تَكشُفُ التحوُّلات الأخيرة في الاستراتيجية الأميركية عن إعادةِ تَمَوضُعٍ عميقة تُعيدُ تعريفَ دور أوروبا داخل المعادلة الأطلسية. وبين تقليصِ الالتزامات وتصاعُد الشكوك، تجدُ القارة العجوز نفسها أمامَ سؤالٍ وجودي: هل حانَ وقتُ الاستقلال الأمني عن واشنطن؟
السفير يوسف صدقه*
تفاقَمَ التبايُن الاستراتيجي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مع انتخابِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب لولايةٍ ثانية، وبرزَ ذلك بوضوح في مؤتمر ميونيخ للأمن في دورته الحادية والستين، المنعقد في 14 شباط (فبراير) 2025. ففي خطابٍ اتَّسَمَ بلهجةٍ حادة، اعتبرَ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أنَّ “الخطرَ الذي يُهدّدُ أوروبا ينبعُ من الرقابة وقمعِ المعارضة”، مُحَذِّرًا من أنَّ دعمَ واشنطن للقارة سيُربَطُ بمدى التزامها بحرّية التعبير. كما وَجَّهَ انتقاداتٍ مباشرة للحكومات الأوروبية، مُتَّهِمًا إياها بالخوف من ناخبيها، ومُعتبرًا أنَّ التهديدَ الحقيقي للديموقراطيات الأوروبية لا يكمُنُ في روسيا أو الهجرة الجماعية، بل في الصين، مع التشديد على ضرورة رفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي.
هذا الطرحُ العلني عَكَسَ نهجًا أميركيًا يتَّسِمُ بقدرٍ من الفَوقية في التعامل مع أوروبا، يقوم على منطقِ الإذعان أكثر منه على الحوار. غيرَ أنَّ اللافت في المرحلة الراهنة ليس جوهر المقاربة بقدر ما هو أسلوب إعلانها؛ إذ إنَّ مثلَ هذه الضغوط كانت تُمارَسُ تقليديًا خلف الأبواب المُغلَقة، لا أمامَ عدسات الإعلام كما يحدث اليوم في عهد ترامب.
وفي هذا السياق، رأى الكاتب جاك أتالي، المستشار السابق للرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران، أنَّ ما تقوم به الإدارة الأميركية علنًا اليوم ليس جديدًا في جوهره، بل امتدادٌ لسياساتٍ انتهجتها واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية. وأشار إلى أنَّ الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان حاول، خلال قمة مجموعة السبع عام 1983، إقناعَ فرنسا بالتخلّي عن ردعها النووي واستقلالية قرارها في هذا المجال، في إطارِ سعيه إلى تحسين موقعه التفاوضي مع الاتحاد السوفياتي. غيرَ أنَّ ميتران رفضَ هذا الطرح، رُغم أنَّ ريغان أعاد طرحه مجددًا في لقاءٍ ثُنائي عام 1984، حيث أصر مستشاره للأمن القومي روبرت ماكفَرلين على أنَّ المظلة النووية الفرنسية يمكن للولايات المتحدة تعطيلها في أيِّ وقت.
وفي ذلك السياق، شدّد ميتران على ما سمّاه “السلوك السيادي لفرنسا” (Comportement souverain de la France)، مؤكّدًا تمسك باريس باستقلالية قرارها الاستراتيجي، ولا سيما في المجال النووي، بوصفه ركيزةً من ركائز سيادتها ودورها الدولي.
وتكرّرت مؤشرات التبايُن في محطات لاحقة. ففي العام 2013، طلب الرئيس الأميركي باراك أوباما من فرنسا المشاركة في توجيهِ ضربةٍ عسكرية إلى سوريا ردًا على استخدام النظام السوري السلاح الكيميائي ضد شعبه. غير أنَّ أوباما تراجَعَ عن تنفيذ الضربة من دون إبلاغ باريس مُسبَقًا بقراره، ما أثارَ استياءً في الأوساط الفرنسية وعمَّقَ الشكوك بشأن طبيعة التنسيق الاستراتيجي بين ضفتي الأطلسي.
الافتراق في مجال التعاون الاستخباري
وفي امتدادٍ لهذا التباعُد عبر الأطلسي، برزَ الافتراقُ في مجال التعاون الاستخباري بوصفه مؤشّرًا حساسًا إلى طبيعة العلاقة. فبعدَ السجال الحاد الذي تعرّض له الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي على يد الرئيس ترامب ونائبه جي دي فانس، قلّصت واشنطن مستوى تعاونها الاستخباري مع كييف. وأشارت مصادر فرنسية إلى أنَّ الغالبية الساحقة من المعلومات المتعلقة بالجبهة الروسية–الأوكرانية مصدرها وكالة الاستخبارات المركزية، التي تبلغ ميزانيتها نحو 74 مليار دولار سنويًا، وتدير شبكة واسعة تضمُّ مئات الآلاف من المتعاونين حول العالم، فضلًا عن قدرات تنصّت متقدّمة.
هذا التطوُّرُ غذّى مخاوف أوروبية من تقارُبٍ مُحتَمَل بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين على حساب الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، ورُغمَ الفتور السياسي، لا تزالُ عواصمُ أوروبية تُراهِنُ على أنَّ مؤسسات الدولة الأميركية تبقى أقوى من التوجُّهات الفردية للرئيس. فمحطّات الاستخبارات في السفارات الأميركية بأوروبا ما زالت فاعلة، ولم تُسَجََّل مؤشّرات واضحة إلى وقف التعاون مع أجهزةٍ مثل الاستخبارات الفرنسية.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف إلى بولندا لتأكيد التزام واشنطن باستمرار التعاون مع وارسو. كما اعتبرَ بيل موراي، أحد كبار مسؤولي الوكالة السابقين في باريس، أنَّ مواقف ترامب الحادة تجاه أوروبا خلال ولايته الأولى لم تؤثّر فعليًا في عمل الوكالة داخل القارة. وأشار إلى أنَّ محطات وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في أوروبا حافظت إلى حدٍّ ما على هامشٍ استقلالي تجاه المركز في “لانغلي” بولاية فيرجينيا، لافتًا إلى أنَّ أوكرانيا لا تُمثّلُ الأولوية القصوى للوكالة مُقارنةً بالتحدّي الصيني للأمن القومي الأميركي.
وتُفيدُ مصادر أوروبية بأنَّ تبادل المعلومات والدعم العسكري لأوكرانيا انقطعَ لمدة أحد عشر يومًا عقب لقاء ترامب وزيلينسكي في البيت الأبيض في 11 آذار (مارس) 2025. ومع ذلك، تشير تقارير، بينها ما نشرته صحيفة فايننشال تايمز، إلى أنَّ الوكالة أنشأت 12 قاعدة على الحدود الأوكرانية–الروسية لتزويد كييف ودول أوروبية بمعلوماتٍ حول التحرُّكات الروسية، بما في ذلك نشاط الأسطول في البحر الأسود. كما ساهمت في حزيران (يونيو) 2025 في تنفيذ عملية “سبايدر ويب”، التي تمثلت في إدخال مئة طائرة مُسَيَّرة سرًّا إلى الأراضي الروسية.
وفي مقابل مئات الأقمار الاصطناعية الأميركية التي وفّرت معلومات استخبارية لأوكرانيا، أطلقت فرنسا ثلاثة أقمار اصطناعية من طراز “سي50” ( C50)، ما يعكس الفارق الكبير في مستوى الدعم والإمكانات بين باريس وواشنطن.
الحذر في تبادل المعلومات
عقب واقعة البيت الأبيض بين ترامب وزيلينسكي، عادت وكالة الاستخبارات المركزية إلى مستوى من التعاون مع أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي، لكن بوتيرة أقل مما كانت عليه في بدايات الحرب، في ظلِّ تصاعُدِ الشكوكِ المتبادلة بين الطرفين. هذا التراجع النسبي عَكَسَ حالةً من الحذر داخل المنظومة الاستخبارية الغربية، حيث لم يَعُد التنسيق يجري بالزخم والثقة نفسيهما اللذين طبعا المرحلة الأولى من المواجهة.
وفي مؤشِّرٍ إضافي على هذا التوتُّر، أفادت تقارير بأنَّ جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني “أم آي6” ( MI6) أوقف تزويد وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ببعض المعلومات. كما أعلنت الاستخبارات الأوكرانية في 19 كانون الثاني (يناير) 2026 أنها لم تَعُد تُشارِكُ جميع مُعطَياتها مع الوكالة الأميركية، خشية تسرُّبِ جُزءٍ منها إلى روسيا. كذلك، بدأت أجهزة أوروبية أخرى تتحفّظُ على مشاركة بعض المعلومات التي تعتبرها مُتَّصلة مباشرةً بالأمن القومي الأوروبي، ما يَعكِسُ اتساعَ دائرة الحذر داخل شبكة التعاون الاستخباري عبر الأطلسي.
الأزمة الهيكلية لوكالة الإستخبارات المركزية
وفي سياق هذا المناخ المُتَبدّل داخل المنظومة الاستخبارية، برزت تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الرئيس ترامب وأجهزة الاستخبارات. فقد أشار مستشاره السابق ستيف بانون إلى أنَّ ترامب، خلال ولايته الأولى، لم يَكُن يميلُ إلى الاطلاع المُفَصَّل على التقارير اليومية، وكان يكتفي بملخّصات لا تتجاوز صفحتين. أما في ولايته الثانية، فيبدو —بحسب مقرَّبين— أنه يتابع التحليلات الاستخبارية عن كثب، في تحوُّلٍ يَعكِسُ إدراكًا أعمق لحساسية المرحلة.
غيرَ أنَّ هذا التحوُّل ترافَقَ مع تغييراتٍ داخلية أثارت جدلًا. فقد صرّح الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية مارك بارت بأنَّ الوكالة “تعمل اليوم للحكومة وللبيت الأبيض”، في إشارةٍ إلى اقترابها أكثر من دوائر القرار السياسي. كما نقل الصحافي تيم وينر أنَّ مدير الوكالة جون راتكليف أقال نحو خمسين مسؤولًا رفيعًا، في خطوةٍ قيل إنها أثّرت في فعالية الجهاز وأثارت نقاشًا داخليًا حول استقلاليته.
وفي موازاة ذلك، واجهت مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد انتقادات إعلامية تتهمها بإبداءِ ليونةٍ تجاه موسكو على حساب الاتحاد الأوروبي. وبحسب تقارير، وَجّهَ إليها ترامب تعليمات بإعطاء الأولوية لملفّات أميركا الجنوبية، والصين، ومنطقة المحيط الهادئ، إضافةً إلى غرينلاند، ما يعكس إعادةِ ترتيبٍ واضحة لأولويات الأمن القومي الأميركي، بعيدًا من التركيز الحصري على الساحة الأوروبية.
الاستراتيجية الوطنية الجديدة للدفاع الاميركي لعام 2026
تعمّقت الشكوك الأوروبية حيالَ اتساع الفجوة مع واشنطن عقب صدور الاستراتيجية الوطنية للدفاع الأميركية لعام 2026 عن البنتاغون، والتي حملت مؤشّرات واضحة إلى إعادة ترتيب الأولويات. فقد نصّت الوثيقة على أنَّ الردع في مواجهة الصين وحماية الأراضي الأميركية يشكلان أولوية قصوى، فيما تبقى روسيا تهديدًا دائمًا، وإن كان يمكن التعاون بشأنه مع دول الجناح الشرقي في حلف شمال الأطلسي. كما أشارت إلى أنَّ موسكو لا تزال تمتلك قدرات عسكرية وصناعية كبيرة، وتُبدي استعدادًا لخوض حرب طويلة الأمد قرب حدودها.
وفي المقابل، شددت الاستراتيجية على أنَّ الحلفاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) أقوى بكثير من روسيا، وأنَّ الفجوة بين الطرفين واسعة، لافتة إلى أنَّ اقتصاد ألمانيا وحده يفوق نظيره الروسي. وانطلاقًا من ذلك، أكدت أنَّ على الحلفاء تحمّل المسؤولية الكاملة عن الدفاع عن أوروبا، فيما يقتصر دور الولايات المتحدة على تقديم “الدعم الحاسم”. كما أشارت إلى أنَّ واشنطن ستُواصل أداءَ دورٍ محوري داخل الحلف، مع تعديل انتشار قواتها وعملياتها وفق ما تصفه بالتهديد الروسي، على أن يتولى الحلفاء الدور القيادي في الدفاع عن أوكرانيا باعتباره مسؤولية أوروبية.
في المحصّلة، تعكس هذه التوجهات مسارًا أميركيًا يميل إلى تقليص إشراك أوروبا في صياغة القرارات الاستراتيجية الكبرى لواشنطن، وإلى إعادة تعريف موقعها داخل المعادلة الأطلسية. ومن هنا يبرز التحدي أمام الأوروبيين: بلورة سياسة خارجية أكثر استقلالًا، وبناء مظلة أمنية وعسكرية تتيح لهم هامشًا أوسع من الاعتماد على الذات، ولو جُزئيًا، في مواجهة تحوّلات النظام الدولي.
- السفير يوسف صدقه هو ديبلوماسي لبناني متقاعد ومحلل سياسي.
