بينَ نظامٍ يزدادُ انغلاقًا ومعارضةٍ تُعاني الانقسام، تقفُ إيران على حافةِ مرحلةٍ مفصليّة. فالتغييرُ المُحتَمَل لن يتحدّدَ بضعفِ السلطة وحده، بل بقدرة خصومها على تقديمِ بديلٍ مُوَحَّد ومُقنِع.
سانام وكيل وأليكس فاتانكا*
في كلِّ مرة تهتزُّ فيها إيران على وَقعِ احتجاجاتٍ واسعة، يعودُ السؤالان نفسيهما إلى الواجهة: هل يقتربُ النظام من لحظة السقوط؟ وإذا سقط، فما البديل؟ تتباين الإجابات بتبايُن القراءات. فثمّةُ مَن يرى أنَّ بُنيةَ الحُكم ما زالت مُتماسكة، وأنها قادرةٌ على امتصاصِ موجات الغضب كما فعلت مرارًا. في المقابل، يُحذّرُ آخرون من سيناريو انهيارٍ يفضي إلى صعودِ قبضةٍ أكثر تشدُّدًا، ربما بقيادة الحرس الثوري الإسلامي، القوّة الأكثر نفوذًا داخل المؤسسة العسكرية. وبين هذين التقديرين، يُراهِنُ فريقٌ ثالث على تحوُّلٍ جذري يفتحُ الباب أمام مرحلة انتقالية، قد يلعب فيها معارضون في الخارج –مثل رضا بهلوي– دورًا في إعادة تشكيل النظام، سواء نحو ديموقراطية ناشئة أو حتى مَلَكيّة دستورية.
تُغذّي هذه التكهّنات مؤشّراتٍ واضحة على الإرهاق الذي أصابَ الدولة والمجتمع معًا. فالنظامُ يواجه أزمة شرعية متراكمة بعدَ عقودٍ من سوء الإدارة الاقتصادية والعزلة الدولية، فيما يتقدّم مرشده الأعلى علي خامنئي في السن (86 عامًا)، ما يفتحُ بابَ الأسئلة حول مرحلة ما بعده. وإلى جانب ذلك، تتعقّدُ البيئة الإقليمية والدولية، مع ترقُّبِ جولاتِ تفاوُضٍ حسّاسة واحتمالات تصعيدٍ قد تُعيدُ خلطَ الأوراق.
غيرَ أنَّ غالبية النقاشات، بما فيها تلك الدائرة في دوائر صنع القرار الغربية، تغفلُ عاملًا حاسمًا: حال المعارضة الإيرانية نفسها. فمُستقبلُ البلاد لن يتحدّدَ فقط بضعفِ النظام أو قوة الضغوط الخارجية، بل بقدرةِ خصومه على تقديمِ بديلٍ مُنَظَّمٍ وموثوق. وهنا تَكمُنُ المُعضِلة. فالمعارضة تُعاني انقساماتٍ عميقة بين طلّاب جامعات، وأقلّيات عرقية، ومَلَكيين في الشتات، وتياراتٍ إصلاحية سابقة، وغيرها من الفصائل المُتنافسة. لا يَقتصرُ الخلافُ على الرؤى السياسية، بل يمتدُّ إلى تبادُل الاتهامات بالتواطؤ مع السلطة أو الارتهانِ لأجنداتٍ خارجية.
في ظلِّ هذا التشظّي، تبدو أيُّ لحظةِ ضعف يمرُّ بها النظام فرصةً مُهدَرة. فالتغييرُ، مهما بدت ظروفه مواتية، يحتاجُ إلى جبهةٍ مُوَحَّدة قادرة على تحويلِ الغضب الشعبي إلى مشروعٍ سياسي مُتماسك. وحتى يتحقّقُ ذلك، ستبقى احتمالاتُ التحوُّل في إيران مُعَلَّقة بين طموح الشارع وحدود الواقع التنظيمي للمعارضة.
إذا كانت قوى المعارضة تَطمَحُ فعلًا إلى إحداثِ تغييرٍ حاسم في إيران، فإنَّ الشرطَ الأول لذلك ليس تصاعُد الغضب الشعبي فحسب، بل القدرة على تحويله إلى مشروعٍ سياسي مُشتَرَك. وهذا يتطلّبُ حَدًّا أدنى من الاتفاق على برنامج مبادئ واضح، يُقدَّمُ بوصفه أرضيّة جامعة، مع تأجيلِ القضايا الخلافية إلى مرحلةٍ لاحقة. كما يستدعي إعدادَ خطّةٍ انتقالية لإدارةِ الدولة فورَ أيِّ فراغٍ في السلطة، وتبنّي نهجٍ أكثر شمولًا يُوَسِّعُ الدائرة بدل أن يُضَيِّقها. من دون ذلك، قد يستمرُّ النظامُ القائم لا لأنه يحظى بشرعيةٍ راسخة، بل لأنَّ البديل يبدو مُشَتَّتًا وغير جاهز.
وعلى عَكسِ تجارب في دولٍ سلطوية أخرى مثل بيلاروسيا وفنزويلا، لا تمتلكُ المعارضة الإيرانية قيادةً مركزية واضحة أو بُنية تنظيميّة مُوَحَّدة. أقرب ما تكون إليه هو أرخبيلٌ سياسي مُتباعِد الجزر: من جمعيات الأحياء إلى الخلايا الطلّابية، ومن شبكاتِ حقوق المرأة إلى الحركات العرقية والمنظّمات العمالية. هذه المكوّنات شاركت جميعها في موجات الاحتجاج التي تعاقبت منذ العام 2009، لكنها ظلّت تعمل في مساراتٍ مُتوازية أكثر منها مُتقاطِعة، بفعلِ القمع الأمني العنيف من جهة، وانعدامِ الثقة المُتبادَل من جهةٍ أخرى.
تُقدّمُ النقابات العمالية مثالًا دالًا. فهذه التنظيمات، التي تضمُّ مُعلّمين ومُتقاعدين ومُوَظَّفي نقل وشرائح واسعة من العمال، تُعَدُّ من أكثر أطراف المعارضة تنظيمًا داخل البلاد. خطابها يُركّزُ على قضايا معيشية تمسُّ قطاعاتٍ واسعة من الإيرانيين: التضخُّم، وتآكل الأجور، والفساد، وخصخصة غير شفّافة. وهي، في الوقت ذاته، تنتقدُ السياسات الخارجية الإيديولوجية التي ساهمت في عزل البلاد وإضعاف اقتصادها. غير أنَّ السلطات قيّدت أنشطتها، وحرصت على عزلها عن الحركات الطلّابية والنسوية ومنظمات حقوق الإنسان، بما يمنع تشكُّل جبهة اجتماعية عريضة عابرة للقطاعات.
إلى جانب ذلك، تنشطُ شبكاتُ معارضة في أوساط الأقليات القومية –من الأكراد والبلوش وعرب الأهواز والأذربيجانيين– وتتمتّعُ بقدراتٍ تنظيمية مُعتَبَرة. مطالبُ هذه المجموعات لا تقتصرُ على إنهاءِ الحُكم الديني، بل تشملُ الاعترافَ بالحقوق اللغوية والثقافية، وتوزيعًا أوسع للسلطة، وصِيَغًا من الحكم الذاتي الحقيقي. غير أنَّ جسور الثقة بينها وبين قوى معارضة أخرى تظلُّ هشّة. فبعضُ الأطراف المركزية يخشى نزعاتٍ انفصالية أو استدعاءَ تدخُّلاتٍ خارجية عبر حدودٍ متوتّرة، فيما تتوجّسُ قوى الأقليات من أن يؤدّي أيُّ تغييرٍ غير مُتَّفَقٍ عليه إلى إعادةِ إنتاج مركزية مُهَيمِنة بوجهٍ جديد.
بهذا المعنى، لا تكمنُ مُعضِلةُ المعارضة الإيرانية في نقصِ الشجاعة أو الحافز، بل في غيابِ الإطار الجامع القادر على تحويل التعدُّد إلى قوة. وما لم تنجح هذه القوى في بناءِ حدٍّ أدنى من الثقة والتنسيق، سيبقى أيُّ تحوُّلٍ مُحتَمَل رهنًا بميزان قوى لا تميلُ كفّته بالضرورة إلى صالحها.
يبقى شبحُ التدخُّل الأجنبي —وواقعه أحيانًا— أحد أكثر ملفات الخلاف حساسية داخل معسكر المعارضة في إيران. فقلّما تخلو سجالاتها من اتهامات متبادلة بالارتهان لهذه العاصمة أو تلك، سواء كانت في دول الخليج، أو إسرائيل، أو روسيا، أو تركيا، أو الولايات المتحدة. ولا يُمكِنُ إنكار أنَّ قوى إقليمية ودولية تسعى بالفعل إلى التأثير في المشهد الإيراني، وأنَّ أطرافًا معارضة تبحث عن دعمٍ سياسي وإعلامي ومالي في الخارج. غير أنَّ تضخيمَ هذه الصلات، وتوظيفها كسلاحٍ في الصراعات البَينية، جعلا من بناء الثقة مهمة شبه مستحيلة، وأفرغا أيَّ محاولة لتشكيل جبهةٍ مُوَحَّدة من مضمونها قبل أن تبدأ.
في المقابل، برزت مبادرات حاولت ردم هذه الفجوات وصوغ رؤية جامعة. فقد سعت منظمات المجتمع المدني وشبكات حقوق الإنسان —التي تضمُّ محامين وصحافيين وناشطات نسويات وناشطين بيئيين وممثلين عن أقليات دينية— إلى وَصلِ الحراك الشعبي بقوى معارضة في الأوساط النخبوية. وأصدرت بيانات مشتركة تدعو إلى التعدُّدية السياسية، والحكم العلماني، والمساواة بين الجنسين، وسيادة القانون، وانتقال ديموقراطي سلمي للسلطة. كما وفّرت دعمًا قانونيًا ولوجستيًا لقطاعاتٍ مختلفة من المعارضين. إلّا أنَّ المُفارقة تكمن في أنَّ هذه الفئات غالبًا ما تكونُ أوّل مَن يَدفع ثمن القمع بالسجن والملاحقة، وآخر مَن يُمنَحُ موقعًا متقدِّمًا داخل هياكل المعارضة. والنتيجة معادلة خاسرة: منظمات مدنية عاجزة عن تعبئة الشارع مباشرة، ومُنظِّمو احتجاجاتٍ محرومون من الخبرة القانونية وقنوات التفاوض والدعم المؤسّسي.
إلى جانب ذلك، تقفُ شخصيّاتٌ تنتمي —أو كانت تنتمي— إلى ما يُمكِنُ وصفه بالمعارضة الداخلية للنظام، وهي تياراتٌ تُصَنَّفُ عادةً في خانة الإصلاح أو الاعتدال. من بينها الرئيس الأسبق حسن روحاني، الذي دعا إلى تعديلاتٍ دستورية وتفسيراتٍ أقلّ تشدُّدًا للقيود الدينية، وسلفه محمد خاتمي، الذي طالب بإصلاحاتٍ أعمق في بُنية النظام. كما تضمُّ القائمة رئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي، أحد رموز احتجاجات الحركة الخضراء الإيرانية 2009، إضافةً إلى مصطفى تاج زاده، الذي احتفظَ بهامشٍ من الشرعية لدى بعض المُوالين المُحبَطين ومسؤولي الرتب المتوسّطة رُغمَ دعوته الصريحة إلى الانتقال الديموقراطي.
غير أنَّ هذه الشخصيات تُواجِهُ مأزقًا مزدوجًا. فمن جهة، قيّدت الدولة قدرتها على التنظيم والحركة؛ فموسوي ما زالَ رهنَ الإقامة الجبرية منذ العام 2009، وتاج زاده يقبع في السجن. ومن جهةٍ أخرى، يَنظُرُ إليها كثيرٌ من الشباب المُحتجّين بعين الريبة، باعتبارها جُزءًا من بُنيةِ السلطة التي أنتجت الأزمات الحالية. وبين ضغط السلطة وفقدان الثقة الشعبية، تَجِدُ هذه التيّارات نفسها عاجزةً عن تعبئة قاعدة عريضة قادرة على تحدّي النظام بفعالية.
هكذا يتكرّس الانقسام: معارضةٌ خارجية يشوبها الارتياب، ومجتمعٌ مدني مُحاصَر، وإصلاحيون مُحاصَرون بين ماضٍ لم يغفر وحاضرٍ لا يسمح لهم بالمناورة. وفي ظلِّ هذا التشتّت، يبقى السؤال المركزي مُعلّقًا: كيف يمكن تحويل التعدُّد إلى ائتلافٍ فعلي، لا مجرّد فسيفساء من الأصوات المتجاورة؟
صراعٌ على السلطة
يُواجِهُ النظامُ في إيران خصمًا يصعبُ تطويقه بالوسائل الأمنية التقليدية: معارضوه في الشتات. فهذه الكتلة المنتشرة في أوروبا وأميركا الشمالية وأوستراليا ليست هامشية، بل تمتلكُ مواردَ مالية مُعتَبَرة، ونفاذًا إلى دوائر صنع القرار في الغرب، وتأثيرًا إعلاميًا واسعًا يتردّدُ صداه داخل البلاد. عبر قنواتٍ فضائية ناطقة بالفارسية، ومنصّات “يوتيوب”، وحساباتٍ مؤثّرة على شبكات التواصل الاجتماعي، يُشاركُ ناشطو الخارج في تشكيل الرأي العام، وتضخيم قضايا الاحتجاج، وأحيانًا تنسيق التحرّكات، فضلًا عن توفير منابر لأصوات قد يسكتها القمع في الداخل.
غير أنَّ هذا النفوذ لا يحجبُ واقع الانقسام. فالشتاتُ، شأنه شأن المعارضة الداخلية، مسرحٌ لصراعاتٍ شخصيّة وسياسية علنية. يتبادل المُتشدّدون والمعتدلون الاتهامات: هذا يتَّهمُ ذاك بالتواطؤ مع النظام، وذاك يردُّ باتهامِ خصومه بالمغامرة والدعوة إلى الحرب. مثل هذه السجالات، التي تُبَثُّ على الهواء مباشرة أو تُدارُ عبر وسائل التواصل، تتركُ أثرًا سلبيًا داخل إيران، حيث تتنامى قناعة لدى بعض المواطنين بأنَّ قادةَ المنفى أكثر انشغالًا بالظهور والرمزية من انخراطهم في مشروعِ تغييرٍ عملي ومتماسك.
ويُعَدُّ التيار الملكي أبرز تجلّيات هذا التعقيد. فبفضل شهرة رضا بهلوي، يحتلُّ أنصارُ استعادة الملكية موقعًا مُتقدِّمًا في مشهد الشتات، ويضمّون أحزابًا وشخصيات ترى في عودته —ضمن صيغة دستورية— المخرج الأنسب من مأزق الجمهورية الإسلامية. تاريخيًا، استند دعم بهلوي إلى شرائح من الطبقة الوسطى الحضرية الأكبر سنًا، لكنه اتسع نسبيًا مع تفاقُم أزمات الحكم. ومع ذلك، تبقى حركته مُعتَمِدة بدرجةٍ كبيرة على الفضاء الرقمي والبث الفضائي، مع حضورٍ تنظيمي محدود داخل البلاد. كما إنَّ الحملات الهجومية التي يشنُّها بعضُ أنصاره ضد معارضين آخرين عمّقت الاستقطاب بدل أن تبني جسورًا.
يزيدُ من حساسية هذا الملف ما يُنظَرُ إليه كدعمٍ سياسي من إسرائيل، وهو ما يمنح النظام مادة دعائية لتعزيز سرديته عن “معارضة مدعومة من الخارج”. وقد شبّهَ بعضُ المحللين وضع بهلوي بمسار أحمد الجلبي، الذي لعب دورًا بارزًا في الترويج لغزو العراق عام 2003، قبل أن يتبيّن محدودية قدرته على قيادة مرحلة ما بعد صدام. كذلك، يُثيرُ اسم بهلوي قلقًا لدى قطاعات من الأقليات القومية والجمهوريين الإيرانيين، الذين يخشون عودة مركزية صارمة أو إعادة إنتاج حكم فردي سلطوي بوجهٍ مختلف. بالنسبة إلى هؤلاء، لا يكفي إسقاط النظام القائم إذا كان البديلُ يُعيدُ تدوير منطق السلطة ذاتها.
وإذا كانَ التيارُ الملكي مُثيرًا للجدل، فإنَّ جماعاتٍ أخرى في الشتات لا تقلُّ انقسامًا. فـ”مجاهدي خلق”، بقيادة مريم رجوي، تُعَدُّ من أكثر تنظيمات المعارضة انضباطًا في المنفى، وتمتلك شبكة علاقات دولية نشطة. لكنها تبقى مُحاطة بجدلٍ عميق بسبب تحالفها مع العراق خلال الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، إضافةً إلى اتهاماتٍ من أعضاءٍ سابقين ومنظمات حقوقية بشأن طبيعة تنظيمها الداخلي. ورُغمَ حصولها على دعم سياسيين غربيين بارزين، من بينهم وزير خارجية أميركا الأسبق، مايك بومبيو، فإنَّ صورتها داخل إيران يشوبها قدرٌ كبير من الريبة، بل والعداء أحيانًا.
هكذا يتبدّى مشهدُ الشتات الإيراني: طاقةٌ إعلامية ومالية مؤثّرة، يقابلها انقسامٌ بُنيوي يُضعِفُ القدرة على بلورة قيادة جامعة أو رؤية انتقالية مقنعة. وبين نفوذ الخارج وتَوَجُّسات الداخل، يظلُّ السؤال مطروحًا حول ما إذا كان هذا الامتداد الدولي سيُتَرجَم إلى رافعةٍ حقيقية للتغيير، أم سيبقى عاملًا إضافيًا في تعقيد معادلة المعارضة.
على غرار محاولات الداخل، سعى بعض ناشطي الشتات إلى ترميم الانقسامات وبناءِ إطارٍ جامع. ففي شباط (فبراير) 2023، أعلن ثمانية معارضين إيرانيين في المنفى تأسيس “ميثاق مهسا”، في محاولةٍ لتجميعِ التيارات الجمهورية والملكية وغيرها حول أرضيةٍ مشتركة قوامها الديموقراطية، والحكم العلماني، والمساواة بين الجنسين، وإطلاق عملية انتقال شاملة. حرصَ مؤسّسو المبادرة على تجنُّبِ الخوض في سؤال القيادة، إدراكًا لحساسيته وقدرته على تفجيرِ أيِّ تحالفٍ ناشئ. غير أنَّ هذه الحيطة لم تصمد طويلًا؛ فبحلول نيسان (أبريل) من العام نفسه، انهارت التجربة تحت وطأة خلافات إيديولوجية عميقة وتبايُنات استراتيجية أعادت الانقسامات إلى نقطة الصفر.
ومع ذلك، حتى لو نجح الشتات في تسوية خلافاته، فإنَّ قدرته على إحداثِ تغييرٍ فعلي ستظلُّ رهنًا بمدى تنسيقه مع قوى الداخل. وهذه مهمة أشد تعقيدًا. فالمسافة الجغرافية تعني أيضًا مسافة في التجربة اليومية: المعاناة الاقتصادية، وضغوط القمع، ومخاطر الفوضى المحتملة في حال تصعيد عسكري واسع من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل. لذلك ينظرُ بعضُ النشطاء داخل إيران بعين الريبة إلى دعوات التصعيد القصوى الصادرة من الخارج، معتبرين أنها قد تبدو أقل كلفة حين تُطلق من برلين أو لوس أنجليس مقارنةً بمدنٍ مثل كرج أو كرمانشاه، حيث يدفع السكان الثمن المباشر لأيِّ اضطراب.
“لنَتَّحِد”
إنصافًا، لا تملك أيُّ مجموعة —في الداخل أو الخارج— القدرة على فَرضِ تغييرٍ أو انتقالٍ بمفردها. فنجاحُ أيِّ عمليةِ تغيير يتطلّبُ ائتلافًا عريضًا، يبدأ بالاتفاق على برنامج حد أدنى قابل للتطبيق. وهذا الهدف، رُغمَ صعوبته، ليس مستحيلًا. فبرُغمِ التبايُناتِ الحادة، ثمّةُ نقاط التقاء واضحة بين أطياف المعارضة: إنهاء احتكار رجال الدين للحياة السياسية والعامة؛ ضمان الحريات المدنية والسياسية الأساسية؛ صون وحدة الأراضي الإيرانية؛ والالتزام بمرحلة انتقالية محددة زمنيًا تخضع لرقابة دولية.
التركيز على هذه المبادئ الأربعة قد يتيح للمعارضة تحويل التعدّد إلى قوة، بدلًا من استنزافها في صراعاتٍ مُبكرة حول طبيعة النظام المقبل —ملكيًا كان أم جمهوريًا— أو درجة اللامركزية، أو اتجاهات السياسة الخارجية. فمثل هذه القضايا المصيرية يمكن، بل ينبغي، أن تُحال إلى جمعيةٍ تأسيسية مُنتَخَبة تعكسُ الإرادة الشعبية على نحوٍ أدق. أما المرحلة الراهنة، فتُملي أولوية مختلفة: بناء الثقة، وتنسيق الجهود، وتقديم بديل واضح ومشترك يُقنِعُ الإيرانيين بأنَّ التغييرَ ليس مجرّدَ احتجاج، بل مشروع دولة قيد التشكُّل.
إنَّ الاتفاقَ على منصّة مبادئ مشتركة ليس سوى نقطة الانطلاق. فالانتقالُ من التوافق النظري إلى الفعل السياسي يتطلّبُ نسج روابط مؤسّسية متينة بين أطياف المعارضة في إيران وخارجها. في الداخل، حيث الرقابة الأمنية مُكثَّفة وأدوات القمع حاضرة، تبرزُ الحاجة إلى شبكاتٍ لا مركزية مَرِنة يصعبُ تفكيكها بضربةٍ واحدة. كما إنَّ إنشاءَ منظّمات مجتمعية مشتركة تُعنى بتقديم خدماتٍ اجتماعية والدفاع عن القضايا الاقتصادية المحلية —من الأجور إلى السكن— يُمكِنُ أن يُعزّزَ الثقة الشعبية ويُحوّلُ المعارضة من شعارٍ سياسي إلى حضورٍ يومي ملموس.
أما في الشتات، فالمطلوبُ ليس إعلان “حكومة في المنفى” بقدر ما هو تأسيس آلية تنسيق شفافة، تقومُ على قواعد واضحة للحوار، وأنظمة فعّالة لفض النزاعات، وربما قيادة دورية تمنع احتكار القرار. وينبغي أن يستثمرَ هذا الإطار في وسائل اتصال آمنة تتيح تواصُلًا حقيقيًا مع الداخل، لا مجرّد بيانات تضامنية. غير أنَّ الشرطَ الأهم يظلُّ سياسيًا وأخلاقيًا: كسب ثقة المعارضين داخل البلاد، والاعتراف بأنَّ مَن يتحمّلُ المخاطر اليومية يجب أن يكونَ له الصوت الأرجح في الخيارات الاستراتيجية. فالمسافة الجغرافية لا ينبغي أن تتحوَّلَ إلى فجوةٍ في تقدير الكلفة والنتائج.
كذلك، لا يكفي أن تبقى المعارضة في مستوى الشعارات العامة. فغيابُ تصوُّرٍ عملي لليوم التالي قد يُحوّلُ أي فراغ في السلطة إلى فوضى. المطلوب برنامج انتقالي تقني وغير إيديولوجي يُركّزُ على مَنعِ انهيار الدولة: استقرار العملة، استمرار الخدمات الأساسية، حماية البنية التحتية، ومنع أعمال النهب أو العنف الانتقامي. كما يتعيّنُ وَضع جدول زمني واضح لإجراء انتخابات حرة، وعقد مؤتمر دستوري يحدد قواعد اللعبة الجديدة. من دون هذا التخطيط، سيظلُّ الخوف من المجهول أقوى أدوات النظام في ردع المتردّدين، وسيختار بعض الفاعلين البقاء في صفوفه تجنبًا لاحتمال حرب أهلية أو دوّامات انتقام أو تفكُّك إقليمي.
وأخيرًا، لا بُدَّ أن يكونَ أيُّ إطارٍ انتقالي شاملًا بصورةٍ صريحة. فقد أظهرت تجربة الثورة الإيرانية 1979 كيف يمكن لتحالف واسع —ضمَّ علمانيين ويساريين وقوميين وإسلاميين— أن ينجحَ في إسقاط نظام، قبل أن يُقصى بعض مكوّناته ويُحتَكَرُ المسار من قبل مؤسسة أكثر تنظيمًا وطموحًا. إنَّ تكرارَ هذا السيناريو تحت رايةٍ مختلفة سيعني استبدالَ إقصاءٍ بآخر. لذلك، فإنَّ إشراكَ الأقليات، والنشطاء العلمانيين، وممثلي التيارات الدينية والسياسية المتنوِّعة، ليس ترفًا سياسيًا، بل ضمانة أساسية لعدم إعادة إنتاج دورة الهيمنة نفسها بوجوه جديدة.
بهذا المعنى، يكمن التحدّي الحقيقي أمام المعارضة الإيرانية في الانتقال من حالة الاعتراض المُتعدّد إلى مشروعٍ وطني جامع: من أرخبيل متباعد إلى شبكة مترابطة، ومن خطاب إسقاط النظام إلى رؤية دولة قابلة للحياة.
إنَّ بناءَ حركة معارضة ناجحة وشاملة في إيران لن يكونَ مهمة يسيرة وسهلة. فإلى جانب القبضة الأمنية الثقيلة وانعدام الثقة المتبادَل، ترزحُ هذه القوى تحت إرثٍ تاريخي مُثقَل بالجراح. فقد تركت الثورة الإيرانية 1979، وما أعقبها من تطهيرٍ سياسي في ثمانينيات القرن الماضي، ثم موجات الاحتجاج التي قُمِعَت في العقود التالية، ندوبًا عميقة في الذاكرة الجماعية. هذا الماضي لا يُفسّرُ فقط حدّة الانقسامات، بل يُفسّرُ أيضًا الحذر المُفرِط والخشية من تكرار دورات الإقصاء.
ومع ذلك، فإنَّ مشهدَ المعارضة لا يخلو من عناصر قوة حقيقية. فشخصياتُ المجتمع المدني —مثل مصطفى تاج زاده ونرجس محمدي الفائزة بجائزة نوبل للسلام— قد لا تمتلك أدوات تنظيمية واسعة، لكنها تُقدّمُ عبر كتاباتها ومواقفها بوصلة أخلاقية وبرنامجًا عمليًا لإدارة انتقال مسؤول. وأثبت قادة النقابات العمالية والمنظمون الطلّابيون قدرتهم المتكررة على تعبئة الآلاف حول مطالب ملموسة. أما الحركات القومية، ولا سيما في أوساط الأكراد والبلوش، فتمتلكُ خبرةً تراكمت عبر عقود في التنظيم والصمود. وفي مدنٍ مثل الأهواز ومشهد وسنندج وزاهدان، تشكل الشبكات المحلية رصيدًا من الثقة الاجتماعية يصعبُ تصنيعه من الخارج.
حتى التيارات الإصلاحية على هامش النظام، بما في ذلك بعض رجال الدين والتكنوقراط المتحفّظين على المسارِ الحالي، يمكن أن تلعبَ دورًا في تحدّي السلطة من الداخل والمساهمة في إدارةِ أيِّ انتقالٍ مُحتَمَل، إذا توافرت الظروف. وعلى الصعيد الدولي، تستطيع الولايات المتحدة — إن اختارت مقاربة دقيقة— أن تدعمَ هذا المسار عبر فهم ديناميات المعارضة، ونقاط قوتها وضعفها، وتقديم أدوات تنظيمية وتقنية تعزز تماسكها، من دون أن تفرضَ وصاية أو تُغذّي سرديات الارتهان.
لكن أيًّا يكن دور الخارج، فإنَّ مفتاحَ التغيير يظلُّ في الداخل وبين أطراف المعارضة نفسها. فالجمهورية الإسلامية تبدو وقد وصلت إلى مأزقٍ بنيوي: عجزٌ عن تلبية المطالب الاجتماعية المتزايدة، وإخفاقٌ في معالجة الأزمات الاقتصادية المتراكمة. ومع تضاؤلِ الخيارات، سيغدو الاعتماد على الردع والخوف وسيلة البقاء الأساسية، ما يعني أنَّ موجاتَ احتجاج جديدة تبدو مسألة وقت.
وعليه، فإنَّ السؤال لم يعد ما إذا كانت إيران ستواجه أزمات إضافية، بل ما إذا كانت المعارضة ستكون قد أنجزت ما يكفي من العمل المشترك لتكون جاهزة حين تحين اللحظة. بين مأزق النظام وتشتت خصومه، يتحدد مستقبل البلاد — لا بحدّة الغضب وحدها، بل بمدى القدرة على تحويله إلى مشروع جامع وقابل للحياة.
- سانام وكيل هي مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز الأبحاث البريطاني “تشاتام هاوس”.
- أليكس فاتانكا هو زميل أول في معهد الشرق الأوسط في واشنطن. وهو متخصص في شؤون الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط مع تركيز خاص على إيران.
