تناقش الحكومة اللبنانية مشروع موازنة العام 2027 تمهيدًا لإحالته إلى المجلس النيابي للتصويت عليه وإقراره. وبينما تسعى السلطة التنفيذية إلى زيادة الواردات وتخفيض النفقات، يتحرك موظفو القطاع العام والمتقاعدون، العسكريون والمدنيون، مطالبين باستعادة رواتبهم جزءًا من قدرتها الشرائية التي فقدتها منذ الانهيار المالي والاقتصادي الذي شهده لبنان عام 2019. ويأتي ذلك في ظل أوضاع أمنية صعبة في الجنوب اللبناني وما تتركه من انعكاسات اقتصادية واجتماعية، الأمر الذي يزيد الأزمة تعقيدًا ويجعل النقاش حول مستقبل المالية العامة أكثر إلحاحًا.
الدكتور هيكل الراعي*
إذا تجاوزنا التطوّرات الأمنية وانعكاساتها المباشرة، فإنَّ السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يشغلَ اللبنانيين اليوم ليس متى تنتهي الأزمة المالية والاقتصادية، بل ما إذا كان لبنان قد استوعب فعلًا الدروس القاسية للانهيار الذي عاشه، أم أنه لا يزال، تحت وطأة العجز السياسي وقصر النظر الإداري، يُعيدُ إنتاجَ الأسباب التي قادته إلى الكارثة. فالانهيار الذي أصاب البلد لم يكن أزمة اقتصادية عابرة، بل زلزالًا ضرب النظام النقدي والقطاع المصرفي والمالية العامة والقدرة الشرائية، وقوّض الثقة بالمؤسسات. وقد تحمّل المواطن، ولا سيما الموظف والمتقاعد والمودع الصغير، جانبًا كبيرًا من كلفة الأزمة، فيما بقيت أسئلة المسؤولية والمحاسبة والتوزيع العادل للخسائر معلَّقة إلى حدٍّ بعيد.
صحيح أنَّ بعض المؤشرات في المرحلة الأخيرة أوحت بقدر محدود من الاستقرار النسبي، إلّا أنَّ توقّف الانهيار السريع لا يعني بالضرورة التعافي، كما أنَّ الاستقرار الهش لا يشكّل دليلًا على إزالة الأسباب البنيوية للأزمة. فلا تزال المالية العامة تعاني اختلالات عميقة، والقطاع المصرفي لم يستعد بعد دوره الطبيعي، والثقة بين المواطن والدولة والمؤسسات المالية لم تُرمَّم، فيما يعجز الاقتصاد عن تحقيق نموٍّ مستدام قادر على توفير فرص العمل وإعادة تكوين الطبقة الوسطى واستعادة جزء من الطاقات البشرية التي فقدها لبنان بفعل الهجرة.
من هنا، فإنَّ أخطر ما يمكن أن يحدث أثناء مناقشة وإقرار موازنة عام 2027 هو العودة إلى المعالجات التقليدية التي تبدأ دائمًا من الحلقة الأضعف: تجميد الرواتب والمعاشات، وزيادة الضرائب والرسوم، وتقليص الإنفاق الاجتماعي، أو تحميل صغار المودعين والموظفين والمتقاعدين أعباء أي أزمة جديدة. فقبل أن تطلب الدولة من مواطنيها تضحية إضافية، عليها أن تجيب عن سؤال أكثر جوهرية: ماذا أصلحت الدولة في نفسها؟ وماذا فعلت لتخفيض الهدر والامتيازات والإنفاق غير المنتج؟
الإصلاح يبدأ من بنية الدولة
إنَّ الإصلاحَ الحقيقي لا يبدأ من راتب الموظف ولا من معاش المتقاعد ولا من جَيب المستهلك، بل من الدولة نفسها: من طريقة إدارتها للمال العام، وكفاءة مؤسساتها، وقدرتها على تحصيل حقوقها، واستعدادها لتطبيق القانون على الجميع من دون استثناء.
ومن السهل في كلِّ أزمة مالية اللجوء إلى الفئات الأكثر وضوحًا والأقل قدرة على حماية مصالحها. فالراتب معروف ومصدره محدد، والمعاش التقاعدي يمكن الاقتطاع منه مباشرة، والضرائب غير المباشرة تصل إلى المستهلك عبر مختلف السلع والخدمات. أما القوى الأكثر نفوذًا وقدرة على حماية مصالحها، فغالبًا ما تكون أقل تعرُّضًا للنتائج المباشرة للأزمات. لهذا فإنَّ تحميل الفئات المنتجة والمحدودة الدخل العبء الأكبر لا يمثّل إصلاحًا اقتصاديًا أو مؤسّسيًا، بل يتحوّل في كثيرٍ من الأحيان إلى إعادة توزيع للخسائر لمصلحة الأقوى والأكثر قدرة على الدفاع عن مصالحه.
فالدولة التي تعجز عن ضبط الهدر ومكافحة التهرب الضريبي والجمركي ومراجعة الامتيازات السياسية والإدارية (رواتب النواب السابقين)، ثم تلجأ إلى تخفيض القوة الشرائية للموظفين والمتقاعدين، تكون قد اختارت الطريق الأسهل لا الطريق الصحيح. والمطلوب ليس إضعاف الدولة أو تقليص دورها، بل إعادة تعريف أولوياتها ورفع كفاءة مؤسّساتها.
ولا يعني الإصلاح تقليص التعليم الرسمي أو الصحة العامة أو القضاء أو الأمن أو الجامعة اللبنانية، بل يقتضي التمييز الواضح بين الإنفاق الذي يحمي المجتمع وينتج قيمة عامة، والإنفاق الذي يتحوّل إلى عبءٍ بسبب سوء الإدارة والمحاصصة والزبائنية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للمخصّصات والتعويضات والامتيازات غير المرتبطة بعمل منتج، وللنفقات التشغيلية في المؤسسات العامة، وللتوظيف غير الضروري، وللمكافآت وتعدد مصادر الدخل من المال العام. فالمطلوب هو تخفيض كلفة الإدارة غير المنتجة، لا تخفيض قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.
إنَّ الدولة الحديثة لا تُقاس بحجم إنفاقها وحده، بل بنوعية هذا الإنفاق وبالعائد الاقتصادي والاجتماعي الذي يحققه. وكل مال عام لا يتحوّل إلى خدمة حقيقية أو قيمة اقتصادية أو أثر اجتماعي ملموس ينبغي أن يكون موضع مراجعة، ولا سيما في بلدٍ يعاني محدودية الموارد واتساع الحاجات.
توزيع الخسائر والمحاسبة
يبقى السؤال الأكثر حساسية منذ بداية الأزمة: مَن يدفع ثمن الانهيار؟ فالأزمة لم تنشأ لأنَّ الموظف تقاضى راتبه، ولا لأنَّ المتقاعد أمضى سنوات في الخدمة ثم طالب بحقوقه، ولا لأنَّ صغار المودعين وضعوا مدّخراتهم في المؤسسات المصرفية. ومع ذلك، كانت هذه الفئات من بين الأكثر تحمُّلًا للخسائر المباشرة وغير المباشرة.
إنَّ أيَّ معالجة مالية جدية ينبغي أن تبدأ بتحديد حجم الخسائر الحقيقية بصورة شفافة، بعيدًا من الأرقام السياسية المتضاربة والمقاربات التي تسعى إلى حماية طرفٍ على حساب آخر. وبعد تحديد هذه الخسائر، يجب اعتماد تسلسل عادل وواضح لتحمّلها، بحيث لا يُطلب من صغار المودعين تحمل الأعباء قبل مساهمة أصحاب رؤوس الأموال والمساهمين في المصارف الذين قبلوا المخاطر واستفادوا من الأرباح.
إنَّ حماية صغار ومتوسّطي المودعين ليست مطلبًا شعبويًا، بل شرطٌ لإعادة بناء الثقة بالاقتصاد والقطاع المالي. فلا يمكن لنظام مصرفي أن يؤدي دوره في تمويل الاستثمار والإنتاج إذا بقي المواطن مُقتنعًا بأنَّ مدّخراته يمكن أن تتحوّل، عند أول أزمة، إلى خسائر يتحمّلها وحده. ومن هنا، فإنَّ العدالة في توزيع الخسائر ليست تفصيلًا تقنيًا في أيِّ خطة مالية، بل شرطٌ للاستقرار الاجتماعي والسياسي واستعادة الثقة.
ولا يمكن، في الوقت نفسه، مطالبة المواطنين بمزيد من التضحيات فيما تبقى ملفات الأموال المهدورة والمختلسة والمحوّلة بصورة غير مشروعة بعيدة من نتائج قضائية حاسمة. فقد تحوّلت مكافحة الفساد، في مراحل كثيرة، إلى عنوان سياسي وإعلامي أكثر منها سياسة دولة متكاملة. والمطلوب ليس التشهير العشوائي ولا المحاكمات السياسية، بل بناء منظومة قانونية ومؤسساتية فعّالة تقوم على استقلال القضاء، وحماية القضاة، وتسريع التحقيقات المالية المعقدة، وتعزيز أجهزة الرقابة، وتطوير التعاون الدولي لاسترداد الأموال التي يثبت أنها خرجت بصورة غير مشروعة.
فالفساد لا يُكافح بالخطب، بل برفع احتمال اكتشاف المخالفة وزيادة كلفة الإفلات من العقاب. ويفترض ذلك أن تصبح الشفافية قاعدة ثابتة في إدارة المال العام، وأن تخضع العقود العامة والصفقات الكبرى والمناقصات والإنفاق الاستثنائي لرقابة فعلية، مع إتاحة المعلومات للمؤسسات الرقابية والرأي العام والصحافة ضمن الأطر القانونية.
وفي السياق نفسه، ينبغي إعادة النظر في المؤسسات والهيئات والصناديق التي نشأت أو توسعت خلال العقود الماضية من دون تقييم جدي لجدواها. فكل مؤسسة تكرر مهمة مؤسسة أخرى، أو لا تقدم خدمة واضحة للمواطن، أو تتحول إلى قناة للزبائنية السياسية والتوظيف غير المنتج، ينبغي أن تخضع لإعادة هيكلة أو دمج أو إلغاء. إن ترشيد الدولة لا يعني تقليص حضورها الاجتماعي، بل إنهاء تضخمها السياسي والإداري غير المنتج.
قبل فرض ضرائب جديدة
ليس منطقيًا أن تعجز الدولة عن تحصيل الضرائب والرسوم القائمة، ثم تعود في كلِّ أزمة إلى البحث عن مصادر جديدة للجباية. فالمشكلة ليست دائمًا في انخفاض معدلات الضرائب، بل في عدم المساواة في تطبيقها. فالموظف يدفع ضريبته في معظم الأحيان بصورة تلقائية لأنَّ راتبه مكشوف ومصدره معروف، في حين يستطيع بعض كبار المكلفين تأخير الدفع أو التهرُّب أو الاستفادة من الثغرات وضعف الرقابة. ولذلك، فإنَّ الإصلاح الضريبي الحقيقي يبدأ من تحديث الإدارة ورقمنة الإجراءات وربط قواعد البيانات المالية والعقارية والتجارية وتعزيز الرقابة على كبار المكلفين ومكافحة التهرّب الضريبي والجمركي وتطوير أنظمة الرقابة في المعابر والمرافئ. ولا يجوز أن تبقى القاعدة الضريبية ضيقة بحيث تتحمل الفئات المنظمة والمكشوفة العبء الأكبر، فيما تبقى قطاعات وأرباح وثروات خارج نطاق الالتزام الفعلي.
كما ينبغي إعادة النظر في طبيعة النظام الضريبي نفسه. فالاعتماد المفرط على الضرائب غير المباشرة على الاستهلاك يؤدي إلى تحميل الفقير والغني أعباء متقاربة نسبيًا عند شراء السلع والخدمات، رغم التفاوت الكبير في القدرة المالية. وتقتضي العدالة الضريبية توسيع قاعدة الالتزام وتحسين الجباية ومكافحة التهرب واعتماد درجة أعلى من التصاعدية، بحيث تزداد مساهمة القادرين اقتصاديًا وفق قدرتهم الحقيقية. فالدولة التي تجمع ضرائبها بكفاءة وعدالة تكون أقل حاجة إلى اللجوء المستمر إلى فرض ضرائب ورسوم جديدة على الفئات نفسها.
من ناحية أخرى، لا يمكن معالجة الأزمة المالية بمعزل عن إعادة بناء اقتصاد حقيقي. فلبنان لا يحتاج فقط إلى إعادة ترتيب حسابات الخزينة، بل إلى اقتصاد قادر على إنتاج الثروة وتوفير فرص العمل. لقد كشفت الأزمة حدود نموذج اقتصادي اعتمد بدرجات متفاوتة على الاستهلاك والاستيراد والتحويلات والخدمات والأنشطة الريعية، من دون بناء قاعدة إنتاجية كافية تحمي الاقتصاد من الصدمات الخارجية.
من هنا، يجب أن يكون الإصلاح المالي جُزءًا من رؤية اقتصادية أشمل تدعم الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات الرقمية والاقتصاد المعرفي والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. فلا معنى لإصلاح القطاع المصرفي إذا لم يجد لاحقًا اقتصادًا منتجًا يستطيع تمويله، ولا معنى لضبط العجز إذا استمر الشباب وأصحاب الكفاءات في مغادرة البلاد. كما أنَّ الاستقرار النقدي يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته إذا لم يتحوّل إلى استثمارات وفرص عمل ونمو حقيقي. إنَّ لبنان يحتاج إلى الانتقال من اقتصادٍ ينتظر التدفقات المالية إلى اقتصادٍ يخلقها، ومن اقتصاد يوزّع الموارد المحدودة إلى اقتصاد ينتج موارد جديدة.
في هذا الإطار، ينبغي النظر إلى المرافق العامة باعتبارها موارد وطنية يمكن، إذا أُديرت بكفاءة وشفافية، أن تتحوّل من مصادر للعجز إلى عناصر قوة للاقتصاد والخزينة. فالكهرباء والمياه والمرافئ والمطار والاتصالات والأملاك العامة ليست بالضرورة أعباء دائمة، وإنما تصبح كذلك عندما تخضع لسوء الإدارة والهدر والصفقات.
ويشكل قطاع الكهرباء مثالًا واضحًا على الترابط بين الإصلاح المالي والإصلاح الاقتصادي. فالعجز المزمن في قطاع أساسي لا يبقى مشكلة تقنية، بل يتحوّل إلى عبء على المالية العامة ويؤثّر في تنافسية المؤسسات الإنتاجية وكلفة حياة المواطنين. كما ينبغي أن تصبح الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية، بعيدًا من القرارات المرتجلة التي تتخذ وتعلن، جُزءًا من استراتيجية وطنية طويلة الأجل، لا مجرد مبادرات فردية ومتفرقة. فخفض كلفة الطاقة يمكن أن يسهم في تعزيز الإنتاج وتقليص كلفة الاستيراد وتحسين تنافسية الاقتصاد.
وفي المرافئ والمعابر، ينبغي الانتقال بصورة حاسمة من الإدارة الورقية التقليدية إلى أنظمة إلكترونية متكاملة تسمح بتتبع البضائع والرسوم والعمليات الجمركية، بما يحد من التهرب والفساد والتهريب. أما الأملاك العامة غير المستثمرة، فلا يجوز أن تبقى منطقة رمادية بين الإهمال والاستغلال السياسي، بل ينبغي وضع برنامج وطني لجردها وتقييمها واستثمارها وفق آليات شفافة تحقق مصلحة الخزينة والاقتصاد.
دولة اجتماعية قوية لا دولة زبائنية
من أخطر الأخطاء التي يمكن ارتكابها باسم الإصلاح الاعتقاد بأنَّ تقليص الإنفاق الاجتماعي هو الطريق الأسهل لتحقيق التوازن المالي. فالدولة التي تترك مواطنيها من دون تعليم جيد أو رعاية صحية أو حماية اجتماعية لا تصبح أكثر كفاءة، بل أكثر هشاشة. وعندما تتراجع المدرسة الرسمية والجامعة الوطنية والمستشفيات العامة، يزداد الفقر وتتعمق اللامساواة وتتسع الهجرة، وتصبح كلفة الأزمة الاجتماعية في المستقبل أكبر بكثير من الوفر المالي الآني الذي قد تحققه سياسات التقليص. المطلوب، إذًا، ليس دولة تنسحب من المجتمع، بل دولة تنسحب من المحاصصة والزبائنية. وينبغي أن تصل المساعدات الاجتماعية إلى مَن يحتاجها فعلًا وفق قواعد بيانات شفافة ومعايير واضحة، وأن تحظى الفئات الأكثر ضعفًا بحماية حقيقية.
وفي الوقت نفسه، يجب النظر إلى المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية والرعاية الصحية باعتبارها استثمارًا في رأس المال البشري، لا مجرد بنود استهلاكية قابلة للتقليص عند كل أزمة. فالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية ليست ترفًا ماليًا، بل من أهم شروط الاستقرار الاقتصادي والنمو على المدى الطويل.
إنَّ أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو التعامل مع الانهيار السابق باعتباره صفحة طُويت. فالواقع أنَّ لبنان لم يعالج بصورة نهائية الأسباب البنيوية التي قادته إلى الأزمة، ولا تزال مشكلات المالية العامة والقطاع المصرفي والإدارة العامة والثقة بالمؤسسات قائمة بدرجات متفاوتة. ولهذا، لا يمكن إنقاذ البلاد بمجموعة إجراءات متفرقة أو حلول مؤقتة. المطلوب رؤية وطنية متكاملة تربط بين إصلاح الدولة، وإعادة هيكلة القطاع المالي، وتنشيط الاقتصاد المنتج، وحماية الفئات الاجتماعية الأكثر ضعفًا.
ويفترض نجاح هذه المهمة تغييرًا جذريًا في ترتيب الأولويات: يبدأ الإصلاح من مكامن الهدر، ومن استعادة كفاءة الدولة، ومن تطبيق القانون على الجميع، ومن تحصيل الأموال العامة، لا من الاقتطاع من رواتب الذين فقدوا معظم قدرتهم الشرائية، ولا من تحميل الحلقة الأضعف مسؤولية أخطاء لم تصنعها. لقد أثبتت التجربة أنَّ تأجيل الإصلاح لا يلغي كلفته، بل يضاعفها. وكل سنة تمرُّ من دون معالجة جدية للاختلالات القائمة تجعل البلاد أكثر هشاشة وأقل قدرة على مواجهة أي صدمة مالية أو سياسية أو أمنية جديدة.
إنَّ لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الوعود، بل إلى تغيير في فلسفة الحكم والإدارة. فإما أن يتحوّل الانهيار الذي عاشه إلى درسٍ تاريخي يُعيدُ بناء دولة أكثر عقلانية وكفاءة وعدالة، وإما أن تستمر إدارة الأزمة بالحلول المؤقتة إلى أن يجد البلد نفسه أمام أزمة جديدة قد تكون كلفتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أكبر من قدرة المجتمع على احتمالها.
إنَّ إنقاذ لبنان يبدأ من حيث يجب: من إصلاح الدولة نفسها، واستعادة هيبة القانون، وإنهاء الهدر، وتحقيق العدالة في توزيع الأعباء، وإعادة الاعتبار إلى الكفاءة والإنتاج. فالدولة التي تريد من مواطنيها أن يثقوا بها، عليها أوّلًا أن تثبت أنها قادرة على محاسبة نفسها. وعندها فقط يصبح الإصلاح مشروعًا وطنيًا مشتركًا، لا سياسة جديدة لتحميل المواطنين ثمن أخطاء لم يصنعوها.
- الدكتور هيكل الراعي هو باحث وأستاذ جامعي لبناني.
