حين يُصبِحُ إنقاذُ الاقتصاد الصيني خطرًا على العالم

كابي طبراني*

قد لا تبدأ الأزمة الاقتصادية العالمية المقبلة بانهيار الاقتصاد الصيني، بل بمحاولة بكين تجنّب أزمة داخلية حادّة. فكلّما عوّضت ضعف الاستهلاك بمزيد من الإنتاج والتصدير، نجحت في حماية نموّها مؤقّتًا، لكنها نقلت جانبًا من اختلالاتها إلى اقتصادات أخرى. والمفارقة أنّ ما يُبقي المصانع الصينية دائرة اليوم قد يدفع العالم غدًا إلى أزمة يصعب على الصين نفسها الإفلات من تداعياتها.

ليس هذا سيناريو لانهيار وشيك، بل تحذير من نموذج اقتصادي بات نجاحه مشروطًا بقدرة الآخرين على تحمّل كلفته. فالصين، التي بنت نهضتها على الاستثمار الصناعي والتصدير، تواجه اليوم تباطؤًا عقاريًا طويلًا، وضعفًا في ثقة المستهلكين، ومديونية متراكمة لدى الحكومات المحلية. وبدل أن تعيد توزيع ثمار النموّ بما يعزّز إنفاق الأسر، تواصل توجيه الموارد نحو المصانع والتكنولوجيا والصناعات الاستراتيجية، كأنّ الاختلالات التي راكمها نموذج النموّ القائم على الاستثمار يمكن معالجتها بمزيد من الاستثمار نفسه.

سجّلت الصين فائضًا تجاريًا قياسيًا اقترب من 1.2 تريليون دولار في العام 2025. ولا تكمن دلالة هذا الرقم في حجمه الاستثنائي فحسب، بل في ما يكشفه عن اقتصاد ينتج أكثر مما يستطيع استهلاكه. فالتصدير، الذي كان محرّكًا للنهضة الصينية، يتحوّل تدريجًا إلى ضرورة للحفاظ على توازن داخلي هشّ. وكلّما ازدادت هذه الضرورة، تراجعت قدرة بكين على التكيّف مع اعتراضات شركائها التجاريين.

لكنّ الخطأ سيكون في اختزال المسألة في منافسة بين سلع صينية رخيصة وصناعات غربية مهدّدة. فقد استفاد العالم من الكفاءة الصينية، خصوصًا في الطاقة النظيفة والتكنولوجيا. والمشكلة ليست في انخفاض الأسعار، بل في نظام يُبقي الإنتاج مرتفعًا حتى عندما تتآكل الأرباح، ويجعل استمرار المصانع مرتبطًا بالدعم والائتمان أكثر من ارتباطه بطلبٍ حقيقي ومستدام.

وهنا تنشأ دائرة يصعب كسرها. فكلّما زادت الصادرات الصينية، ارتفعت الضغوط على الصناعات المنافسة، وتعاظمت المطالب بالحماية التجارية. وكلّما أغلقت الولايات المتحدة وأوروبا أسواقهما، ازدادت حاجة الصين إلى البحث عن مشترين جدد، غالبًا في اقتصادات ناشئة تسعى هي الأخرى إلى بناء صناعاتها. وهكذا، تتحوّل محاولة بكين حماية الوظائف في الداخل إلى ضغط على الوظائف والاستثمار في الخارج.

والأخطر أنّ الأطراف المتنافسة قد تنجح جميعها في تحقيق أهدافها المباشرة، ومع ذلك يخسر الاقتصاد العالمي. فقد تحافظ الصين على إنتاجها، وتحمي الولايات المتحدة بعض مصانعها بالرسوم الجمركية، وتقلّص أوروبا اعتمادها على الواردات الصينية. لكنّ حصيلة هذه النجاحات قد تكون تجارة أضعف، واستثمارات أقلّ، وأسعارًا أعلى، وثقة متراجعة بين القوى الاقتصادية الكبرى.

إنّها مفارقة عصرنا الاقتصادي: قد يصبح نجاح السياسات الوطنية، حين تتعارض وتتراكم، وصفة لفشل جماعي.

لا ينبغي التقليل من أثر ذلك على الدول النامية. فهذه الاقتصادات تحتاج إلى السلع الصينية الميسورة الكلفة، لكنها تحتاج أيضًا إلى فرص التصنيع التي تخلق الوظائف وترفع الدخول. وإذا استحوذت قوة صناعية واحدة على قطاعات الإنتاج البسيطة والمتقدّمة معًا، فقد تجد دول كثيرة نفسها محاصرة بين الاستيراد الرخيص والعجز عن بناء قاعدة إنتاجية مستقلة. وبذلك، لا تقتصر الخسارة على المصانع القائمة، بل تمتدّ إلى صناعات قد لا تولد أصلًا.

أما الخطر الأكبر، فقد يظهر عندما تتعذّر مواصلة هذا المسار. فإذا أدّت الحواجز التجارية وتباطؤ الطلب العالمي إلى تراجع حادّ في الصادرات الصينية، فقد تتعرّض الشركات المثقلة بالديون للتعثّر، وتتزايد خسائر المصارف، وتتراجع إيرادات الحكومات المحلية. وعندها، لن تكون المشكلة فائضًا في السلع، بل احتمال انتقاله إلى أزمة ائتمان واستثمار تُضعِف الاقتصاد الصيني وتنتشر آثارها خارجه.

إنَّ الصين ليست مصنع العالم وحده، بل أحد أكبر زبائنه. وأيّ انكماش كبير في استثماراتها سيضغط على الطلب على النفط والمعادن والمواد الأولية. وقد تجد الاقتصادات الخليجية نفسها أمام تداعيات تشمل الطاقة والبتروكيماويات والخدمات اللوجستية، فيما تواجه دول أفريقية وأميركية لاتينية تراجعًا في إيرادات التصدير، بالتزامن مع ضغوط المديونية والتمويل.

الأزمة ليست حتمية، لكنّ العالم أصبح أقلّ استعدادًا لاحتوائها. فالديون العامة مرتفعة، والاقتراض أكثر كلفة، والتعاون بين القوى الكبرى أشدّ صعوبة. وفي العام 2008، ساعد التنسيق الدولي على منع انهيار مالي شامل. أما اليوم، فقد تتحوّل المنافسة بين واشنطن وبكين إلى عائق أمام الاستجابة المشتركة، حتى لو أدرك الطرفان أنّ مصالحهما الاقتصادية مهدّدة.

في تقديري، ليست المشكلة أنّ الصين ترفض الاعتراف بحدود نموذجها الاقتصادي فحسب، بل أنّ القوى الكبرى تتصرّف كأنّ استقرارها يمكن تحقيقه على حساب استقرار الآخرين. فبكين تراهن على التصدير، وواشنطن على الحماية التجارية، وأوروبا على تقليص اعتمادها الصناعي على الخارج. وكلّ طرف يبحث عن قدر أكبر من الأمان الاقتصادي، لكنّ الجميع يساهم، من حيث لا يريد، في تقويض البيئة التي تجعل ذلك الأمان ممكنًا.

لهذا، لا يكفي أن تُطالب الصين بخفض فائضها الصناعي، ولا أن تُطالَب الاقتصادات الغربية بإزالة حواجزها. المطلوب إعادة توازن تبدأ من الداخل الصيني، عبر تعزيز دخول الأسر والاستهلاك وتقليص الاعتماد على الاستثمار المدعوم، وتواكبها تفاهمات تجارية تمنع تحوّل التصحيح الاقتصادي إلى مواجهة مفتوحة. فالإصلاح التدريجي، مهما بلغت كلفته السياسية، أقلّ خطرًا من تصحيح تفرضه الأسواق تحت ضغط الأزمة.

لقد أثبتت الصين قدرتها على إنتاج ما يحتاج إليه العالم، لكنّها تواجه الآن اختبارًا مختلفًا: هل تستطيع بناء اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على قدرة مواطنيها على شراء ما ينتجونه، بدل الاعتماد المتزايد على استعداد الآخرين لشرائه؟

قد تنجح الصين في تأجيل أزمتها بمزيد من الإنتاج، وقد تنجح الاقتصادات الغربية في حماية صناعاتها بمزيد من الحواجز. لكنّ ما ينقذ كلّ اقتصاد على حدة قد يهدّد الجميع معًا. وتلك هي المفارقة التي ينبغي أن تقلق العالم: أن تبدأ الأزمة المقبلة لا لأنَّ الدول فشلت في الدفاع عن مصالحها، بل لأنّ كلًّا منها نجح في ذلك على حساب الآخرين.

↑
Exit mobile version