مع تضييقِ الخناقِ على الإمدادات الخاضعة للعقوبات وإعادة دمجها ضمن قنواتٍ خاضعة للنفوذ الأميركي، تدخُلُ سوقُ النفط مرحلةَ إعادةِ تموضع عميقة. التحوُّلات الجارية لا تُعيدُ توزيعَ البراميل فحسب، بل تُعيدُ تعريفَ موازين القوة بين المنتجين الكبار والقوى العظمى.
بشّار الحلبي*
بعد شهرٍ على العملية التي أطاحت عمليًا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو برعاية إدارة دونالد ترامب، بدأت تَتَّضحُ ملامح معادلة نفطية جديدة تتجاوز حدود كاراكاس. فواشنطن لم تكتفِ بالتحرُّك السياسي، بل وسّعت حملتها الاقتصادية عبر مصادرة ناقلات نفط مرتبطة بما يُعرف بـ”أسطول الظل”، مُستهدفةً —حتى الآن— سبع ناقلات على الأقل كانت تنقل شحنات فنزويلية خاضعة للعقوبات. وجاء ذلك في سياق تصعيدٍ سبق عملية “العزم المُطلَق”، ما يشير إلى أنَّ الملف النفطي كان في صلب الاستراتيجية منذ البداية.
في موازاةِ ذلك، أعلن ترامب أن نحو 50 مليون برميل من الخام الفنزويلي نُقلت إلى الولايات المتحدة لمعالجتها وإعادة بيعها، على أن تتولى الإدارة الأميركية إدارة العائدات وتوزيعها. ولم يَقتَصِر الطرحُ على إدارة التدفّقات الحالية، بل امتدَّ إلى دعوةٍ صريحة للقطاع الخاص —ولا سيما شركات الطاقة الأميركية— لضخِّ ما يصل إلى 100 مليار دولار لإعادة تأهيل قطاع النفط الفنزويلي خلال فترة قد لا تتجاوز 18 شهرًا. خطابٌ يحمل طموحًا بإعادةِ تشكيلِ صناعةٍ نفطية انهارت بُنيتها التحتية بفعل سنواتٍ من العقوبات وسوء الإدارة.
غير أنَّ الفجوة بين الطموح والواقع لا تزال واسعة. فرأس المال الخاص، بطبيعته الحذرة، لم يتحرّك بعد بالزخم المأمول. فرَفعُ العقوبات مسارٌ مُعَقَّد قانونيًا وسياسيًا، والضبابية التي تحيط بمستقبل الحُكم في فنزويلا تجعل المستثمرين في حالة ترقب. وهكذا يجد قطاعُ النفط الفنزويلي نفسه عالقًا بين وعودٍ ضخمة وإجراءاتٍ لم تُكتَمَل شروطها بعد.
وسط هذا الضجيج، يفرض سؤال جوهري نفسه: ما الذي تسعى إليه الولايات المتحدة فعليًا من هذا الانخراط المُكثَّف في فنزويلا، وهي أصلًا أكبر منتج للنفط في العالم؟ وهل يتعلّق الأمر فقط بإعادة ترتيب سوق فنزويلا، أم بإعادة رسم توازنات أوسع في سوق الطاقة العالمية — بما في ذلك التأثير في منتجي الشرق الأوسط ومسارات الأسعار في المدى المتوسط؟
قد يبدو تموضع الولايات المتحدة كنقطةِ ارتكازٍ لنظامٍ نفطي في نصف الكرة الغربي تطورًا مقلقًا لمنتجي الخليج العربي للوهلة الأولى. فامتدادُ النفوذ الأميركي على إنتاجٍ يقترب من 20% من المعروض العالمي —من كندا إلى غويانا وفنزويلا— يفتح نظريًا الباب أمام إعادة توجيه ثقل توازُنات الطاقة نحو الغرب، في لحظةٍ تتقاطع فيها السياسة بالطاقة على نحوٍ غير مسبوق.
لكن هل يعني ذلك تراجع قدرة الخليج على إدارة السوق، والتأثير في الأسعار، والاحتفاظ بأوراقه الاستراتيجية؟ الإجابة أكثر تعقيدًا مما توحي به الصورة الأولى.
فالتحرُّك الأميركي في فنزويلا لم يؤسّس لسيطرةٍ مركزية على تدفُّقات النفط بقدر ما وَفَّرَ لواشنطن شبكة أمان استراتيجية ضد صدمات الأسعار والمخاطر الجيوسياسية، في سياقٍ دولي يتَّسِمُ بتصاعُد التنافس بين القوى الكبرى وهشاشة الأسواق. كما إنَّ القوة الأميركية في قطاع النفط تظلُّ مُوَزَّعة ومُجَزَّأة بطبيعتها؛ إذ تخضع قرارات الإنتاج لمئات الشركات الخاصة التي تتحرّك وفق اعتبارات الانضباط الرأسمالي، وتقلبات السوق، وضغوط المساهمين، والضبابية التنظيمية، بل وحتى الحسابات الانتخابية. تمارس واشنطن نفوذها عبر أدوات الترخيص والتنظيم، وفتح المجال أمام الشركات، وتفعيل القنوات المالية —كما في الحالة الفنزويلية— لكنها لا تدير الإنتاج وفق نسقٍ مُنسَّق ومركزي على غرار تحالف “أوبك بلَس”. وهذه مفارقة جوهرية في فهم طبيعة القوة.
الأهم أنَّ الولايات المتحدة تفتقرُ، حتى الآن، إلى الأداة الأكثر حساسية في أسواق النفط: القدرة الاحتياطية المُنسَّقة القابلة للتشغيل الفوري. صحيح أنَّ إنتاجَ النفط الصخري الأميركي يتمتّع بمرونةٍ عالية، لكنه يظل رهين مؤشرات الأسعار ولا يمكن زيادته أو خفضه بقرارٍ سياسي مباشر، ولا الاستمرار في ضخّه بخسارةٍ لأهدافٍ جيوسياسية. في المقابل، تتركّزُ هذه القدرة الاحتياطية إلى حدٍّ كبير في الخليج العربي، وعلى رأسه المملكة العربية السعودية، تليها الإمارات العربية المتحدة. من هنا، يبدو النظام النفطي الآخذ في التشكُّل أقرب إلى صيغةٍ “تحكُّمٍ مزدوج” في السوق، لا إلى مواجهة صفرية بين واشنطن والعواصم الخليجية.
ومع ذلك، فإنَّ تموضعَ الولايات المتحدة في موقعٍ يتيح لها التأثير في سقف السوق والحد من الارتفاعات الحادة في الأسعار —مدعومًا بوفرة إنتاجها المحلي واتساع نفوذها في نصف الكرة الغربي— يمنحها قدرةً أكبر على كبح طفرات الأسعار التي ترتد سياسيًا بتكلفة مرتفعة، في اقتصادٍ شديد الحساسية للتضخّم بين الدورات الانتخابية.
كما إنَّ إحكامَ السيطرة على صادرات فنزويلا يمنحُ واشنطن هامشًا لطرح إمدادات إضافية في السوق من هناك —ولاحقًا من غويانا مع استمرار نمو طاقتها الإنتاجية— بدل اللجوء إلى تعديل تدفقات الإنتاج الأميركي ذاته. وبهذا، تُعيدُ الولايات المتحدة صياغة دورها في السوق العالمية: ليس كمُنتجٍ ضخم فحسب، بل كمُنسِّقٍ غير مباشر لتوازنات العرض في الفضاء الغربي، بما يضيف طبقة جديدة إلى هندسة النظام النفطي العالمي.
تاريخيًا، شكّل هذا الدور جُزءًا من تفاهُمٍ ضمني بين واشنطن والرياض، يقومُ على تنسيقٍ غير مُعلَن يهدفُ إلى الحَدِّ من الضغوط التضخّمية أو امتصاص آثار التباطؤ في الاقتصاد العالمي. فاستقرارُ سوق النفط لم يكن مسألة تجارية بحتة، بل عنصرًا في معادلة الاستقرار المالي العالمي. وإلى جانب ذلك، تمنح المقاربة الأميركية الجديدة —بحسب ما يُتداوَل— واشنطن منفذًا إلى أحد أكبر احتياطيات الخام في العالم، في وقتٍ تُشيرُ التقديرات إلى استمرار نموِّ الطلب على الهيدروكربونات لعقدين إضافيين على الأقل.
مع ذلك، سيبقى الخليج لاعبًا محوريًا في رَسمِ أرضية السوق، عبر إدارةٍ مدروسة للإنتاج تَحُولُ دون انهيار الأسعار، وهو سيناريو لا يقلُّ خطورةً عن طفراتها الحادة. فهبوطُ الأسعار إلى مستوياتٍ مُتدنّية قد يُزعزعُ الاستقرار الاقتصادي والمالي للمنتجين، تمامًا كما تفعل القفزات المفاجئة التي تُربِكُ المستهلكين.
في هذا السياق، تظلُّ الطاقة الاحتياطية، والضبطُ المُنَسَّق للإنتاج، والقدرة على سحب ملايين البراميل من السوق بسرعة، أدوات حاسمة لا يمكن تفعيلها على نطاق واسع إلّا من خلال تحالف “أوبك بلَس”، ولا سيما نواته الخليجية العربية: المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، والكويت، إلى جانب العراق وروسيا وكازاخستان. وفي مشهدٍ جيو-اقتصادي يتّسم بالتشظّي، يبقى هذا التحالف بمثابةِ “مثبّت النظام” الأساسي. ويكفي استحضار دوره خلال جائحة كورونا، حين تحرّكَ بخفضٍ تاريخي للإنتاج أسهم في تجنُّب انهيارٍ أوسع للاقتصاد العالمي، لتقدير وزن هذه الأداة الاستراتيجية.
نهاية الغموض
على مدى أكثر من عقد، عملت أسواق النفط وفقَ بُنيةٍ مزدوجة: سوقٌ ظاهرة مُنظَّمة تُحدِّدها معايير “برنت” وغرب تكساس، وحصص “أوبك بلَس”، وموازنات العرض الرسمية؛ وسوق ظلّ تشكّلت بفعل العقوبات والمساومات الجيوسياسية. في هذه السوق الموازية، لم يَعُد النفط مجرّدَ سلعةٍ حيوية للاقتصاد العالمي، بل تحوَّلَ إلى أداةِ بقاءٍ سياسي، يُتداوَلُ بخصوماتٍ حادة بين عددٍ محدود من الدول المستعدة لمواجهة الضغوط الغربية أو الالتفاف عليها.
برزت الصين بوصفها المستفيد الأكبر من هذا النظام الموازي. فمن خلال شراء الخام الخاضع للعقوبات من فنزويلا وإيران، ولاحقًا من روسيا، حصلت بكين على إمداداتٍ بخصوماتٍ كبيرة منحتها أفضلية نسبية في خضم التنافس بين القوى الكبرى. كما خفّفت تعرُّضَ بعض قطاعات اقتصادها لتقلبات الأسعار العالمية، ووسّعت نفوذها الجيوسياسي عبر التمويل والغطاء الديبلوماسي والاصطفاف طويل الأمد. أما منتجو الخليج، فتعاملوا مع تجارة الظل كواقعٍ مُزعِج لكنه لا مفرَّ منه، خصوصًا في ظلِّ الطلب الصيني المتنامي على نفطهم.
غيرَ أنَّ هذا الهامش بدأ يضيق. فمع تشديد واشنطن ضغوطها على بكين، تحوّلت فنزويلا إلى مختبرٍ لعقيدةٍ أوسع تسعى إلى إعادة دمج النفط الخاضع للعقوبات ضمن قنوات خاضعة لإشرافٍ أميركي أو منسجمة مع نطاق نفوذها. وإذا استمرَّ هذا النهج، ستتقلّص مساحة المناورة أمام الصين. فالخام الفنزويلي الذي كان يُباع بخصوماتٍ حادة قد يُعادُ تسويقه تدريجًا بأسعارٍ أقرب إلى المؤشرات العالمية وتحت إشرافٍ أميركي مباشر.
أما النفط الإيراني، فلا يزالُ مُتاحًا في المرحلة الراهنة، غير أنَّ مستقبله بات أقل ارتباطًا بديناميات السوق وأكثر خضوعًا للحسابات السياسية في واشنطن. وتبدو إدارة دونالد ترامب مائلة إلى استهداف سلوك النظام وفرض إكراه سياسي، بدل الانخراط في تفكيك شامل، في ضوء دروس تدخلات عسكرية سابقة. وإذا تصاعد الضغط على طهران، فقد يصبح وصول الصين إلى البراميل الإيرانية أكثر غموضًا وأقل يقينًا، ما يُعيدُ رَسمَ توازنات الطاقة ضمن مشهد دولي يتجه تدريجًا نحو قدرٍ أكبر من الانكشاف وأقل من التسويات الرمادية.
أما الخام الروسي، فهو مُقَيَّد أصلًا بفعل العقوبات الغربية التي فُرِضَت عقبَ الغزو العسكري لأوكرانيا في شباط (فبراير) 2022. وحتى في حال أخفقت جهود إدارة دونالد ترامب في التوسُّط لوقف إطلاق النار أو التوصُّل إلى تسويةٍ سياسية، واستمرّت العقوبات على موسكو، فإنَّ ديناميات السوق مرشحة للتبدّل. فإعادة إدماج الخام الفنزويلي —وربما الإيراني— ضمن قنوات تسعير أقرب إلى مؤشرات السوق العالمية، ستقلص الضغط التنافسي الذي أتاح لروسيا تسويق نفطها بخصومات واسعة. وبعبارةٍ أخرى، قد لا تعود موسكو مضطرّة إلى تقديم تخفيضاتٍ حادة للاحتفاظ بحصتها في السوق الموازية، حتى لو بقيت القيود الرسمية قائمة.
هذه التحوُّلات لن توقف تدفّقات النفط الخاضع للعقوبات دفعةً واحدة، لكنها ستؤثر تدريجًا في مستوى الخصومات التي منحت هذا النفط قيمته الاستراتيجية. وبذلك، تدخل المرحلة التي اعتمدت فيها الصين بثقة على إمدادات طاقة رخيصة ومحاطة بحصانة سياسية، طورًا من التآكل والضغط المتزايد.
في المقابل، يستعيد منتجو الخليج —الذين نظرت إليهم بكين طويلًا كخيارٍ بين خياراتٍ عدة— قدرًا من الأهمية النسبية. ليس لأنَّ براميلهم الأقل تكلفة، بل لأنها أكثر موثوقية، قابلة للتوسُّع، وواضحة في سياقها السياسي والتعاقدي. هذه العناصر تزداد وزنًا في بيئةٍ دولية تتقلّصُ فيها المساحات الرمادية وتتقدم فيها الحسابات الجيوسياسية على اعتبارات السعر وحده.
وبالنسبة إلى “أوبك بلَس”، فإنَّ انحسارَ سوق الظل قد يخفف أحد أبرز التحدّيات التي واجهها التحالف في السنوات الأخيرة: نقص الشفافية. فكلّما تراجعَ تأثيرُ الإمدادات الخاضعة للعقوبات في تقويض فعالية التخفيضات الرسمية، اتسع هامش المناورة أمامَ التحالف لإدارة السوق بصورة أدق — شرط أن تتمَّ إعادة إدماج المنتجين المُقَيَّدين تدريجًا ومن دون إرباكٍ لاستقرار الأسعار.
مع ذلك، تُثيرُ تحرُّكات واشنطن تساؤلات جوهرية حول التركيبة المستقبلية للتحالف. فهل ستبقى فنزويلا ضمن “أوبك” في المدى المتوسط؟ وهل يمكن أن يدفع أيُّ تحوُّلٍ سياسي مُحتمل في إيران إلى إعادة النظر في موقعها داخل المنظومة؟ عودةُ الاستثمارات الغربية —إذا تحققت بالحجم المُتداوَل— قد تفرض على كاراكاس تكيُّفًا مع تفضيلات تجارية وتنظيمية ترتبط بالشركات الدولية وبالبيئة السياسية الأميركية أكثر مما ترتبط بقراراتها السيادية. عمليًا، قد تُصاغ الشروط من قبل المستثمرين والحكومة الأميركية الداعمة لهم بقدر ما تُصاغ في الداخل الفنزويلي.
في سياقٍ موازٍ، يتجه تركيز “أوبك” —بقيادة فعلية من المملكة العربية السعودية— إلى أفق يمتد لعقدين أو ثلاثة. فالتقديرات السائدة لدى المنتجين تُفيدُ بأنَّ الطلبَ العالمي على النفط سيُواصل نموّه ضمن هذا الإطار الزمني، ما يُبرّرُ الاستثمار في توسيع الطاقة الإنتاجية وتعزيز الحصة السوقية. في المقابل، تُعاني صناعة النفط في الغرب من قيود الانضباط الرأسمالي، ونضوب بعض الموارد التقليدية، وبيئة استثمارية تتأثر بسياسات المناخ بقدر —وربما أكثر— مما تتأثر بأولويات أمن الطاقة.
غير أنَّ هذا المشهد لا يعني إعادة ترتيب نظيفة أو سريعة أو نهائية للنظام النفطي العالمي. فاستدامة الترتيب الناشئ تبقى رهينة الإرادة السياسية في واشنطن، وهي إرادةٌ عُرضَةٌ للتأثّر بالدورات الانتخابية، والاستقطاب الحزبي، والتجزُّؤ المؤسسي، وحدود القدرة على الإنفاذ بمرور الوقت.
كما إنَّ أسواق الظل نادرًا ما تختفي بالكامل؛ فهي تعيد التموضع، وتبتكر مسارات جديدة، وتُعيدُ تسعير نفسها كلّما تبدّلت الاصطفافات السياسية وتغيّرت الضغوط الجيوسياسية. ومع ذلك، تكفي التحوُّلات الجُزئية لإعادة تشكيل سلوك المنتجين والمستهلكين على حدٍّ سواء. ومن هذا المنطلق، تكتسب فنزويلا أهمية لا بوصفها مجرّدَ أداةِ تحكُّم في المعروض، بل كسابقة تَرسُمُ ملامِحَ عالمٍ تعود فيه القوة والمنافسة الجيوسياسية إلى موقعٍ مركزي في هندسة النظام النفطي الدولي.
- بشّار الحلبي هو صحافي لبناني، ومراسل أول لأسواق الطاقة في شركة “أرغوس ميديا”.
