مرسيل خليفة من أوسلو إلى تطوان… حفلتان تحتفيان بالعود وقصائد الحرية

يستعدّ الفنان اللبناني مرسيل خليفة لإحياء حفلتين موسيقيتين في النروج والمغرب خلال الأسبوع الأخير من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، في محطتين ثقافيتين تستعيدان مسيرته الفنية الممتدة لأكثر من خمسة عقود، وتجربته المتميزة في الجمع بين آلة العود والشعر العربي، وفي مقدّمه قصائد الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، التي شكّلت جانبًا أساسيًا من مشروعه الموسيقي والإنساني.

ففي العاصمة النروجية، أوسلو، يفتتح خليفة، مساء الثلاثاء 27 تشرين الأول (أكتوبر)، مهرجان “أوسلو وورلد” (Oslo World)، الذي تستمر فعالياته حتى الأول من تشرين الثاني (نوفمبر)، بحفلٍ يُقام في قاعة “شاتو نوف” (Chateau Neuf)، ويستعيد خلاله عمله الشهير “وعود العاصفة” (Promises of the Storm)، بمناسبة مرور خمسين عامًا على انطلاق هذه التجربة الموسيقية التي ارتبطت ببداياته الفنية وبالمرحلة التي شهدت تبلور الأغنية العربية الملتزمة.

ويقدّم الفنان اللبناني الحفل بصيغة منفردة، تجمع صوته بآلة العود، في عودةٍ إلى الجذور الأولى لتجربته، حين التقت الموسيقى العربية بقصائد الشعراء الفلسطينيين، ولا سيما محمود درويش وعز الدين المناصرة. ويمنح هذا الاختيار الحفل طابعًا حميميًا، يضع الكلمة واللحن في الواجهة، ويتيح للجمهور الأوروبي التعرّف إلى جانب من التراث الموسيقي العربي المعاصر الذي ارتبط بقضايا الحرية والهوية والكرامة الإنسانية.

وتسبق الحفلَ مشاركةٌ لخليفة، يوم الاثنين 26 تشرين الأول (أكتوبر)، في لقاءٍ حواري تنظّمه “دار الأدب” في أوسلو، يتناول العلاقة بين الموسيقى والشعر والسياسة، وتجربته الطويلة في تلحين قصائد محمود درويش وتحويلها إلى أعمالٍ غنائية تجاوزت حدود العالم العربي. ويشارك في اللقاء الشاعر والناشط الفلسطيني وسام المدني، في حوارٍ يُنتظَر أن يضيء على الدور الذي أدّته الموسيقى في التعبير عن التجربة الفلسطينية وحضورها في الذاكرة الثقافية العربية.

بعد محطته النروجية، ينتقل مرسيل خليفة إلى مدينة تطوان المغربية، حيث يُنتظَر أن يحيي، مساء الخميس 29 تشرين الأول (أكتوبر)، حفل افتتاح المهرجان الدولي للعود، على خشبة مسرح “إسبانيول”، وفق الإعلان الخاص بالحفل. وتأتي هذه المشاركة في إطار مهرجانٍ ثقافي يحتفي بآلة العود، ويسعى إلى إبراز تنوّع مدارسها وأساليب العزف عليها، وإقامة جسور التواصل بين الموسيقيين العرب ونظرائهم من مختلف أنحاء العالم.

وتكتسب مشاركة خليفة في مهرجان تطوان دلالة خاصة، نظرًا إلى المكانة المحورية التي تحتلها آلة العود في مسيرته. فقد أسهم، منذ بداياته، في تطوير أساليب العزف والتأليف عليها، متجاوزًا دورها التقليدي في مرافقة الغناء، ليمنحها حضورًا مستقلًا في أعمال موسيقية تجمع بين التراث العربي والتجريب المعاصر، وتستفيد من الانفتاح على ثقافات وتقاليد موسيقية مختلفة.

ويُعدّ المهرجان الدولي للعود في تطوان من أبرز التظاهرات المغربية المتخصصة في هذه الآلة، وقد تحوّل على امتداد سنواته إلى مساحة للقاء العازفين والمؤلفين من مدارس موسيقية متعددة، مع اهتمام خاص بالموروث العربي والأندلسي والمتوسطي. وتأتي مشاركة الفنان اللبناني لتضيف إلى البرنامج تجربةً فنية ارتبطت بتجديد لغة العود وتوسيع إمكاناته التعبيرية.

ويحتل مرسيل خليفة مكانة بارزة في المشهد الموسيقي العربي منذ سبعينيات القرن الماضي، بعدما نجح في صياغة أسلوب خاص يجمع بين التأليف الموسيقي والغناء والشعر. وقد ارتبط اسمه خصوصًا بقصائد محمود درويش، التي لحّن وغنّى عددًا منها، ومن أشهرها “أمي” و”منتصب القامة أمشي” و”ريتا والبندقية”، وهي أعمال تحوّلت إلى جزء من الذاكرة الفنية لجمهور واسع، وتناقلتها أجيال متعاقبة بوصفها تعبيرًا عن التمسُّك بالأرض والحرية والأمل.

لم تقتصر تجربة خليفة على الأغنية السياسية أو الملتزمة، بل امتدت إلى التأليف الموسيقي والعروض التي جمعت بين التخت الشرقي والتوزيعات الأوركسترالية، في محاولة مستمرة لتطوير الموسيقى العربية من داخل تراثها، والانفتاح في الوقت نفسه على أساليب تعبيرية حديثة.

وبين أوسلو وتطوان، يواصل مرسيل خليفة رحلته الفنية مع العود والقصيدة، في حفلتين تجمعان بين استعادة أعمال شكّلت وجدان أجيال عربية، والاحتفاء بآلة موسيقية ظلّت رفيقته طوال مسيرته، مؤكّدًا أنَّ الموسيقى قادرة على عبور الحدود واللغات، وأنَّ الأعمال التي وُلدت في ظروف سياسية واجتماعية مضطربة لا تزال تحتفظ بقدرتها على مخاطبة جمهور جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى