تتجاوزُ إعادة إعمار غزة كونها مشروعًا هندسيًا ضخمًا أو خطة استثمارية بمليارات الدولارات؛ فهي اختبارٌ لإمكانِ كَسرِ حلقة الحرب والدمار المتكررة. وبين طموحات الأبراج الزجاجية وتعقيدات السياسة، يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن تحويل الإعمار إلى فرصة لإعادة بناء العقد الاجتماعي وصناعة سلام حقيقي؟
حافظ غانم*
خلالَ زياراتي المُتكرِّرة إلى قطاع غزة، كان أكثر ما يلفت الانتباه ليس حجمَ الدمار بقدر ما كان حجم الإحباط في عيون الشباب المتعلّمين. خرّيجون جامعيون يُتقنون اللغات ويملكونَ مهاراتٍ تقنية، لكنهم عالقون في بطالةٍ مزمنة، يُطاردهم اليأس ويتراكَمُ في صدورهم الغضب. هؤلاء الشباب عادوا إلى ذهني بقوّة وأنا أُتابِعُ عَرضَ جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشاره، لما وصفه بـ”الخطة الرئيسة” الأميركية لقطاع غزة، وذلك خلال اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
الخطة، كما عُرِضَت، بدت أقرب إلى تصوُّرٍ عُمراني طموح لمدينةٍ مستقبلية: منطقةٌ سياحية ساحلية تمتدُّ على طول الواجهة البحرية وتضمُّ 180 ناطحة سحاب؛ مشروعٌ حضري في رفح يشمل نحو 100 ألف وحدة سكنية، و200 مدرسة، و75 مرفقًا طبيًا؛ إضافةً إلى مركزٍ صناعي وتجاري حديث في مدينة غزة. أرقامٌ ضخمة ورؤيةٌ برَّاقة تستحضِرُ خطابَ التنمية والاستثمار، لكنها تطرحُ في الوقت نفسه سؤالًا جوهريًا: لمَن تُبنى هذه المدينة، وفي أيِّ سياقٍ سياسي وأمني؟
تُقدََّرُ كلفة الخطة بنحو 25 مليار دولار. غيرَ أنَّ المجتمع الدولي سَبَقَ أن مَوَّلَ إعادةَ إعمار غزة أربع مرات منذ العام 2007، في دورةٍ مُتكرِّرة من الدمار ثم البناء ثم الدمار من جديد. المشكلة، إذن، لا تكمُنُ فقط في نقصِ التمويل أو غياب المخططات العمرانية، بل في استمرارِ حلقة الحرب وإعادة الإعمار المفرغة. كسرُ هذه الحلقة يتطلّبُ مُقاربةً تتجاوزُ الخرسانة والزجاج إلى معالجة الأسباب الجذرية للصراع، وخَلقِ بيئةٍ سياسية وأمنية مُستقرّة.
الأولوية الحقيقية يجب أن تكون لتمكين شباب غزة اقتصاديًا واجتماعيًا، عبر فُرَص عمل مُستدامة، ومسارات واضحة للمشاركة في الاقتصاد الجديد، وشعور ملموس بالكرامة والانتماء. إعادةُ الإعمار التي لا تَدمُجُ هؤلاء الشباب في صلبِ المشروع الاقتصادي والاجتماعي ستظلُّ قشرةً عُمرانية فوقَ واقعٍ هشّ. فالشبابُ الذين يُقصَون من فُرَصِ العمل والحياة العامة يُصبحون أكثر عُرضةً لليأس، واليأس بيئة خصبة للتطرُّف والعنف. التنمية الحقيقية، إذا أُريدَ لها أن تدعمَ السلام والاستقرار، يجب أن تبدأ بالإنسان قبل المباني، وبالأمل قبل الأبراج.
المدينة على الورق… والمجتمع في الظل
ثمّةُ إجماعٍ واسع بين صنّاع القرار والخبراء على أنَّ أيَّ سلامٍ مُستدام لن يقومَ على ترتيباتٍ أمنية وحدها، بل على شعورِ الفلسطينيين بالأمل والكرامة. وقد شدّدَ جاريد كوشنر على هذه الفكرة في عرضه، مُؤكِّدًا أنَّ الازدهارَ الاقتصادي شرطٌ للاستقرار. غير أنَّ الفجوة بدت واضحة بين وَفرَةِ التفاصيل المُتعلّقة بالإسمنت والخرائط، وغيابِ تصوُّرٍ مُتكامل لكيفية بناء مجتمعٍ مُزدَهر وشامل. فالتنميةُ ليست مجرّدَ مشاريع عقارية عملاقة، بل هي عقدٌ اجتماعي جديد يُحدّدُ مَن يملك القرار، ومَن يَستفيد، وكيف تُوزَّعُ الفُرَص.
في هذا السياق، كتب الديبلوماسي الأميركي الراحل مارتن إنديك عام 2024: “لا سبيلَ موثوقًا لإنهاء الحرب في غزة من دون محاولة صياغة نظام جديد أكثر استقرارًا هناك”. التحدّي اليوم لا يَكمُنُ في جمع التمويل أو إعداد المُخطّطات، بل في بلورةِ هذا “النظام الجديد” وترجمته إلى مؤسّسات وسياسات قابلة للحياة.
نظامٌ أكثر استقرارًا يعني، في جوهره، إعادةَ تعريف العقد الاجتماعي في غزة بما يمنح الشباب صوتًا حقيقيًا، وفُرَصَ عملٍ ملموسة، وأفقًا سياسيًا واقتصاديًا واضحًا. وإلى جانب إعادة الإعمار المادي، يتطلّبُ ذلك خطوات بنيوية: أوّلًا، إنهاء الحصار والسماح بحرية حركة الأفراد والبضائع من وإلى القطاع؛ ثانيًا، تمكين سكان غزة من تحديد أولويات إعادة الإعمار والمشاركة في تنفيذها، بدل الاكتفاء بدور المتلقّي؛ ثالثًا، إطلاق إصلاحات جادة في الحوكمة في غزة والضفة الغربية على حد سواء؛ ورابعًا، التوصُّل إلى اتفاقٍ يقرُّ بحقِّ الفلسطينيين في تقرير المصير ضمن إطارٍ سياسي مُتَّفَق عليه.
ومن بين الجوانب الإيجابية في الخطة المقترحة، ما يتَّصلُ بإنشاء ميناءٍ بحري ومطار. فهاتان البُنيتان، إن نُفِّذتا فعليًا، تعنيان عمليًا إنهاء العزلة المفروضة على القطاع وفتح نافذة مباشرة على العالم. تخضعُ غزة لحصارٍ مُحكَم منذ العام 2007، قَيَّدَ بشدّة حركة الأفراد والبضائع، إلى حدّ أنَّ المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابي وصفها بأنها “السجن الأكثر تحصينًا”.
وتُشيرُ تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أنَّ الحصار كان عاملًا رئيسًا في التدهور الاقتصادي الذي سبق الحرب الأخيرة. فبين العامين 2007 و2021، انخفضَ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد بمعدل سنوي بلغ 2.5%. وبحلول العام 2023، وصل معدل البطالة إلى 45%، فيما عاش نحو 64% من السكان تحت خط الفقر، واعتمدت 80% من الأُسَرِ على المساعدات الإنسانية الدولية.
هذه الأرقام ليست مجرّدَ مؤشّرات اقتصادية؛ إنها تعبيرٌ عن واقعٍ اجتماعي هَشّ. ومن دون رفع الحصار ودمج غزة في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، سيظلُّ أيُّ مشروع إعادة إعمار عُرضةً للتآكل. فتح المعابر، وتشغيل الميناء والمطار، وتسهيل حركة التجارة والعمل، ليست امتيازات سياسية، بل شروط أساسية لإطلاق دورة نمو حقيقية قادرة على خلق الوظائف ومنح سكان غزة —ولا سيما شبابها— ما يحتاجونه من أمل وكرامة.
إعادة تعريف العقد الاجتماعي في غزة
يُمثّلُ إطلاقُ “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، التي عقدت اجتماعها الأول في 15 كانون الثاني (يناير) 2026، مؤشّرًا إيجابيًا آخر في مشهدٍ لا يزالُ مُثقلًا بالشكوك. فهذه الخطوة توحي، ولو جُزئيًا، بإمكانية أن يكونَ للفلسطينيين هذه المرة دورٌ —ولو انتقاليًا— في توجيه مسار إعادة الإعمار إلى حين إجراءِ انتخاباتٍ عامة. تتألف اللجنة من 15 خبيرًا فلسطينيًا غير مُنتَخبين، يفتقرون إلى قاعدة شرعية شعبية واسعة، لكنهم سيتولّون إدارة الشؤون اليومية في القطاع تحت إشراف “مجلس السلام” الذي يرأسه دونالد ترامب. وقد كتب رئيسها، علي شعث، على منصة ” X” أنَّ مهمّةَ اللجنة “إعادةُ بناء قطاع غزة ليس فقط على مستوى البنية التحتية، بل أيضًا على مستوى الروح”.
غير أن إعادة بناء “روح غزة” ليست شعارًا بل مسارًا مؤسّسيًا. فإذا أرادت اللجنة أن تُضفي صدقيةً على دورها، فعليها أن تبتكرَ آلياتٍ فعلية لمشاركة المجتمع المحلي في تخطيط وتنفيذ مشاريع الإعمار. ثمةُ سوابق دولية يمكن الاستفادة منها، كما في تجربتَي إندونيسيا وتيمور الشرقية، حيث ساهمَ إشراكُ المجتمعات المحلية في تحديد الأولويات ومراقبة التنفيذ في تعزيز الاستقرار وترسيخ الثقة. فإعادةُ الإعمار التي لا يشعر الناس بمُلكيتهم لها تبقى مشروعًا مفروضًا من أعلى، سرعان ما يفقد زخمه. ومن ثم، ينبغي تمكين سكان غزة من مراجعة الخطة الأميركية وتكييفها بما يعكس احتياجاتهم الفعلية وواقعهم المعاش.
إنَّ تأسيسَ آليات مشاركة مجتمعية قد يُشكّلُ مدخلًا لإصلاحاتٍ أوسع في الحوكمة الفلسطينية. فالنظامُ المفتوح والشفّاف والمُستَقرّ ليس مَطلبًا نظريًا، بل شرطٌ أساسي لجذب الاستثمارات الخاصة، وتأمين استدامة التمويل، وبناء دعم شعبي حقيقي لمسار إعادة الإعمار والسلام. ومن دون تجديد الشرعية السياسية، ستظلُّ أيُّ ترتيباتٍ انتقالية عُرضةً للطعن والتشكيك.
منذ العام 2005، حين أوصلت الانتخابات الرئاسية محمود عباس إلى السلطة، ومنذ العام 2006، حين فازت “حماس” بالانتخابات التشريعية، لم تُجرَ أيُّ انتخاباتٍ وطنية جديدة. في هذا السياق، ليس مُستَغربًا أن تتسع فجوة الثقة بين الجمهور وقياداته. فقد أظهرَ استطلاع رأي عام 2023 أنَّ 87% من الفلسطينيين يرون أنَّ السلطة الفلسطينية تُعاني من الفساد، فيما اعتبر 72% أنَّ “حماس” ليست أفضل حالًا.
وتَعكِسُ نتائجُ استطلاعٍ أُجري في العام 2025 عُمقَ هذا المأزق السياسي؛ إذ أشارت إلى أنه لو أُجريت انتخابات رئاسية آنذاك، لفاز الناشط الفلسطيني المسجون مروان البرغوثي بسهولةٍ على عبّاس وعلى أيِّ مرشح قد تُقدّمه “حماس”. هذه المؤشّرات لا تُعبّرُ فقط عن تفضيلاتٍ انتخابية، بل عن تَوقٍ واسع إلى تجديد القيادة وإعادة صياغة العقد السياسي. ومن دون معالجة أزمة الشرعية، سيظلُّ أيُّ مشروعٍ لإعادة إعمار غزة ناقصًا، مهما بلغت كلفته أو طموحه العمراني.
من الانقسام إلى الدولة: شرط الإصلاح الحقيقي
مع ذلك، يصعبُ تصوُّرُ إصلاحاتٍ حقيقية في الحُكم أو تنظيم انتخابات حرّة ونزيهة في ظل الاحتلال، ما لم تترافق مع خطواتٍ جدية نحو إقامة دولة فلسطينية. فالاحتلالُ الإسرائيلي لم يقتصر أثره على تقويض الاقتصاد والبنية التحتية، بل امتدَّ إلى إضعاف الحياة السياسية ذاتها بطريقتين أساسيتين. أوّلًا، أدّى تعثُّرِ مسار اتفاقيات أوسلو واستمرار السيطرة الإسرائيلية إلى تقويض صدقية التيار الفلسطيني الذي راهنَ على الديبلوماسية بوصفها طريقًا إلى تقرير المصير. في المقابل، عزّزَ هذا الإخفاق نفوذ القوى التي تبنَّت خيار الكفاح المسلح، على حساب بناءِ مؤسّسات ديموقراطية فاعلة. ويَعكِسُ تحوّل المزاج الشعبي هذا التوتر؛ إذ أظهر استطلاع عام 2023 أنَّ 53% من الفلسطينيين رَؤوا في الكفاح المسلح السبيل الأنجع لتحقيق الاستقلال، قبل أن تنخفضَ هذه النسبة إلى 41% في استطلاع عام 2025 — ما يشير إلى سيولة الموقف الشعبي تبعًا للأفق السياسي المتاح.
ثانيًا، كما أوضحت الصحافية الإسرائيلية تال شنايدر، فإنَّ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة برئاسة بنيامين نتنياهو سهلت —بصورة مباشرة أو غير مباشرة— تدفُّق التمويل إلى “حماس”، في سياق استراتيجية هدفت إلى إبقاء الساحة الفلسطينية منقسمة بين رام الله وغزة، وتجنُّب استحقاقات تفاوضية قد تفضي إلى قيام دولة فلسطينية. وقد أفضت هذه المعادلة إلى ما يقارب عقدين من الجمود السياسي، من دون انتخابات جامعة تُعيدُ تجديد الشرعيات أو توحيد المؤسسات.
على مدى عقود، جلب الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني الألم والمعاناة للشعبين. غير أنَّ اللحظة الراهنة، على هشاشتها، قد تحملُ فرصة مختلفة. فالتعاون في إعادة إعمار غزة، إذا اقترن باتفاق سياسي واضح على حلِّ الدولتين، يمكن أن يحوّلَ العلاقة من منطق السيطرة والصراع إلى منطق الجوار والشراكة. إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، قادرة على إعادة بناء اقتصادها واستيعاب طاقات شبابها، ليست مكسبًا للفلسطينيين وحدهم. فإسرائيل بدورها يمكن أن تجني فوائد الاندماج الكامل في المنطقة، والانفتاح على رؤوس الأموال الإقليمية وأسواق أوسع، ضمن بيئة أكثر استقرارًا وأمنًا. والأهم من كل ذلك، أنَّ الشعبين سيستفيدان من وَضعِ حدٍّ لدورة القتال والدمار والموت التي استنزفت الأجيال.
في هذا الإطار، فإنَّ “الخطة الرئيسة” التي عرضها جاريد كوشنر في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس قد تكون أكثر من مجرّد رؤية عمرانية لإعادة تأهيل بنية تحتية متهالكة أو تشييد أبراج شاهقة على الساحل. فإذا اقترنت بإصلاحاتٍ اقتصادية عميقة، وتحسينات ملموسة في الحوكمة، واتفاقٍ صريح يقرُّ بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، فقد تتحوّلُ من مشروعٍ عقاري طموح إلى رافعةٍ سياسية تفتحُ البابَ أمامَ عهدٍ جديد من السلام والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط.
- الدكتور حافظ غانم هو زميل أول غير مقيم في برنامج الاقتصاد العالمي والتنمية بمعهد بروكينغز. وهو يحمل الجنسيتين المصرية والفرنسية، ويشغل أيضًا منصب نائب رئيس البنك الدولي لشؤون أفريقيا منذ 1 تموز (يوليو) 2018. وبصفته خبيرًا تنمويًا يتمتع بخبرة تزيد عن 30 عامًا، يقود الدكتور غانم محفظة إقليمية نشطة تضم أكثر من 600 مشروع بقيمة إجمالية تتجاوز 71 مليار دولار أميركي.
