ازدواجية القرار العسكري بما يحمله من مخاطر داخلية وخارجية، في لحظةٍ إقليمية مفتوحة على احتمالات تصعيد واسعة.

سقوط معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”

اللافت في التصريح الأخير أنه يعكس تحوّلًا ضمنيًا في الخطاب السياسي لـ”حزب الله”. فقبل الحرب مع إسرائيل عام 2024، كان الحزب يفرض على الحكومات اللبنانية المتعاقبة تضمين بياناتها الوزارية معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”، وهي الصيغة التي شكّلت غطاءً سياسيًا لوجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة، تحت عنوان مقاومة الاحتلال. بهذه المعادلة، جرى تثبيت ازدواجية القرار الأمني والعسكري في لبنان بوصفها جُزءًا من “التوازن الوطني”.

اليوم، تبدو هذه الصيغة خارج التداول الرسمي. حكومة الرئيس نواف سلام لم تعتمدها في بيانها الوزاري، ما يعني أنَّ الدولة، ولو نظريًا، انتقلت إلى مقاربة مختلفة تقوم على حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية. ورُغمَ أنَّ تصريح قاسم لم يأتِ بصيغةٍ صدامية مباشرة مع الحكومة، فإنه كشف إدراكًا ضمنيًا بأنَّ المعادلة السابقة لم تَعُد قابلة للتسويق داخليًا كما كانت في السابق. غير أنَّ ذلك لا يعني قبول الحزب بالتخلّي عن سلاحه، بل يعكس انتقاله إلى مرحلة دفاع سياسي أكثر وضوحًا عن هذا السلاح.

تَشَدُّد موقف الحزب لا يمكن فصله عن التطوّرات التي أعقبت هزيمته العسكرية في الفترة الممتدة بين أيلول (سبتمبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) 2024. تلك المرحلة لم تُضعِف قدراته الميدانية فحسب، بل أصابت بنيته القيادية في العمق، مع فقدانه عددًا من أبرز قادته العسكريين، وعلى رأسهم الأمين العام السيد حسن نصر الله، إضافةً إلى شخصيات كانت تُعدّ مرشحة لخلافته. هذا التحوّل أعاد ترتيب موازين القرار داخل الحزب، وجعل ارتباطه بالمركز الإيراني أكثر مباشرة من أيِّ وقتٍ مضى.

في هذا السياق، يمكن قراءة موقف قاسم بوصفه امتدادًا لموقفٍ إيراني أوسع في مواجهة التصعيد الأميركي–الإسرائيلي. فإدارة الرئيس دونالد ترامب رفعت سقف المواجهة مع طهران، بالتوازي مع مطالب واضحة بتفكيك شبكات النفوذ الإقليمية لإيران، وفي مقدمها “حزب الله”، إضافة إلى برنامجها الصاروخي الباليستي. من هنا، يُصبح تمسُّك “حزب الله” بسلاحه رسالة سياسية موجَّهة إلى واشنطن وتل أبيب بأنَّ أدوات الردع الإيرانية غير مطروحة للتفاوض تحت الضغط، فيما يجد لبنان نفسه في قلب هذا الاشتباك غير المباشر.

غير أنَّ إصرار “حزب الله” على رفض نزع سلاحه يضعه أمام معادلة داخلية شديدة الحساسية، لا تمسّه وحده، بل تطال البيئة الشيعية التي يستند إليها. فالمشهد السياسي اللبناني تغيّر بصورة ملحوظة بعد حرب 2024، ومعظم القوى السياسية باتت تميل بوضوح إلى حصر السلاح بيد الجيش باعتباره المدخل الطبيعي لاستعادة الدولة دورها. عقدٌ كامل من الهيمنة السياسية والأمنية ترافق مع انهيارٍ اقتصادي غير مسبوق وعزلة خارجية، ما ولّد شعورًا واسعًا بأنَّ استمرار المعادلة السابقة لم يعد قابلًا للتحمّل.

هذا الواقع انعكس حالة استياء داخلية متزايدة، ليس فقط في أوساط الخصوم التقليديين للحزب، بل أيضًا في قطاعات من الرأي العام ترى أنَّ تمسُّكَ طرفٍ واحد بسلاحه يُعطّل أيَّ محاولة جدّية للخروج من دوّامة الأزمات.

في المقابل، تجد الحكومة اللبنانية نفسها أمام مأزق بالغ التعقيد. فلا أحد في السلطة يرغب في الذهاب إلى مواجهة عسكرية داخلية لفرض نزع السلاح بالقوة، لأنَّ كلفة هذا الخيار ستكون كارثية على وحدة المجتمع، وقد تُدخِلُ البلاد في دوّامة عنفٍ جديدة بنتائج غير حاسمة.

هذا الانسداد دفع بعض اللبنانيين إلى طرح سيناريو مقلق مفاده أنَّ صدمةً خارجية قد تكون وحدها القادرة على كسر الجمود، استنادًا إلى تجربة العام 2024 حين أدّت الحرب الشاملة مع إسرائيل إلى إضعاف موقع “حزب الله” وإجباره على إبداء مرونة سياسية أكبر. غير أنَّ الرهان على صراعٍ جديد مع إسرائيل لإعادة ضبط التوازن الداخلي ينطوي على مجازفة خطيرة، لأنَّ لبنان المُنهَك قد لا يحتمل حربًا أخرى، كما إنَّ نتائجها تبقى غير مضمونة.

رهانات الحرب وحدود المغامرة

في حال انزلاق الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مواجهةٍ عسكرية جديدة مع إيران، فإنَّ لبنان سيجد نفسه تلقائيًا في دائرة الخطر. فإسرائيل قد ترى في اتساع رقعة المواجهة فرصةً لإعادة رسم قواعد الاشتباك على الجبهة اللبنانية، ما لم تكبح إدارة ترامب هذا المسار. كما إنَّ التشكيك الإسرائيلي في خطة نزع السلاح اللبنانية يوحي بإمكانية استغلال تل أبيب الفرصة لتوجيه ضربة قاسية لـ”حزب الله”.

في واشنطن، تتحرّك دوائر مؤيدة لإسرائيل باتجاه تشديد العقوبات على شخصيات لبنانية يُنظَرُ إليها على أنها تُشكّل مظلة سياسية للحزب، ومن بينها رئيس مجلس النواب نبيه بري، رُغمَ أنه يُعَدُّ قناة التواصل الشيعية الوحيدة المتاحة في أيِّ مسارٍ تفاوضي غير مباشر. استهدافه قد يُضعِفُ فرص التسوية السياسية ويدفع نحو مزيدٍ من التصعيد.

أما الاعتقاد بأنَّ الحسم الإسرائيلي يشكل الحل لمعضلة السلاح، فيحمل مخاطر استراتيجية عميقة. فإذا حققت إسرائيل انتصارًا كبيرًا، فقد تسعى إلى فرض ترتيبات تُدرِجُ لبنان ضمن دائرة نفوذها، ما سيخلق اختلالات جديدة في علاقاته الإقليمية.

يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن أن تخدم مواجهة إيرانية–إسرائيلية تُدار حتى آخر معقل شيعي في لبنان مصالح طهران أو بيروت؟ بين منطق الردع الإقليمي ومنطق بقاء الدولة، يقف لبنان مرة أخرى على خط تماس تتجاوز حساباته حدوده الداخلية، فيما كلفةُ أيِّ مغامرة جديدة قد لا تكون قابلة للاحتواء هذه المرة.

  • مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى