لبنان في عين العاصفة: سيادةٌ مُهَدَّدة وتَطبيعٌ مَفروض
لم يَعُد الضغطُ على لبنان مسألةً ديبلوماسية فحسب، بل مشروع إخضاعٍ سياسي تحت ستارِ السلام. وفي لحظةٍ إقليمية حسّاسة، تبدو خيارات بيروت محدودة، لكن غير معدومة.

مايكل يونغ*
في الأسابيع الأخيرة، برزت مؤشّراتٌ مُقلقة إلى دخولِ ما يُعرَف بـ”الآلية” (الميكانيزم)، اللجنة الخماسية المكلّفة بمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لعام 2024، في حالةِ شللٍ شبه كامل. فالتقاريرُ المُتداوَلة لا تتحدّث عن تعثُّرٍ تقني عابر، بل عن جمودٍ سياسي يَعكِسُ تشابُكَ حساباتٍ داخلية وخارجية في لحظةٍ إقليمية بالغة الحساسية. وقد زادَ منسوب الالتباس مع انكشاف العلاقة بين مورغان أورتاغوس، المبعوثة الأميركية إلى لبنان والمُحرّك الأساسي لهذه “الآلية”، والمصرفي اللبناني أنطون صحناوي، ما فتحَ الباب أمام أسئلةٍ مُحرِجة حولَ تضارُبِ المصالح وحدود حياد الوساطة الأميركية. وإلى أن تتَّضِح صورةُ هذا الملف، يبدو أنَّ العجلة الديبلوماسية ستبقى عالقة في مكانها.
لكن اختزال الأزمة بهذا العامل وحده يغفلُ الصورة الأوسع. فالجمودُ الراهن ليس وليدَ فضيحةٍ شخصية بقدر ما هو نتاج بُنيةٍ تفاوضية مُثقَلة بالألغام السياسية. من حيث المبدَإِ، يُفتَرَضُ ب”الآلية” أن تبحثَ في سلّةٍ واسعة من الاستحقاقات المُرتبطة بتطبيقِ اتفاق وقف النار: انسحابٌ إسرائيلي من جنوب لبنان خلال مهلةٍ لا تتجاوز ستين يومًا، تفعيل القرار 1701 –ومعه ضمنيًا القرار 1559– بما يعني حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وإطلاق مفاوضات غير مباشرة بين بيروت وتل أبيب لحسم النقاط العالقة على طول الخط الأزرق وفق مرجعية الأمم المتحدة. غير أنَّ هذه البنود، التي تبدو على الورق تقنية وإجرائية، تخفي وراءها صراعاتٌ سيادية وأمنية تجعلُّ أي تقدُّم فعلي رهينة موازين قوى تتجاوز قدرة “الآلية” نفسها على فكّ عقدها.
الأولويات والتحديات اللبنانية
في المنظور اللبناني، تبدو الأولويات واضحة ومحددة بثلاثة عناوين كبرى: انسحابٌ إسرائيلي كامل من الجنوب، وترسيمٌ نهائي للحدود بما قد يستتبع ترتيبات أمنية مُتبادَلة، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين المُحتَجزين في إسرائيل. غير أنَّ هذا التصوُّر يصطدم بأجندة مختلفة لدى كلٍّ من تل أبيب وواشنطن. فهدفهما الفعلي لا يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل يتجاوز ذلك إلى دفع لبنان تدريجًا نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وفي هذا السياق، برزت فكرةُ إنشاءِ منطقةٍ اقتصادية مشتركة على الحدود الجنوبية كأداةِ ضغطٍ جديدة، رُغمَ أنها لم تكن جُزءًا من اتفاق تشرين الثاني (نوفمبر) 2024. هذه المبادرة طرحها في الأصل مبعوث أميركي آخر، هو توم برّاك، في أيلول (سبتمبر)، مُرَوِّجًا لها بوصفها مُحفّزًا للازدهار المُشترَك ومَدخلًا عمليًا للتطبيع، بل ووسيلة لإضعاف شبكات الرعاية التابعة لـ”حزب الله” وجعل سلاحه قديمًا وفائضًا عن الحاجة.
لكنَّ الدولةَ اللبنانية تنظرُ إلى هذه الطروحات بعين الريبة والرفض. فهي تُدرِكُ أنَّ إدخالَ لبنان في مسار تطبيعٍ غير مشروط لن يؤدّي فقط إلى تعميق الانقسام الداخلي، بل قد يفتحُ الباب أيضًا أمام ارتداداتٍ إقليمية خطرة. ولا تزال بيروت، رسميًا على الأقل، مُتمسِّكة بمبادرة السلام العربية لعام 2002، التي تعرضُ السلام مقابل انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وقبولها بدولةٍ فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967، تشملُ الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. غير أنَّ هذا الإطارَ المَرجَعي لا يبدو ذا وزن يُذكَر في حسابات واشنطن وتل أبيب، اللتين تتعاملان مع الموقف اللبناني بوصفه تفصيلًا يمكن تجاوزه، فيما الهدف المشترك هو جَرُّ لبنان إلى سلامٍ قسري عالي الكلفة السياسية والأمنية.
وما يزيد من خطورة مشروع المنطقة الاقتصادية أنَّ ملامحه، كما تُسَرِّبها تقارير غير مؤكّدة من بيروت، توحي بأكثر من مجرَّد تعاونٍ تنموي. إذ يُقال إنَّ هذه المنطقة قد تُدارُ عبر مجلس مدني يضمُّ ممثلين إسرائيليين، ما يعني عمليًا منح تل أبيب موطئ قدم إداريًا واقتصاديًا داخل شريط حدودي لبناني حسّاس. مثل هذا الترتيب لا يفتح فقط ثغرة في جدار السيادة اللبنانية، بل يُتيحُ لإسرائيل التأثير المباشر في القرارات المُتعلِّقة بالمنطقة، أو فرضها تحت غطاءٍ اقتصادي، بما يُحوِّلُ الجنوب إلى مساحةِ نفوذٍ رمادية تتآكل فيها الحدود بين التعاون والتنظيم والوصاية.
أمامَ هذه الخيارات القسرية، يبرزُ السؤال الجوهري: ماذا يُمكِنُ للبنانيين أن يفعلوا؟ البداية المنطقية تكمن في قراءة البيئة الإقليمية كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون. ففي ظلِّ انكفاءٍ أميركي نسبي عن الانخراط المباشر، يُعادُ تشكيلُ الشرق الأوسط اليوم عبر تنافُسِ القوى الإقليمية الكبرى –إسرائيل وتركيا والسعودية وإيران، رُغمَ ما أصاب الأخيرة من انتكاساتٍ خلال العامين الماضيين– لملء فراغ القوّة. وقد تحوّلَ النظامُ الإقليمي إلى ساحة لعبة شبه خالية من الإيديولوجيا والالتزامات المبدئية، تُحكَمُ أساسًا بحساباتٍ باردة للقوة والمصلحة، حيث تُصنَّفُ الدول كخصومٍ مُحتَمَلين أو حلفاءٍ ظرفيين وفق تبدُّلِ التوازنات.
في هذا المناخ، لا تسعى أيُّ دولة إلى بناء نظامٍ إقليمي تعاوني بقدر ما تعمل على ترسيخِ مناطق نفوذٍ خاصة بها، تُتيحُ لها حرية الحركة وتمنع خصومها من الاقتراب. كلُّ طرفٍ يحاول تثبيت خطوط تماس غير مُعلَنة تحمي مصالحه الحيوية وتمنحه أوراق ضغط مستقبلية. ولبنان، بحُكمِ موقعه الجغرافي وهشاشة توازناته الداخلية، يجدُ نفسه عالقًا في قلب هذه اللعبة، مُهدَّدًا بأنَّ يتحوّلَ من دولةٍ ذات سيادة منقوصة إلى ساحةِ نفوذٍ مفتوحة، تُرسَمُ فيها الترتيبات الإقليمية على حساب قراره الوطني واستقراره الداخلي.
شواهد من “اللعبة الجديدة”
شهدنا في الآونة الأخيرة نماذج صارخة لهذه “اللعبة الجديدة” بين الدول في ثلاث ساحات تحديدًا: اليمن وسوريا وإيران. ففي اليمن، ومع مطلع العام، عبّرت السعودية عمليًا عن قلقها من الشراكة الإماراتية–الإسرائيلية عبر تدخُّلها العسكري المباشر. إذ أعادت الرياض فرض سيطرتها على محافظتي حضرموت والمهرة، اللتين كان المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات قد أحكم قبضته عليهما في إطار مساعيه لانفصال جنوب اليمن. ويبدو أنَّ هذا التحرُّك السعودي ارتبطَ ذهنيًا، في جُزءٍ منه، باعتراف إسرائيل بـ”أرض الصومال” (صوماليلاند) في 26 كانون الأول (ديسمبر)، ما جعلَ الرياض ترى مُنافِسَين يُعزِّزان نفوذهما في محيط مضيق باب المندب، الممر البحري الحيوي الذي يُشكّلُ منفذها إلى خليج عدن وبحر العرب. وبسيطرة المجلس الانتقالي على المحافظتين، كانت السعودية قد فقدت أيضًا منفذها البري المباشر إلى البحر.
وفي حين انصبّ التدخُّل الإسرائيلي في اليمن أساسًا على مواجهة “أنصار الله” (الحوثيين) وتحالفهم مع إيران، فإنَّ هذا التحوُّلَ في موازين القوى لم يكن ليُستقبَل بارتياح من جانب شريكها الإماراتي. فالإسرائيليون يسعون إلى ترسيخ حضورهم في “أرض الصومال” لأنَّ باب المندب يُمثّل ممرًا استراتيجيًا إلى ميناء إيلات على البحر الأحمر، ولأنَّ الوصولَ إلى هذه المنطقة يمنحهم قدراتٍ عسكرية واستخباراتية لمراقبة تحرّكات الحوثيين والإيرانيين، حتى من دون إقامة قواعد دائمة. وفي المقابل، كانت إيران والحوثيون قد طوّروا علاقات في القرن الأفريقي، شملت أيضًا حركة “الشباب” في الصومال. هكذا، نرى امتداد التنافسات الشرق أوسطية إلى أطراف المنطقة في شرق أفريقيا، ما يجعل انتكاسات الإمارات في اليمن ذات دلالة خاصة لإسرائيل ضمن هذا السياق الأوسع.
في السياق السوري، تلقّى التفاهم التركي–السعودي حول ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة السورية زخمًا إضافيًا بعدما دفعت القوات التركية “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ذات القيادة الكردية، إلى الانسحاب لما وراء نهر الفرات. وقد عُدّ هذا التطوُّر انتصارًا على الرؤية الإسرائيلية الساعية إلى تفكيك سوريا. ويتجلّى هذا التوجّه الإسرائيلي في إصرار تل أبيب على لعب دور “حامي الدروز” داخل سوريا، غير أنّ وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر كان الأوضح في التعبير عن هذا التفكير. فمنذ نحو عام، أعلن ساعر تأييده لنظامٍ فيدرالي في سوريا، تقوم فيه الأقليات العرقية والطائفية بإدارة مناطق ذات حكم ذاتي بزعم حماية نفسها. ولم يكن مستغربًا أن يرى منتقدون في هذا الطرح إحياءً لفكرةٍ إسرائيلية قديمة تقومُ على تفتيت الدول العربية لتعزيز أمن إسرائيل. وقبل ذلك بأشهر، عبّر ساعر أيضًا عن دعمه للأكراد في شمال شرق سوريا، واصفًا إياهم بأنهم “أمة عظيمة، من أعظم الأمم التي لم تنل استقلالها السياسي بعد… إنهم حلفاؤنا الطبيعيون”.
في المقابل، لم تتوقف تركيا عن توجيه انتقادات حادة لإسرائيل بسبب ممارساتها في غزة. ففي آب (أغسطس) من العام الماضي، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أنَّ أنقرة قطعت علاقاتها التجارية مع إسرائيل بالكامل، كما أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية. وقد جاء هذا القرار ليؤكد ويُعزّز خطوةً سابقة اتُّخِذَت في أيار (مايو) 2024 بوقف العلاقات التجارية الثنائية المباشرة. لكن الموقف المتشدد لم يقتصر على تركيا وحدها؛ فبعد قصف إسرائيل مكتبًا تابعًا لحركة “حماس” في قطر في أيلول (سبتمبر) الماضي، بدأت الرياض تنظرُ إلى إسرائيل بوصفها خصمًا إقليميًا رئيسًا. وقد رأت المملكة في ذلك الهجوم محاولةً لفرض الهيمنة، ولا سيما على دول الخليج، بعد أن أشعلت تل أبيب حربًا مع إيران في حزيران (يونيو) الماضي وجرّت الولايات المتحدة إلى أتونها.
وقد قرأت القوى الإقليمية الرئيسة الانتفاضة الأخيرة في إيران من الزاوية ذاتها. فالسعودية، حين سعت إلى ثني الولايات المتحدة عن مهاجمة إيران كما هدّد الرئيس دونالد ترامب، استندت إلى فرضيتين أساسيتين: الأولى أنَّ انزلاقَ إيران إلى الفوضى سينعكس سلبًا على الاستقرار الإقليمي عمومًا، وعلى الاستقرار السعودي خصوصًا. والثانية، وربما الأهم، أنَّ انهيار الدولة الإيرانية قد يُحدِثُ اختلالًا حادًا في موازين القوى لمصلحة إسرائيل. ولا يعني ذلك أنَّ الرياض ستأسف لسقوط النظام الإيراني، لكن إيران، في وضعها الراهن، تمثّل ثقلًا موازنًا محتملًا لإسرائيل، ولا ترغب السعودية في أن تكون تل أبيب المستفيد الأكبر من أيِّ تفكُّك إيراني.
وثمّة عاملٌ إضافي لا يمكن إغفاله. فقد توالت تقارير عن علاقات إسرائيلية مع انفصاليين بلوش في محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية، وهو ما قد يخلق أزمات متشابكة لكلٍّ من إيران وباكستان. كما وُجِّهَت اتهاماتٌ لإسرائيل بتسليحِ جماعاتٍ في تلك المحافظة قبيل الانتفاضة الأخيرة، وهو اتهامٌ تبنّته السلطات الإيرانية أيضًا. وعلى الرُغم من أنَّ هذه المعطيات لم تُحسَم بعد، فإنَّ تصعيدَ التمرُّد البلوشي داخل إيران، من منظورٍ سعودي، قد يُعرّض باكستان لمخاطر أمنية جدية. وهذا أمرٌ بالغ الحساسية، نظرًا إلى كون إسلام آباد شريكًا رئيسًا للرياض في اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك المُوَقَّعة في أيلول (سبتمبر) 2025، التي ترمي إلى تعميق التعاون الدفاعي بين البلدين ووضع أُسُسٍ للدفاع المشترك في حال اندلاع حرب.
دروسٌ للبنان
أما الدروس التي يمكن للمسؤولين اللبنانيين استخلاصها من التجارب اليمنية والسورية والإيرانية، فهي بالغة الوضوح. فالانحيازُ إلى إسرائيل من شأنه أن يُحوِّلَ لبنان إلى ساحةِ صراعٍ إقليمي مفتوحة، وهو عبءٌ لا طاقةَ للبلاد على تحمّله. وأيُّ محاولة أميركية أو إسرائيلية لإدخال لبنان في دائرة النفوذ الإسرائيلي ستُواجَه باعتبارها تحدّيًا مباشرًا من قِبل خصوم إسرائيل، ولا سيما أنَّ لبنان يُعَدُّ امتدادًا استراتيجيًا لسوريا، التي يُشكّلُ استقرارها مسألة حيوية لكلٍّ من أنقرة والرياض. وفي هذا الإطار، يُمكن للبنانيين استثمار هذا الواقع لتأمين هامش مناورة أوسع في تعاملهم مع إسرائيل، مستفيدين من النفوذ القوي الذي يتمتّع به كلٌّ من السعوديين والأتراك في واشنطن. غير أنَّ هذا المسار أسهل نظريًا منه عمليًا، وقد يتطلّب في المقابل اتخاذَ خطواتٍ تُرضي الأميركيين، مثل تحقيق تقدُّم ملموس في ملف نزع سلاح “حزب الله” وتعزيز حضور الجيش اللبناني جنوب صيدا.
كذلك يتعيّن على اللبنانيين الحرص على بقاء فرنسا والأمم المتحدة طرفَين فاعِلَين في أيِّ آليةٍ للتطبيع، ومنعِ تهميشِ دورهما لمصلحة احتكارٍ أميركي–إسرائيلي لهذا المسار. صحيح أنَّ هامشَ تأثير كلٍّ منهما يبقى محدودًا، إلّا أنَّ رفضَ حصر العملية بواشنطن وتل أبيب يُتيحُ للبنان تفادي الوقوع في فخِّ “السلام القسري”. كما إنَّ ذلك من شأنه أن يُكرّسَ التزام بيروت بإطار الأمم المتحدة الديبلوماسي الخاص بلبنان، ويعكسُ استعداد اللبنانيين لتنفيذ قرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرارين 1559 و1701.
وفي الوقت نفسه، تفرض مكامن الضعف البنيوية في لبنان انتهاج ديبلوماسية إقليمية أكثر فاعلية، بهدف بناء شبكة حلفاء تسنده في مواجهة الأجندة الأميركية والإسرائيلية. فإلى جانب تركيا والسعودية، يُمكنُ لدولٍ مثل مصر وقطر والأردن، التي تتمتّع جميعها بنفوذٍ مُعتَبَرٍ في واشنطن، أن تلعبَ دورًا داعمًا للبنانيين في مسعاهم لتجنُّبِ التطبيع. وإذا ما لجأت إسرائيل إلى استغلالِ هذا الموقف ذريعةً لاستئنافِ حملةِ قصفٍ أشدّ كثافة، فإنَّ هذه الدول ستكونُ حلفاء قيِّمين في ممارسة الضغط على إدارة ترامب لكبح اندفاعة الإسرائيليين.
ومن جهته، لا يُسهِّلُ “حزب الله” مهمة الدولة اللبنانية، إذ يرفض حتى الآن نزعَ سلاحه في المرحلة الثانية الوشيكة من خطة الجيش الرامية إلى احتكار الدولة للسلاح، وهي المرحلة التي تشمل المنطقة المُمتدّة بين نهرَي الليطاني والأوّلي. وبفعل ذلك، قد يجدُ لبنان نفسه مُضطَرًّا إلى خوضِ حوارٍ أطول وأكثر تعقيدًا مع إيران حول ترسانة الحزب. والردُّ التقليدي على هذا الاحتمال هو أنَّ طهران لن تُوافق على نزع سلاح “حزب الله”، لأنها لا ترغب في التفريط بورقةٍ إقليمية ثمينة من دون مقابل. قد يكون هذا التقدير صحيحًا، غير أنَّ هجومًا إسرائيليًا جديدًا قد لا يُجَرِّد إيران من هذه الورقة فحسب، بل قد يَجعَلُ من شبه المستحيل على لبنان الإفلات من ضغطٍ أميركي–إسرائيلي مُنَسَّق لإرغامه على الالتحاق بإسرائيل. ومن مصلحة إيران، بصفتها قوة إقليمية كبرى، أن تُدرِكَ أنَّ لها مصلحة مُماثلة لمصلحة تركيا والسعودية في الحؤول دون حدوث مثل هذا السيناريو.
وفي هذا السياق، ينبغي أن يشكّل ازدراء الولايات المتحدة وإسرائيل للقانون الدولي ولمبدَإِ السيادة إنذارًا واضحًا للمسؤولين في بيروت. فكلتاهما لا تُبدي أيََّ اهتمامٍ بسلامٍ حقيقي مع لبنان؛ إذ إنَّ طموحهما هو الإخضاع وفرض الاستسلام تحت ستار السلام. وإذا أراد لبنان استعادة سيادة مؤسّساته، فلا يمكن أن يقتصرَ ذلك على جمع أسلحة “حزب الله” وحدها؛ فعدوُّ الحزب اللدود لا يقلُّ خطرًا عنه على سيادة الدولة اللبنانية.
- مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.