كابي طبراني*
ليست أخطر خسائر الحروب تلك التي يُمكن إحصاؤها بالدولارات، بل تلك التي تُفقِدُ المجتمعات قدرتها على النهوض من جديد. فالمباني يمكن إعادة تشييدها، والطرق إصلاحها، والمصانع تجهيزها بآلات جديدة. أمّا السنوات الضائعة من التعليم والعمل والإنتاج، والمهارات التي تتآكل تحت وطأة النزوح والفقر، والثقة التي تتبدّد بالمستقبل، فلا يمكن استعادتها بمؤتمرٍ للمانحين أو بقرارٍ تمويلي. فالدمار لا يقتصر على ما أنجزته المجتمعات، بل قد يمتدّ إلى ما كان يمكن أن تنجزه لو أُتيحت لها فرصة الحياة والنمو.
هذه هي الحقيقة التي يضعنا أمامها تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للاحتلال الإسرائيلي، الذي أعدّته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (“الإسكوا”)، وقُدِّمَ إلى الجمعية العامة في 16 تشرين الأول (أكتوبر) 2026. فخلف الأرقام التي توثّق الدمار في قطاع غزة وتدهور الأوضاع في الضفة الغربية، تبرز مأساة اقتصادية أعمق: إنّ الفلسطينيين لا يخسرون مقوّمات حياتهم الحاضرة فحسب، بل تتقلّص أمامهم أيضًا فرص بناء مستقبل اقتصادي قابل للاستمرار.
تبدو الأرقام أقرب إلى وصفِ انهيارٍ شامل منها إلى قياس آثار حرب. فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي في غزة بنسبة 84 في المئة في العام 2025 مقارنة بالعام 2023، فيما تُقدَّر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال العقد المقبل. والأشدّ دلالة أنّ التنمية البشرية في القطاع تراجعت، وفق التقديرات، 77 عامًا إلى الوراء. وهذه ليست مجرّد خسارة سنوات من النمو، بل تقويض لتراكم تنموي احتاج إلى أجيال لبنائه.
وتكشف المؤشرات الاجتماعية عمق هذا الانهيار. فقد بلغت البطالة في الأراضي الفلسطينية المحتلة 46 في المئة في العام 2025، وارتفعت إلى 78 في المئة في غزة. كما بقي نحو 700 ألف طفل في سنّ الدراسة خارج التعليم النظامي، فيما لم يكن هناك سوى 18 مستشفى من أصل 36 يعمل بصورة جزئية حتى كانون الثاني (يناير) 2026. وهي أرقام لا تعبّر عن أزمة معيشية راهنة فحسب، بل تُنذر بآثار طويلة الأمد على التعليم والصحة والإنتاجية، أي على رأس المال البشري الذي يشكّل الأساس الحقيقي لأيّ نهضة اقتصادية.
إنَّ الركود، مهما اشتدّ، يفترض بقاء قاعدة إنتاجية يمكن تنشيطها عندما تتحسّن الظروف. أمّا في غزة، فقد امتدّ الدمار من المصانع والمساكن والمرافق العامة إلى المقوّمات البشرية والمؤسسية للنشاط الاقتصادي. وهكذا، لم يعد التحدّي استعادة مستوى سابق من الإنتاج، بل إعادة إيجاد الشروط التي تجعل الإنتاج ممكنًا أصلًا.
من هنا، فإنّ اختزال مستقبل غزة في إعادة الإعمار ينطوي على قصورٍ جوهري. فإعادة بناء ما تهدّم ضرورة إنسانية واقتصادية لا تحتمل التأجيل، لكنها ليست مرادفًا للتنمية. يستطيع التمويل تشييد مصنع، لكنه لا يضمن تشغيله إذا تعذّر استيراد المواد الأولية أو تصدير المنتجات. ويمكن إعادة بناء المدارس، لكنّ ذلك لا يعوّض تلقائيًا سنوات التعليم الضائعة. كما أنّ إنشاء المساكن والمستشفيات لا يكفي لاستعادة الحياة الطبيعية إذا بقي السكان عاجزين عن الحركة والعمل والوصول إلى الخدمات الأساسية.
إنَّ الاقتصاد لا يقوم على المباني والمعدّات وحدها، بل على منظومة من المؤسسات والعلاقات والحوافز والثقة. يحتاج المستثمر إلى الاطمئنان إلى مستقبل أصوله، والعامل إلى الوصول إلى وظيفته، والمزارع إلى أرضه، والتاجر إلى أسواقه. وعندما تغيب هذه الشروط، تفقد الأموال قدرتها على التحوّل إلى استثمارات منتجة، مهما بلغت قيمتها.
وإذا كانت غزة تمثّل الصورة الأكثر مأسَاوية للانهيار، فإنّ الضفة الغربية تكشف وجهًا آخر للاستنزاف الاقتصادي. فالقيود المفروضة على الحركة، وتوسّع المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وهدم المنشآت، والضغوط المالية على المؤسسات الفلسطينية، لا تعرقل النشاط القائم فحسب، بل تحدّ من إمكانات نموّه. ويوثّق التقرير أكثر من ألفَي حادثة عنف ارتكبها مستوطنون وأدّت إلى إصابات أو أضرار في الممتلكات خلال الفترة التي شملها، إلى جانب التوسّع في المشاريع الاستيطانية في القدس الشرقية والمنطقة المصنّفة “جيم”.
لا تقتصر الكلفة الاقتصادية لهذه الممارسات على الممتلكات المتضرّرة أو الإنتاج المفقود، بل تشمل الاستثمارات التي لا تُنفَّذ، والشركات التي لا تُؤسَّس، وفرص العمل التي لا تُخلَق، والكفاءات التي تبحث عن مستقبل خارج اقتصادها الوطني. وهذه خسائر يصعب إدراجها في الحسابات التقليدية، لكنها قد تكون الأشدّ تأثيرًا في قدرة المجتمع على النهوض.
ولعلّ المفارقة الأكثر إيلامًا أنّ الفلسطينيين يُطالَبون، كما تُطالَب سائر الشعوب، ببناء اقتصاد منتج، وتحسين كفاءة مؤسساتهم، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتقليص الاعتماد على المساعدات. وهي أهداف مشروعة وضرورية، لكنّ تحقيقها يفترض امتلاك الحدّ الأدنى من مقوّمات التنمية: حرية الحركة والتجارة، وإمكان الوصول إلى الموارد، واستقرار بيئة الاستثمار، والقدرة على التخطيط للمستقبل. فلا يمكن مطالبة اقتصاد بتحقيق الاستقلال المالي بينما تظلّ إيراداته عُرضةً للتعطيل، ولا انتظار نموّ قطاع خاص تنافسي في بيئة تُقيَّد فيها حركة السلع والأفراد ورؤوس الأموال. كذلك، لا تستطيع الإصلاحات المؤسسية، مهما بلغت أهمّيتها، أن تعوّض غياب السيطرة الفعلية على المقوّمات الأساسية للنشاط الاقتصادي.
وتبرز هنا حدود المقاربة الدولية التي اعتادت التعامل مع الأزمات الفلسطينية من خلال المساعدات الإنسانية والتمويل الطارئ وبرامج إعادة الإعمار. فهذه الجهود ضرورية لإنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلًا من اقتصاد قادر على توليد الدخل وفرص العمل. والمشكلة ليست في المساعدات نفسها، بل في الاعتقاد بأنّ زيادتها تكفي لمعالجة أزمة تتجاوز نقص الموارد المالية إلى غياب الشروط التي تسمح باستخدامها بصورة منتجة ومستدامة. بل إنّ استمرار الاعتماد على التمويل الخارجي، من دون معالجة القيود التي تعرقل الإنتاج، قد يحوّل المساعدة من أداةٍ لاستعادة التنمية إلى وسيلةٍ لإدارة غيابها.
فكلّ دولار يُنفق على إعادة بناء منشأة مهدّدة بالتعطيل أو التدمير مجددًا يطرح سؤالًا عن جدوى الاستثمار واستدامته. وكلّ خطة تنموية تتجاهل البيئة التي سيعمل فيها الاقتصاد تُخاطر بأن تصبح برنامجًا لتوزيع التمويل، لا مشروعًا لبناء القدرة الإنتاجية. ومن هذه الزاوية، لا تمثّل القضية الفلسطينية تحدّيًا إنسانيًا وسياسيًا فحسب، بل اختبارًا لمصداقية الخطاب التنموي الدولي. فكيف يمكن الحديث عن مكافحة الفقر وخلق فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة، بينما تتآكل المقوّمات التي تسمح بتحقيق هذه الأهداف؟
إنّ التنمية ليست عملية إنفاق، بل عملية تراكم لرأس المال والمعرفة والمهارات والثقة. لذلك، فإنّ المعيار الحقيقي لنجاح إعادة إعمار غزة لن يكون عدد الوحدات السكنية التي تُشيَّد، ولا حجم الأموال التي تُرصَد، بل قدرة الفلسطينيين على استعادة الإنتاج والتجارة، وتوفير وظائف مستدامة، وتقليص الاعتماد القسري على المساعدات.
ولا يمكن فصل هذا الهدف عن أفق سياسي وقانوني يضمن الحقوق الفلسطينية ويوفّر شروط الاستقرار. فاقتصادٌ يعيش تحت تهديدٍ دائم بفقدان أصوله وأسواقه وموارده لن يصبح قابلًا للحياة لمجرّد زيادة الاستثمارات فيه. والحديث عن إعادة الإعمار من دون معالجة هذه الحقيقة يعني التعامل مع نتائج الأزمة وترك أسبابها قائمة.
من هنا، فإنّ مسؤولية الدول العربية والمجتمع الدولي لا تنتهي عند تمويل إعادة الإعمار، على إلحاح هذه المهمة وأهمّيتها. فالمسؤولية الأبعد أثرًا تتمثّل في توفير الشروط التي تحمي ما سيُبنى، وتتيح للفلسطينيين استعادة حقّهم في العمل والإنتاج والتخطيط لمستقبلهم. فالمطلوب ليس إعادة تشييد اقتصاد مهدّد بالانهيار عند كلّ أزمة، بل إرساء الأسس التي تسمح له بالاستمرار والنموّ.
لقد أصبحت كلفة إعادة إعمار غزة قابلة للتقدير بعشرات المليارات من الدولارات. أمّا كلفة حرمان الفلسطينيين من مستقبل اقتصادي قابل للحياة، فلا تختصرها أيّ ميزانية. لهذا، فإنّ السؤال الذي ينبغي أن يسبق كلّ مؤتمر للمانحين ليس كم نحتاج لإعادة بناء غزة، بل كيف نضمن ألّا نُضطر إلى إعادة بنائها مرّة أخرى.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ ستة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). وأخيرًا “أمن الخليج في زمن التحولات الكبرى”: البحث عن نظام استراتيجي جديد”، (2026). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
