اعترافٌ يَهزُّ الخرائط: كيفَ فجَّرَت إسرائيل ملفَّ “أرض الصومال” وعَرَّت نظامَ السيادةِ الدولي
لم يَكُن اعترافُ إسرائيل بـ”أرض الصومال” خطوةً ديبلوماسية عابرة، بل شرارة أعادت فَتحَ أحد أخطر الملفّات في النظام الدولي المعاصر: مَن يَملُك حق إعادة رسم الحدود؟ وبين حسابات الأمن، وصراعات النفوذ، وتآكل قواعد ما بعد الحرب الباردة، تتكشّفُ تداعياتُ قرارٍ قد يتجاوزُ القرن الأفريقي ليطال أُسُس النظام الدولي نفسه.

ليزلي آن وارنر*
في خطوةٍ فجّرت عاصفةً من ردود الفعل الدولية، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأسبوع الماضي، إقامةَ علاقات ديبلوماسية كاملة مع جمهورية “أرض الصومال” (صوماليلاند) الانفصالية في شمال غربي الصومال. ولم تمضِ 48 ساعة حتى توالت بيانات الإدانة، إذ عبّر كلٌّ من الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية في شرق أفريقيا، التي تضمُّ الصومال، عن رفضهما القاطع لهذه الخطوة. كما وقّعت عشرون دولة أفريقية وشرق أوسطية بيانًا مشتركًا دان ما وصفته بـ”الاعتراف غير القانوني”، فيما عقدت جامعة الدول العربية جلسةً طارئة لمناقشة التطوّرات. وعلى المستوى الدولي، نجحت الصومال، بصفتها عضوًا غير دائم في مجلس الأمن، في استصدارِ جلسةٍ طارئة للمجلس يوم الاثنين، عبّر خلالها معظم الأعضاء —باستثناء الولايات المتحدة— عن معارضته لإعلان تل أبيب.
وتعودُ جذورُ الأزمة إلى العام 1990، حين أعلنت “أرض الصومال” انفصالها من جانبٍ واحد، وظلّت منذ ذلك الحين كيانًا يُمارِسُ وظائف الدولة بحُكمِ الأمر الواقع من دون أن يحظى بأيِّ اعترافٍ دولي رسمي حتى الإعلان الإسرائيلي الأخير. وبالنسبة إلى مقديشو، التي تؤكّدُ سيادتها على الإقليم باعتباره جُزءًا لا يتجزَّأ من أراضيها المُعترَف بها دوليًا، يأتي هذا التطوُّرُ في توقيتٍ بالغ الحساسية. فالحكومة الفيدرالية تخوضُ معركةً مفتوحة لاحتواءِ هجومٍ واسع تقوده حركة “الشباب” الإسلامية المُتطرِّفة، في وقتٍ تُعاني بعثةُ دعم السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي عجزًا ماليًا خطيرًا، نتيجةَ تقليص الإنفاق وتأخُّر تدفُّق المساعدات من الأمم المتحدة والمانحين. ويُنذِرُ هذا النقص بتقويض قدرة البعثة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الدول المساهمة بالقوات، وعلى تنفيذِ عملياتٍ ميدانية فعّالة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة.
ويزدادُ المشهدُ تعقيدًا مع احتدامِ التوتّرات بين الحكومة الفيدرالية الصومالية والولايات الأعضاء، في وقتٍ تستعدُّ البلاد لاستحقاقٍ انتخابي مفصلي يُفتَرَضُ إجراؤه بحلول أيار (مايو) 2026 وفق الدستور. وتتركّز الخلافاتُ الأساسية حول مشروعِ إصلاحٍ دستوري مطروح، ومساعي الرئيس حسن شيخ محمود إلى اعتماد الاقتراع العام المباشر بدل النظام الانتخابي غير المباشر القائم على المحاصصة العشائرية. وتنظر ولايتا “بونتلاند” و”جوبالاند”، على وجه الخصوص، إلى هذه التغييرات باعتبارها مساسًا باستقلاليتهما، فيما ترى هاتان الولايتان، إلى جانب قوى معارضة أخرى، أنَّ شعارَ “صوت واحد لكلِّ شخص” ليس سوى مناورة لتمديد ولاية الرئيس محمود. وقد انزلقت هذه الخلافات في أكثر من مناسبة إلى مواجهاتٍ مسلّحة، ما أضعفَ التنسيقَ الأمني وأعادَ توجيه الموارد بعيدًا من جهود مكافحة الإرهاب.
وفي هذا السياق الهشّ، يُرَجَّحُ أن يُسهِمَ قرارُ إسرائيل بالاعترافِ ب”أرض الصومال” في تعميقِ هشاشةِ دولةٍ تقفُ أصلًا على حافة التفكُّك، ضمنَ إقليمٍ تتسارعُ فيه بُؤَرُ الاضطراب. كما يُوَجِّهُ القرارُ ضربةً إلى القواعد والمعايير الدولية التي تقوم على أولوية صون وحدة أراضي الدول وسيادتها.
الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية
من زاوية تل أبيب، يُمكِنُ قراءةُ هذه الخطوة كجُزءٍ من استراتيجيةٍ أوسع للردِّ على الحوثيين في اليمن، الذين كثّفوا هجماتهم على السفن التجارية في مضيق باب المندب منذ اندلاع الحرب في غزة في تشرين الأول (أكتوبر) 2023. وبعد أن نجحت إسرائيل في إضعاف جماعاتٍ مسلّحة أخرى مدعومة من إيران، مثل “حزب الله” في لبنان و”حماس” في غزة، يُتيحُ لها الاعتراف بـ”أرض الصومال” توسيعَ هامش المناورة لاستهدافِ البنية التحتية العملياتية المُرتبطة بالحوثيين، بما في ذلك مسارات تهريب السلاح عبر الموانئ الصومالية. وفي موازاة ذلك، تتداول أوساطٌ إقليمية ودولية تكهّناتٍ مُقلقة —لم يُؤكَّد أيٌّ منها رسميًا— حول احتمال بحث “أرض الصومال” كوجهةٍ لإعادة توطين فلسطينيين نزحوا أو قد يُهجَّرون قسرًا من غزة.
وبكونها الطرف الأول الذي كَسَرَ عُزلةَ “أرض الصومال” الديبلوماسية الممتدة على مدى 35 عامًا، تتحمّلُ إسرائيل وحدها الكلفة السياسية لخَرقِ مَبدَإِ حرمة الحدود الذي كرّسه الميثاق التأسيسي ل”منظمة الوحدة الأفريقية”، السلف التاريخي للاتحاد الأفريقي، بهدف الحيلولة دون تفكُّك القارة السمراء بفعلِ النزعات الانفصالية. غير أنَّ هذا الخرقَ قد يتحوَّلُ إلى سابقةٍ تُشجّعُ دولًا أخرى، ترى في قيام دولة “أرض الصومال” مصلحة مباشرة لها، على اتِّخاذِ خطواتٍ مُماثلة، الأمرُ الذي قد يفضي إلى تداعياتٍ إقليميّة أوسع وأكثر تعقيدًا.
يتعيَّن على الإمارات العربية المتحدة، التي عمّقت شراكتها مع إسرائيل خلال الأعوام الأخيرة وتملُكُ استثماراتٍ واسعة على امتداد البحر الأحمر، أن تحسمَ موقفها من مسألة الاعتراف بـ”أرض الصومال”: هل يخدم ذلك مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى، أم أنه قد يُعرّضُ نفوذها التجاري والعسكري القائم داخل الصومال لمخاطر غير محسوبة؟ وفي الاتجاه نفسه، تبرز إثيوبيا، الدولة غير الساحلية، التي أبدت في السنوات الماضية اهتمامًا متزايدًا بالاعتراف بـ”أرض الصومال” ضمن مساعي رئيس وزرائها آبي أحمد لتأمين منفذٍ إلى البحر الأحمر. غيرَ أنَّ الخطوة الإسرائيلية الأخيرة وفّرت لأديس أبابا غطاءً ديبلوماسيًا يُخفّفُ عنها عبء أن تكونَ أول مَن يكسرُ إجماع الاتحاد الأفريقي حول مَبدَإِ السلامة الإقليمية.
ماذا ستفعل الأمم المتحدة؟
يختتم الصومال عام 2025 وهو في وَضعٍ يشي بتناقُضٍ لافت. فبعد فوزه بأول مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي منذ نحو خمسين عامًا، كان يُفتَرَضُ أن يمتلكَ هامشًا واسعًا للدفاع عن مصالحه الوطنية خلال ولايته المُمتَدّة لعامين حتى كانون الأول (ديسمبر) 2026. إلّا أنَّ هذا المكسب الديبلوماسي يتزامَنُ مع اختناقاتٍ داخلية عميقة وتهديدٍ مُتجدِّد لسلامة أراضيه. ويُضافُ إلى ذلك أنَّ قدرةَ الصومال على المناورة داخل مجلس الأمن الدولي الذي يُعاني أصلًا من شللٍ مُزمِن تظلُّ محدودة، في ظلِّ تسجيل عام 2024 أدنى عددٍ من القرارات الصادرة عن المجلس منذ العام 1991.
ومع ذلك، تَلوحُ أمام مقديشو نافذةٌ سياسيّة مهمّة، إذ ستتولى الرئاسة الدورية لمجلس الأمن مع مطلع الشهر الجاري (كانون الثاني/يناير)، ما يمنحها سلطة التأثير في جدول أعمال هذا الشهر، ويُتيحُ لها منصّة دولية بارزة لطرح موقفها والدفاع عن مبدَإِ وحدة الأراضي الصومالية في مواجهةِ التحدّيات المُتصاعدة.
سيشهدُ مجلسُ الأمن الدولي تبدُّلًا في تشكيلةِ أعضائه العشرة غير الدائمين، مع خروجِ غيانا والجزائر وسيراليون —وجميعها أيدت الموقف الصومالي — ودخول البحرين. وتكتسبُ هذه النقلة دلالةً خاصة، إذ إنَّ البحرين، بخلاف الجزائر، لم تُوَقِّع على البيان المشترك الصادر عن جامعة الدول العربية الذي دانَ اعترافَ إسرائيل بـ”أرض الصومال”. وبوصفها دولةً مُوقِّعة على اتفاقيات أبراهام الأصلية إلى جانب الإمارات العربية المتحدة —التي لا تشغل حاليًا مقعدًا في المجلس— يُستبعَدُ أن تميلَ المنامة إلى تبنّي مواقف حازمة ضد الخطوات الإسرائيلية.
ومحصلة ذلك أنَّ السيناريو الأرجح لما تبقّى من ولاية الصومال في مجلس الأمن هو أن يتحوَّل المجلس إلى مساحةٍ لتدوين الاعتراضات وتفريغ المظالم، أكثر منه ساحة فاعلة لتسوية النزاعات أو كبح مسارات التصعيد.
نظامٌ يتفكّك
في نهاية المطاف، قد يتجاوز وزنُ لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مارا لاغو (ميامي)، يوم الاثنين، أثرَ الجلسة التي عقدها مجلس الأمن الدولي وما صدر عنها في اليوم نفسه. فقد أتاحَ اللقاء لنتنياهو فُرصةَ توجيه نداء مباشر إلى واشنطن للانضمام إلى إسرائيل في الاعتراف بـ”أرض الصومال”. وإذ سبقَ للزعيمَين أن نسَّقا في مساعي احتواء شبكة إيران بالوكالة، ولم يُخفِ ترامب امتعاضه من الصومال، تبدو الخطوةُ المُحتَمَلة —إن حصلت— غير مسبوقة في تبعاتها.
وبالفعل، رجّحَ عددٌ من المراقبين لشؤون القرن الأفريقي أنَّ عودة ترامب إلى البيت الأبيض هذا العام قد تفضي إلى اعترافٍ أميركي بـ”أرض الصومال”. فقد أوصى مشروع 2025، وهو المخطط الذي صاغته مؤسسة التراث اليمينية المحافظة ونُشِرَ خلال حملة ترامب الانتخابية، صراحةً بأن تعترفَ الإدارة الجمهورية المقبلة بـ”أرض الصومال” بوصف ذلك ضمانةً لمواجهة ما اعتبره تراجعًا في الموقف الأميركي داخل جيبوتي، الدولة ذات الموقع الاستراتيجي قرب باب المندب والتي تستضيف قاعدتين عسكريتين أميركية وصينية. ومع ذلك، ورُغمَ هذا الدعم داخل أوساط السياسة الخارجية الجمهورية، لم تتصدّر “أرض الصومال” أجندة الرئيس. بل إنَّ ترامب، حين سُئل عن قرار إسرائيل، علّق ساخرًا: “هل يعرف أحدٌ حقًا ما هي “أرض الصومال”؟”.
هنا، يبرز السودان بوصفه مثالًا كاشفًا. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الشهر الماضي، أنَّ الولايات المتحدة ستُكثِّفُ جهودها لإنهاء النزاع السوداني، استجابةً لطلب شخصي من ولي العهد السعودي الأمير محمّد بن سلمان خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن. وعلى المنوال ذاته، لا يُستَبعَدُ أن يُقدِمَ ترامب في الأشهر المقبلة على تعديل السياسة الأميركية الرسمية تجاه الصومال، لا نتيجةَ مسارٍ مؤسّسي مدروس تشارك فيه الوكالات المعنية، بل استجابةً مباشرة لطلبٍ من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وإذا ما حدث ذلك، فإنَّ تداعياته ستتجاوز بكثير حدود القرن الأفريقي. فالاعتراف الأميركي المُحتَمَل سيُكرّسُ سابقةً تُعاد فيها صياغة مفاهيم السيادة والوحدة والسلامة الإقليمية وفقًا لأولويات القوى العظمى ومصالحها الاستراتيجية، سواء تعلّق الأمر بالمنافسة الجيوسياسية مع الصين، أو باحتواء وكلاء إيران، أو حتى بإعادة توطينِ سكانٍ جرى تهجيرهم قسرًا على يد حليفٍ رئيس. ويختلف هذا المسار جذريًا عن الإطار الذي سادَ مرحلة ما بعد الحرب الباردة لتنظيم نشوء الدول، وهو الإطار الذي أتاحَ لكياناتٍ مثل إريتريا وجنوب السودان نيل الاعتراف الدولي عبرَ مزيجٍ من الانتصار العسكري، والتسويات التفاوضية، والاستفتاءات الخاضعة لرقابةٍ دولية.
وإذا ما قرّرت دولٌ أخرى أن تحذو حذو إسرائيل، فإنَّ الخطَّ الفاصل الذي كان يُميّزُ “أرض الصومال” عن أقاليم غير مُعتَرَف بها، مثل أمبازونيا وبيافرا وأوسيتيا الجنوبية، سيغدو شديد الضبابية، إن لم يختفِ تمامًا. فبعد أن حازت “أرض الصومال” اعترافًا من دون استيفاء المعايير الإجرائية التقليدية، لم يَعُد السؤال المطروح هو: “لماذا أرض الصومال؟” بل بات: “لماذا لا يُمنح الاعتراف في أيِّ مكانٍ آخر؟”.
- الدكتورة ليزلي آن وارنر هي مسؤولة أميركية سابقة في مواقع حكومية رفيعة، ومتخصصة في شؤون الأمن والحوكمة في أفريقيا. شغلت مناصب في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ووزارة الخارجية الأميركية، كما عملت عضوًا في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب. يمكن متابعتها عبر منصة Substack، والتواصل معها على حسابها: bsky.social.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.