كابي طبراني*
ليست الانتخابات دائمًا مجرّد منافسة على السلطة، بل قد تتحوّل إلى لحظاتٍ فاصلة تكشف اتجاهات التاريخ وتُعيدُ رسمَ موازين القوة. وهذا ما توحي به أربع محطات انتخابية متلاحقة في البرازيل وصربيا وإسرائيل والولايات المتحدة، تتباعد جغرافيًا وتختلف سياسيًا، لكنها تلتقي عند سؤالٍ جوهري: هل ما زالت صناديق الاقتراع قادرة على تغيير مسار الدول، أم أنَّ مراكز النفوذ والانقسامات الداخلية باتت أقوى من إرادة الناخبين؟
في البرازيل، حقّق الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا انتصارًا لافتًا على منافسه اليميني فلافيو بولسونارو، بحصوله على نحو 51.8 في المئة من الأصوات، ليضمن ولاية رابعة غير متتالية. وجاء فوزه مخالفًا لموجة صعود اليمين في أميركا اللاتينية، ومؤكدًا أنَّ المنطقة لم تحسم خياراتها السياسية لمصلحة اتجاهٍ واحد.
لكنَّ الدلالة الأعمق لهذا الانتصار تتجاوز الصراع بين اليمين واليسار. فلولا يُدافع عن استقلالية القرار البرازيلي، ويرفض التعامل مع أميركا اللاتينية باعتبارها مجالًا حصريًا للنفوذ الأميركي. وفي عالمٍ تتصاعد فيه المنافسة بين القوى الكبرى، يمنح استمراره في السلطة وزنًا إضافيًا للدول الساعية إلى توسيع هامش حركتها الدولية، والحفاظ على التعددية في العلاقات الدولية.
غير أنَّ الانتصار الانتخابي لا يضمن القدرة على الحكم. فالرئيس البرازيلي سيواجه “كونغرسًا” تَعَزَّزَ فيه حضور المحافظين، واقتصادًا يرزح تحت أعباءِ المديونية، ومعارضة لم تتقبّل الهزيمة بسهولة. وهنا تتجلّى إحدى مفارقات الديموقراطية المعاصرة: يستطيع الناخبون تجديد الشرعية السياسية، لكنَّهم لا يستطيعون بالضرورة إزالة العقبات التي تعترض ممارستها.
في صربيا، حملت الانتخابات رسالة مختلفة. فقد نجحت حركة طلابية، نشأت من الاحتجاج على الفساد وسوء الإدارة، في تحقيق انتصارٍ برلماني أنهى هيمنة سياسية استمرت سنوات طويلة. ولم يكن العامل الحاسم مجرّد الغضب الشعبي، بل قدرة الطلاب على تحويل الاحتجاج إلى مشروعٍ سياسي منظّم، قائم على الانضباط واللاعنف واستقطاب شخصيات مستقلة تحظى بثقة المجتمع.
تكمن أهمية التجربة الصربية في أنَّها أعادت الاعتبار إلى العمل السياسي بوصفه وسيلة للتغيير، بعدما بدا الشارع في مجتمعات كثيرة عاجزًا عن تحويل احتجاجاته إلى نتائج مؤسسية. لكنَّ النجاح في إلحاق الهزيمة بمنظومةٍ سياسية لا يساوي النجاح في بناء بديل منها. فالمنتصرون سيواجهون أجهزة إدارية وأمنية تشكّلت خلال سنوات الحكم السابق، فضلًا عن تحديات اقتصادية وإقليمية معقّدة.
لصربيا أهمية تتجاوز حدود البلقان. فقد شكّلت خلال السنوات الماضية مساحة نفوذ روسية وصينية داخل أوروبا، فيما حافظت على علاقات متشابكة مع الاتحاد الأوروبي وواشنطن. لذلك، فإنَّ التحوّل السياسي في بلغراد قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب بعض التوازنات الإقليمية، لكنه لن يمحو بسهولة الإرث القومي والخلافات المرتبطة بكوسوفو، ولا شبكات المصالح التي ترسّخت داخل مؤسسات الدولة.
أما إسرائيل، فقد كشفت انتخاباتها حدود قدرة الاقتراع على حسم الصراع السياسي. فرُغمَ خسارة بنيامين نتنياهو وحلفائه الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة، لم تتمكن المعارضة من الحصول على أكثرية تُتيح لها تقديم بديل حكومي متماسك. وهكذا بقي نتنياهو لاعبًا محوريًا، ليس لأنَّه حقّق انتصارًا حاسمًا، بل لأنَّ خصومه عجزوا عن تحويل اعتراضهم عليه إلى مشروعٍ سياسي قادرٍ على الحُكم.
الواقع أنَّ هذه المُعضلة تنعكسُ مباشرة على الشرق الأوسط، فإسرائيل تواجه استحقاقات تتعلق بغزة والضفة الغربية وإيران والعلاقات مع الدول العربية. وقد يفتح تشكيل حكومة يمين وسط مجالًا لمراجعة بعض السياسات، بينما قد يؤدي استمرار الانسداد إلى انتخاباتٍ جديدة وإطالة أمد عدم اليقين.
لكنَّ الرهان على تبدّل الائتلافات الإسرائيلية يجب ألّا يحجب حقيقة أنَّ التوافقات الأمنية والعسكرية تتجاوز الخلافات الحزبية. فتغيير الحكومة لا يعني تلقائيًا تغيير السياسة تجاه الفلسطينيين، ولا يضمن تراجع احتمالات المواجهة الإقليمية. والأخطر أنَّ الحسابات المرتبطة ببقاء نتنياهو السياسي قد تتداخل مع قرارات عسكرية وأمنية تتجاوز آثارها الحدود الإسرائيلية، في منطقةٍ لم تعد تحتمل مزيدًا من الحروب المفتوحة.
تبقى الولايات المتحدة المحطة الأكثر تأثيرًا في المشهد الدولي. فالانتخابات النصفية المقررة في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) قد تُحدِثُ تحوّلًا كبيرًا في موازين القوى داخل واشنطن، بعدما أظهرت استطلاعات الرأي ونماذج التوقعات تقدّم الديموقراطيين واحتمال استعادتهم السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ معًا، وإن بقيت المنافسة على مجلس الشيوخ أشد تقاربًا وأقل قابلية للحسم.
إذا تحقق هذا السيناريو، فسيواجه الرئيس دونالد ترامب “كونغرسًا” معارضًا قادرًا على تعطيلِ جانبٍ من أجندته التشريعية، وتشديد الرقابة على إدارته، وفتح تحقيقات في سياساته الداخلية والخارجية. وستكتسب سيطرة الديموقراطيين المحتملة على مجلس الشيوخ أهمية إضافية، نظرًا إلى دوره في المصادقة على التعيينات العليا والقضائية، ما قد يُقيّد قدرة ترامب على إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق أولوياته.
قد تمتدُّ تداعيات هذا التحوّل إلى الحرب مع إيران، والعلاقات مع الحلفاء الأوروبيين، والسياسات التجارية والاقتصادية، وصولًا إلى مستقبل الدعم الأميركي لأوكرانيا. غير أنَّ انتقال الأغلبية البرلمانية إلى المعارضة لن يسلبَ الرئيس صلاحياته التنفيذية الواسعة، ولا سيما في السياسة الخارجية، بل قد يفتح مرحلة من المواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس، بما تحمله من احتمالات التعطيل والمساومات السياسية.
لكن الصورة في هذه الحالة تزداد تعقيدًا لأنَّ الديموقراطيين أنفسهم لا يمتلكون رؤية موحّدة في ملفات أساسية، من الضرائب والرعاية الصحية إلى إسرائيل والسياسة الخارجية. كما أنَّ التشكيك في نزاهة الانتخابات واحتمال الطعن بنتائجها يثيران مخاوف تتجاوز المنافسة الحزبية إلى الثقة بالمؤسسات الدستورية. وهكذا قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مفارقة جديدة: أغلبية معارضة قادرة على تقييد الرئيس، لكنها غير قادرة بالضرورة على تقديم بديل سياسي متماسك.
ما يجمع هذه التجارب الأربع ليس انتصار اليمين أو اليسار، ولا صعود جيل سياسي على حساب آخر، بل اتساع الفجوة بين الشرعية الانتخابية والقدرة الفعلية على ممارسة السلطة. ففي البرازيل تحدّ المؤسسات المنقسمة من حرية الرئيس، وفي صربيا يواجه المنتصرون امتحان إصلاح الدولة، وفي إسرائيل يمنع التشرذم إنتاج سلطة مستقرة، بينما تختبر الولايات المتحدة قدرة نظامها الدستوري على احتواء الاستقطاب.
إنَّ تداعيات هذه التحوّلات تتجاوز حدود الدول الأربع. فالعالم يعيش مرحلةً تتراجع فيها المسلّمات القديمة، وتتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ، فيما تبحث المجتمعات عن قيادات تستطيع الجمع بين الاستقرار والتغيير. ولم تعد نتائج الانتخابات شأنًا داخليًا خالصًا، لأنَّ قرارات الحكومات الكبرى والمتوسطة تنعكس على الحروب والتحالفات والتجارة والطاقة والأمن الدولي.
قد لا تُغيّر هذه الانتخابات وجه العالم بين ليلة وضحاها، لكنها تكشف أنَّ الصراع لم يعد يدور حول مَن يصل إلى السلطة فحسب، بل حول مَن يمتلك القدرة على استخدامها، ومَن يحدّد حدودها، وكيف تتحوّل الإرادة الشعبية إلى قراراتٍ قابلة للتنفيذ.
إنَّ العالم لا يتغيّر بمجرّد تبدّل الحكّام، وإنما عندما تتبدّل موازين القوة التي تحكم قراراتهم.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ ستة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). وأخيرًا “أمن الخليج في زمن التحولات الكبرى”: البحث عن نظام استراتيجي جديد”، (2026). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
