الدكتور ناصيف حتي*
أربعُ متغيّرات ذات أبعاد استراتيجية مهمة أسهمت في نقل باكستان من موقعها التقليدي بوصفها لاعبًا رئيسيًا في جنوب آسيا إلى قوة يتنامى حضورها بسرعة في غرب آسيا والشرق الأوسط. ولعقود، ظلّ الدور الباكستاني محكومًا إلى حدّ بعيد بالصراع التاريخي والمستمر مع الهند، لكن التحوّلات الإقليمية والدولية الأخيرة بدأت توسّع دائرة الحركة الباكستانية خارج هذا الإطار، بما يعزّز في الوقت نفسه وزن إسلام آباد في تنافسها التقليدي مع نيودلهي.
ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية في ضوء التغيير الذي طرأ على السياسة الخارجية الهندية نفسها. فالهند، التي شكّلت تاريخيًا أحد أبرز أركان حركة عدم الانحياز، انتقلت تدريجًا، مع تراجع بريق هذه العقيدة وتحوّل بنية النظام الدولي، إلى ما يمكن وصفه بسياسة “الانحياز المتعدد”؛ أي بناء الشراكات والتحالفات وفق طبيعة الملف والمصلحة المطروحة، بدل الالتزام بمحور دولي واحد. غير أنَّ هذا التحوّل ترافق مع تطوّر كبير في علاقات الهند مع إسرائيل، ولا سيما في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وهو ما ألقى بظلاله على موقع نيودلهي في الشرق الأوسط، وأسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في توسيع الهامش المتاح أمام باكستان لتعزيز حضورها في المنطقة.
ويتمثل أول المتغيرات الأربعة في اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك التي أبرمتها باكستان والمملكة العربية السعودية في 17 أيلول (سبتمبر) 2025، والتي منحت العلاقة التاريخية بين البلدين بُعدًا استراتيجيًا أكثر وضوحًا. وتنبع أهمية الاتفاقية خصوصًا من كون باكستان دولة نووية، الأمر الذي أثار منذ توقيعها نقاشًا حول ما إذا كان مفهوم الردع المشترك الذي تنص عليه يمكن، في ظروف قصوى، أن يمتد إلى القدرات النووية الباكستانية. غير أنَّ النصوص المعلنة للاتفاقية لا تتضمن التزامات نووية محددة، ما يجعل هذا الجانب حتى الآن موضع تقدير استراتيجي أكثر منه ترتيبًا دفاعيًا معلنًا. وبذلك لا تعكس الاتفاقية عمق العلاقات التاريخية بين الرياض وإسلام آباد فحسب، بل تفتح أيضًا بابًا أمام تحوّل نوعي في موقع باكستان داخل معادلات الأمن الإقليمي، بما قد تكون له انعكاسات تتجاوز العلاقة الثنائية إلى موازين القوى في الشرق الأوسط والنظام الدولي الأوسع.
أما المتغير الثاني، فيتمثل في ولادة إطار التعاون الرباعي الذي جمع باكستان والسعودية ومصر وتركيا في 20 آذار (مارس) الماضي، في أعقاب الحرب التي أشرنا إليها. وقد جاء هذا الإطار التشاوري والتنسيقي في جانب أساسي منه استجابة للمخاطر التي أفرزتها الحرب على الأمن الإقليمي، وللحاجة إلى إيجاد مساحة تجمع قوى رئيسية في المنطقة تستطيع التشاور حول سبل احتواء التصعيد ومنع اتساعه. فاستمرار الحرب من دون أفق سياسي لا يهدد أطرافها المباشرين وحدهم، بل يحمل مخاطر دفع المنطقة بأسرها نحو مسارات يصعب التحكّم في تداعياتها. ومن هنا تبرز أهمية هذا الإطار، ليس باعتباره تحالفًا جديدًا بالضرورة، بل بوصفه محاولة لبلورة قدر من التنسيق السياسي بين دول تتقاطع مصالحها عند ضرورة وقف الحرب وفتح الطريق أمام تسوية سياسية.
ويتمثل المتغير الثالث في الدور الذي بدأت باكستان تضطلع به منذ الأيام الأولى للحرب بوصفها أحد الوسطاء الرئيسيين بين واشنطن وطهران. ولا ينفي ذلك وجود أدوار عربية وأخرى مساعدة تسعى بدورها إلى احتواء المواجهة ووقفها، لكنه يمنح إسلام آباد موقعًا سياسيًا إضافيًا يتجاوز دورها الأمني والعسكري المتنامي في المنطقة. وليس الانتقال من الحرب إلى التفاوض أمرًا سهلًا، كما تظهر التطورات المتلاحقة والعقبات الكثيرة التي تعترض أي مسار سياسي، لكنه ليس مستحيلًا أيضًا. بل إنَّ الحوار يبقى، في نهاية المطاف، الطريق الواقعي والعملي لوقف حرب تحمل في استمرارها مخاطر متزايدة على أمن الإقليم واستقراره، ولا سيما إذا تحولت المواجهة المفتوحة إلى حالة استنزاف طويلة يصعب ضبط حدودها أو احتواء تداعياتها.
أما المتغير الرابع، فهو ولادة “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” في مطلع آب (أغسطس)، والتي تضم السعودية وباكستان وتركيا. وكما يدل اسمها، تهدف الاتفاقية إلى تعزيز عناصر الدفاع والردع والتنسيق بين الدول الثلاث في مواجهة التحديات التي تمس أمنها الوطني والأمن الإقليمي الأوسع. وتكتسب أهميتها من أنها لا تأتي معزولة عن المتغيرات الثلاثة السابقة، بل تبدو جزءًا من مسار أوسع تتداخل فيه الترتيبات الدفاعية مع الأطر التشاورية والوساطات السياسية، بما يعكس اتساع الحضور الباكستاني وتعدد الأدوات التي باتت إسلام آباد تتحرك من خلالها في المنطقة.
وهكذا، لا تبدو المتغيرات الأربعة مجرد تطورات منفصلة، بل حلقات في تحوّل استراتيجي أوسع ستكون له انعكاساته الإقليمية والدولية. فباكستان التي ظلّ ثقلها الاستراتيجي مرتبطًا، إلى حد كبير، بجنوب آسيا وبمعادلة الصراع مع الهند، أصبحت اليوم أكثر حضورًا في التوازنات الناشئة في الشرق الأوسط، شريكًا في ترتيبات دفاعية، وعضوًا في أطر للتنسيق الإقليمي، ووسيطًا في واحدة من أخطر المواجهات التي تشهدها المنطقة.
ويأتي ذلك كله في لحظة يبدو فيها الشرق الأوسط مقبلًا على مرحلة مختلفة، من دون أن تكون ملامح “الإقليم الجديد” قد اتضحت بعد. فما زالت القواعد التي ستنظم العلاقات بين دوله قيد التشكل، مثلما لم يُحسم بعد حجم الأدوار التي ستضطلع بها القوى الإقليمية، ولا موقع القوى الدولية الكبرى في التوازنات الجديدة. وفي خضم هذا التحوّل المفتوح على سيناريوهات متعددة، تبدو باكستان واحدة من القوى التي تسعى إلى الانتقال من التأثر بإعادة تشكيل الإقليم إلى المشاركة الفعلية في صياغته.
- الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.
