عُمان في اختبارِ الحرب: هل تَصمُد “رؤية 2040″؟

منحت الحرب سلطنة عُمان مفارقة نادرة: نفطٌ أغلى يدعم الخزينة، وجغرافيا تُقلّل انكشافها على اضطراب هرمز. لكن الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه المزايا قادرة على حماية مشروع اقتصاد ما بعد النفط.

السلطان هيثم بن طارق: يقود عُمان في مرحلةٍ تختبر قدرتها على حماية مسار التحوُّل الاقتصادي.

مسقط – سمير الحلو*

دخلت عُمان العام 2026 وهي تستعدُّ للانتقال من مرحلة الإصلاح المالي إلى مرحلةٍ أكثر طموحًا من التحوُّل الاقتصادي. كانت الديون قد انخفضت بصورةٍ كبيرة، وعادت السلطنة إلى الدرجة الاستثمارية، وتحسّنت أوضاع المالية العامة، فيما بدأت الخطة الخمسية الحادية عشرة، وهي المرحلة التنفيذية الثانية من “رؤية عُمان 2040″، بأهدافٍ واسعة لزيادة الاستثمار وتوسيع القطاع الخاص وتسريع نموِّ الصناعة والسياحة والاقتصاد الرقمي.

ثم جاءت الحرب لتُعيد ترتيب الحسابات.

لكن عُمان وجدت نفسها في وضعٍ مختلف نسبيًا عن عددٍ من جيرانها الخليجيين. فالحرب التي هدّدت طرق تصدير الطاقة ورفعت كلفة الشحن والتأمين، دفعت في الوقت نفسه أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير من السعر الذي بُنيت عليه الموازنة العُمانية. والأهم أنَّ جُزءًا أساسيًا من البنية البحرية للسلطنة يقع على بحر العرب والمحيط الهندي، خارج عنق الزجاجة في مضيق هرمز.

وهكذا ظهرت مفارقة عُمانية غير مألوفة: الحرب تضغط على الاقتصاد من خلال السياحة والاستثمار والتجارة وارتفاع الأسعار، لكنها تمنح الخزينة إيرادات نفطية أكبر، فيما تكشف الجغرافيا عن قيمة استثمارات قامت بها السلطنة على مدى سنوات في الموانئ والطرق اللوجستية البديلة.

فهل تستطيع مسقط تحويل هذه الظروف الاستثنائية إلى فرصة لتعزيز التحوُّل الاقتصادي، أم أنَّ استمرار الحرب سيجعل مكاسب النفط أقل أهمية من الأضرار التي تلحق بالاقتصاد غير النفطي؟

قبل سنوات قليلة، كان طرح هذا السؤال سيأتي في ظروف مالية أكثر صعوبة بكثير.

في العام 2020، مع انهيار أسعار النفط وجائحة كورونا، اقترب الدين الحكومي العُماني من 70% من الناتج المحلي الإجمالي. وكانت قدرة الدولة على الإنفاق والمناورة محدودة، فيما أثار الاعتماد الكبير على الإيرادات الهيدروكربونية أسئلة جدية حول استدامة المالية العامة.

لكن الصورة تغيرت تدريجًا. فقد استفادت مسقط من تحسُّن أسعار الطاقة، لكنها استخدمت جُزءًا مهمًا من الإيرادات الإضافية لتقليص الدين وضبط المالية العامة بدل تحويل كل الفوائض إلى إنفاق جديد. وبنهاية 2025، كان دين الحكومة المركزية قد تراجع إلى 34.7% من الناتج المحلي الإجمالي.

وهذا التحوُّل هو أحد الأسباب التي تجعل عُمان تدخل الحرب الحالية بهامش مالي أكبر كثيرًا مما كان متاحًا لها قبل ست سنوات.

فموازنة 2026 بُنيت على متوسط لسعر النفط يبلغ 60 دولارًا للبرميل، وقدرت الإيرادات العامة بنحو 11.447 مليار ريال عُماني (حوالي 29.77 مليار دولار)، في مقابل إنفاق يبلغ 11.977 مليارًا، أي بعجز متوقع قدره 530 مليون ريال فقط، أو نحو 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي.

ثم جاءت الحرب وغيرت المعادلة النفطية.

فكلُّ دولار يزيد على السعر المفترض في الموازنة لا يتحوّل آليًا إلى إيراد صافٍ، لأنَّ حجم الإنتاج والتصدير والكلفة عوامل مؤثرة أيضًا، لكن الفارق الكبير بين السعر المفترض والأسعار التي فرضتها الأزمة منح الخزينة العُمانية هامشًا لم يكن محسوبًا عند إعداد الموازنة.

والأهم أنَّ البنية النفطية والغازية العُمانية لم تتعرّض، حتى الآن، لأضرارٍ كبيرة. وقد لاحظ صندوق النقد الدولي في حزيران (يونيو) أنَّ ذلك مكّن السلطنة من زيادة إنتاج النفط وصادراته في وقت كانت فيه الإمدادات الإقليمية تتعرّض للاضطراب. ولذلك رفع الصندوق توقعاته للنمو الحقيقي إلى نحو 3.7% في 2026، مدفوعًا أساسًا بزيادة إنتاج النفط.

هنا يظهر الفرق بين الحالة العُمانية والحالة القطرية خصوصًا.

ففي قطر، أدت الحرب إلى مفارقة قاسية: ارتفع سعر الغاز، لكن الضرر الذي أصاب جزءًا من القدرة الإنتاجية والتصديرية جعل الدوحة غير قادرة على الاستفادة الكاملة من ارتفاع الأسعار. أما في عُمان، فالمعادلة حتى الآن أقرب إلى العكس: السعر ارتفع، فيما بقيت القدرة على الإنتاج والتصدير قائمة إلى حد بعيد.

وهذا ما يفسّر لماذا يتوقع صندوق النقد تحوُّلًا كبيرًا في المالية العامة. فبعد فائض بلغ 0.6% فقط من الناتج في 2025، يتوقع أن يصل الفائض إلى نحو 4.5% في 2026، فيما يُرجح أن يتحوّل الحساب الجاري من عجز بلغ 1.9% من الناتج العام الماضي إلى فائض يقارب 3% هذه السنة.

لكن النفط ليس سوى نصف القصة.

حين تتحوّل الجغرافيا إلى أصل اقتصادي

تقع عُمان على إحدى أكثر الخرائط الاستراتيجية تعقيدًا في العالم. فمن محافظة مسندم تشرف السلطنة على الجانب الجنوبي من مضيق هرمز، لكنها تمتد في الوقت نفسه على ساحل طويل يفتح مباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي.

في زمن السلم، تبدو هذه الجغرافيا أساسًا لمشروع لوجستي وتجاري. أما في زمن الحرب، فإنها تتحوّل إلى بوليصة تأمين اقتصادية.

فمضيق هرمز ليس مجرد ممرٍّ للنفط. إنه أحد الشرايين الرئيسية للاقتصاد العالمي، وكانت تمر عبره قبل الحرب نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. ومع اندلاع الصراع، هبطت حركة ناقلات النفط والغاز بصورة حادة، فيما بقيت مستويات الملاحة أدنى بكثير مما كانت عليه قبل الأزمة.

بالنسبة إلى دولٍ يعتمد جُزءٌ كبير من تجارتها الخارجية على العبور عبر المضيق، يعني ذلك أنَّ الحرب لا تُهدّد صادرات الطاقة وحدها، بل ترفع أيضًا كلفة الواردات والتأمين والشحن وتؤخّر سلاسل الإمداد.

أما عُمان، فتملك موانئ مثل الدقم وصلالة المطلة مباشرة على بحر العرب، بما يتيح لها الوصول إلى المحيط الهندي والأسواق الآسيوية والأفريقية من دون عبور هرمز.

وهذه ليست حصانة كاملة، لكنها ميزة استراتيجية كبيرة.

وقد أشار صندوق النقد الدولي إليها بصورة مباشرة عندما اعتبر أنَّ قدرة الاقتصاد العُماني على الصمود منذ اندلاع الحرب تعود، إلى جانب السياسات المالية الحذرة، إلى موقع الموانئ الرئيسية خارج نقطة الاختناق في مضيق هرمز.

وهنا تكشف الحرب عن معنى أوسع للتنويع الاقتصادي.

فعادة ما يُقاس التنويع بنسبة مساهمة النفط في الناتج أو الإيرادات الحكومية. لكن الأزمة الحالية أظهرت أنَّ هناك نوعًا آخر من التنويع لا يقل أهمية: تنويع طرق الوصول إلى العالم.

وجود ميناء بديل، وطريق تجاري بديل، ومصدر طاقة بديل، وشبكة اتصالات بديلة، لا يبدو دائمًا استثمارًا عاجلًا في أوقات الاستقرار. لكن قيمته تتغيّر تمامًا عندما يصبح ممر بحري تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة المنطقة عُرضةً للتعطيل.

من هنا تكتسب الدقم أهمية تتجاوز الحسابات التقليدية للعائد على الاستثمار. فالميناء والمنطقة الاقتصادية المحيطة به لا يشكلان فقط مشروعًا صناعيًا ولوجستيًا، بل يضيفان عمقًا اقتصاديًا إلى دولة تقع جغرافيًا عند بوابة هرمز لكنها ليست مضطرة إلى وضع كل تجارتها خلف تلك البوابة.

الحرب، بهذا المعنى، لم تخلق قيمة الجغرافيا العُمانية. لكنها كشفت قيمتها.

النفط الأغلى لا يجعل الحرب مربحة

قد توحي الأرقام المالية بأنَّ عُمان من الدول المستفيدة من ارتفاع أسعار الطاقة. لكن ذلك سيكون استنتاجًا ناقصًا.

فالحرب تعطي الخزينة بيد، وتأخذ من أجزاء أخرى من الاقتصاد باليد الثانية.

ويظهر ذلك بوضوح في الفرق بين نمو القطاع النفطي ونمو الاقتصاد غير النفطي. ففي الوقت الذي يتوقع فيه صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الكلي 3.7% هذه السنة، خفّض تقديراته لنمو الأنشطة غير الهيدروكربونية إلى 2.5%، نتيجة تأثير الحرب خصوصًا في السياحة والإنشاءات. كما ارتفع التضخم من متوسط بلغ 1% في 2025 إلى 2.8% على أساسٍ سنوي خلال الفترة من كانون الثاني (يناير) إلى أيار (مايو) 2026، مدفوعًا بارتفاع أسعار الغذاء والنقل.

وهنا تبدأ المفارقة الاقتصادية الأعمق.

فالقطاع الذي تحاول عُمان تقليل اعتمادها عليه هو الأكثر استفادة من الحرب، بينما تتعرّض بعض القطاعات التي تراهن عليها لتقليل ذلك الاعتماد للضغط بسبب الحرب نفسها.

السياحة تحتاج إلى حركة طيران مستقرة وإلى زوار لا ينظرون إلى المنطقة باعتبارها ساحة حرب. والصناعة تحتاج إلى مواد أولية وسلاسل إمداد يمكن توقع مواعيدها وكلفتها. والإنشاءات تحتاج إلى تمويل وشحن وتأمين. أما الاستثمار الأجنبي فيحتاج قبل كل ذلك إلى مستوى من الاستقرار يسمح للمستثمر بتقدير المخاطر والعائد لسنوات مقبلة.

وكلّما طال الصراع، ازدادت صعوبة هذه الحسابات.

بل إنَّ الخطر لا يتطلّب بالضرورة إصابة منشأة عُمانية أو إغلاق ميناء عُماني. يكفي أن ترتفع علاوة المخاطر على المنطقة، أو تتغيّر مسارات الطيران، أو تزداد أقساط التأمين البحري، أو تؤجّل الشركات العالمية قرارات الاستثمار، حتى تبدأ الكلفة في الظهور داخل الاقتصاد.

ولهذا حذّر صندوق النقد الدولي من أنَّ استمرار التصعيد يمكن أن يقود إلى تباطؤ إقليمي وعالمي أعمق، يضغط على السياحة والصادرات غير النفطية وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ويؤثر في النهاية حتى في النمو والمالية العامة والحساب الخارجي للسلطنة.

وهذه النقطة مهمة لأنَّ نجاح عُمان في السنوات المقبلة لن يُقاس فقط بما يحدث في قطاع النفط، بل بما إذا كانت القطاعات الأخرى تستطيع مواصلة النمو عندما تصبح البيئة الإقليمية أقل استقرارًا.

“رؤية عُمان 2040” أمام اختبار لم يكن في الحسابات

جاءت الحرب في توقيت حساس.

فالعام 2026 يمثل بداية الخطة الخمسية الحادية عشرة 2026-2030، وهي المرحلة التنفيذية الثانية لـ”رؤية عُمان 2040″. وكانت الفكرة أن تنتقل السلطنة بعد سنوات من الإصلاح والاستقرار المالي إلى مرحلة النمو والتوسُّع الاقتصادي.

الخطة تستهدف متوسط نمو حقيقي يقارب 4%، ورفع الاستثمار إلى 28% من الناتج المحلي الإجمالي، وتدفقات استثمار أجنبي مباشر تعادل 11% من الناتج، وزيادة مساهمة القطاع الخاص إلى 56%. كما تستهدف نمو الأنشطة غير النفطية بنحو 4%، مع تركيزٍ خاص على الصناعات التحويلية، التي تستهدف نموًّا بنحو 5.9%، والسياحة 5.7%، والاقتصاد الرقمي 10.8%.

وهذه ليست مجرد أهداف نمو. إنها محاولة لتغيير مصادر الثروة وفرص العمل في الاقتصاد العُماني.

وتستهدف الخطة أيضًا توفير نحو 300 ألف فرصة عمل للعُمانيين خلال خمس سنوات، معظمها في القطاع الخاص. ولذلك فإنَّ نجاح التنويع لم يعد قضية تتعلق بالموازنة وحدها، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بسوق العمل والاستقرار الاجتماعي وقدرة القطاع الخاص على استيعاب أعداد متزايدة من المواطنين.

من هنا تصبح الحرب اختبارًا لـ”رؤية 2040″ بطريقة لم تكن متوقعة عند تصميمها.

فالخطة تحتاج إلى استثمارات إضافية تقدَّر بنحو 15.6 مليار ريال عُماني (نحو 40.57 مليار دولار)، وإلى تدفقات كبيرة من رأس المال الأجنبي، وإلى توسُّع في السياحة والصناعة والخدمات والاقتصاد الرقمي. وكلها قطاعات تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة نسبيًا.

في المقابل، تمنح أسعار النفط المرتفعة الحكومة قدرة أكبر على حماية الإنفاق الاستثماري وعدم التضحية بالمشاريع الأساسية عندما ترتفع النفقات الطارئة.

وهذا يضع مسقط أمام خيار مهم: هل تتعامل مع الإيرادات النفطية الاستثنائية باعتبارها فرصة لزيادة الإنفاق، أم باعتبارها احتياطًا استراتيجيًا لتمويل التحول الاقتصادي وحمايته من حربٍ قد تطول؟

التجربة التي مرّت بها السلطنة منذ 2020 تُرجّح الخيار الثاني. فقد كان تقليص الدين أحد أهم أسباب تحسُّن وضعها الحالي. وإذا استمرت السياسة نفسها، يمكن توجيه جزء من الإيرادات الإضافية إلى خفض الدين أكثر، وتعزيز الاحتياطيات، وحماية المشاريع ذات الأولوية، والاستثمار في البنية التحتية التي تقلل تعرُّض الاقتصاد للصدمات الخارجية.

وهذا أكثر أهمية من مجرد تسجيل فائض كبير في سنة واحدة.

فالنفط فوق 100 دولار قد يكون نتيجة حرب، وليس مستوى جديدًا دائمًا للسوق. وإذا انتهت الأزمة وعادت الإمدادات، يمكن أن تنخفض الأسعار سريعًا. أما الإنفاق الدائم الذي تنشئه الحكومة خلال فترة الأسعار المرتفعة فلا ينخفض بالسرعة نفسها.

لذلك فإنَّ التحدي الحقيقي هو ألّا تتحوَّل مكاسب الحرب النفطية إلى سببٍ لإعادة إنتاج الاعتماد على النفط الذي تحاول “رؤية 2040” تقليصه.

اقتصادٌ تَنَوَّعَ أسرع من خزينته

وهنا تظهر إحدى أهم الحقائق في التجربة العُمانية.

لقد نجحت السلطنة في جعل الاقتصاد نفسه أكثر تنوُّعًا، لكن إيرادات الدولة لم تتنوّع بالسرعة نفسها.

وهذا فارق جوهري. فقد تنمو الصناعة والسياحة واللوجستيات والخدمات والتكنولوجيا، لكن الخزينة تظل شديدة الحساسية لسعر النفط والغاز ما دامت الإيرادات الهيدروكربونية تشكل حصة كبيرة من موارد الحكومة.

ولهذا تتضمّن الخطة الخمسية الجديدة هدفًا واضحًا لرفع مساهمة الإيرادات غير النفطية إلى نحو 37.4 من إجمالي الإيرادات العامة بحلول نهاية 2030.

والحرب تجعل الوصول إلى هذا الهدف أكثر إلحاحًا، لا أقل.

فارتفاع أسعار النفط قد يمنح انطباعًا بأنَّ الاعتماد عليه ليس مشكلة في الوقت الراهن. لكنه في الحقيقة يُذكِّر بأنَّ المالية العامة ما زالت تستفيد أو تتضرر بسرعة من متغيّر لا تتحكّم فيه مسقط.

اليوم يعمل المتغيّر لمصلحتها. غدًا قد يحدث العكس.

من هنا ينبغي النظر إلى الإيرادات الإضافية الحالية ليس باعتبارها انتصارًا للنفط على التنويع، بل فرصة يمكن أن يموّل النفط من خلالها عملية التخلّص التدريجي من الاعتماد المفرط عليه.

حين يصبح الحياد جزءًا من الاقتصاد

هناك أيضًا عنصرٌ عُماني آخر لا يظهر بسهولة في أرقام الناتج والموازنة: السياسة الخارجية.

بنت السلطنة طوال عقود سياسة قائمة على المحافظة على علاقات مع أطراف متخاصمة، من إيران إلى الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، واستخدمت هذا الموقع مرارًا في الوساطة وفتح قنوات الاتصال.

وفي الحرب الحالية، أصبحت هذه السياسة أكثر أهمية.

فمسقط لا تقع بعيدًا من مركز الصراع؛ إنها تطلُّ على المضيق الذي أصبح أحد محاوره الرئيسية. وقد حاولت عُمان بالفعل استخدام دورها الديبلوماسي لطرح ترتيبات تتعلق بإدارة الملاحة في هرمز، في وقت أصبح مستقبل المضيق جزءًا من المفاوضات المتعلقة بإنهاء الحرب.

وهكذا تلتقي السياسة الخارجية بالاقتصاد.

فنجاح الوساطة العُمانية لا يعني فقط خفض خطر عسكري على المنطقة. إنه يعني أيضًا إعادة السفن إلى مساراتها، وخفض التأمين، واستعادة حركة الطيران، وتحسين ثقة المستثمرين، وحماية المشاريع التي تعتمد عليها “رؤية 2040”.

لكن الحياد لا يمنح السلطنة حصانة من الحرب.

فإذا أصبحت حالة عدم اليقين هي الوضع الطبيعي في الخليج، فإنَّ الشركات العالمية ستُسَعّر الخطر الإقليمي في قراراتها حتى لو بقيت عُمان نفسها مستقرة. وهذا ما بدأت الأسواق تفعله بالفعل، إذ لم تعد تنظر إلى الحرب باعتبارها مجرّد اضطرابٍ موقَّت، بل إلى احتمال أن تتحوّل إلى بيئة طويلة من المخاطر غير القابلة للتنبؤ.

وهنا قد يكون الخطر الأكبر على النموذج العُماني.

فالدولة تريد أن تكون مركزًا للصناعة والخدمات اللوجستية والسياحة والاستثمار والطاقة الجديدة. وهذه القطاعات لا تحتاج فقط إلى الأمن داخل الحدود، بل إلى منطقة يمكن التنبؤ بمستقبلها.

من جهةٍ أخرى، كشفت الحرب أيضًا عن معنى جديد للاستثمارات التي قامت بها عُمان خلال السنوات الماضية.

فالدقم لم يعد مجرد مشروع لتنويع الاقتصاد. وصلالة ليست مجرد محطة على طريق التجارة بين آسيا وأوروبا. والاستثمار في شبكات النقل والطاقة والاتصالات ليس مجرد بند في خطط التنمية.

كل هذه الأصول أصبحت جزءًا من قدرة الاقتصاد على الاستمرار تحت الضغط.

وهذا ربما يكون الدرس الاقتصادي الأهم للحرب بالنسبة إلى عُمان: التنويع الحقيقي لا يقاس فقط بعدد القطاعات الموجودة في الناتج المحلي، بل بعدد البدائل المتاحة للدولة عندما تتعطل إحدى الشبكات التي يعتمد عليها اقتصادها.

إذا تعطّل ممر، هل يوجد ممرٌّ آخر؟ إذا تراجعت إيرادات قطاع، هل توجد إيرادات أخرى؟ إذا توقف مصدر تمويل، هل توجد أسواق بديلة؟ وإذا أصبحت منطقة معينة غير آمنة، هل تستطيع التجارة أن تُغيِّر اتجاهها من دون أن يتوقف الاقتصاد؟

في هذه الأسئلة تبدو عُمان اليوم أقوى مما كانت عليه قبل سنوات.

لكن الحرب لم تنتهِ، والخطر يكمن تحديدًا في الزمن.

فكلما طال الصراع، تحولت الكلفة من خسارة موقتة إلى تغيير في سلوك الشركات والمستثمرين. وقد لا تعود خطوط الملاحة والتأمين والطيران إلى أوضاعها السابقة فور توقف إطلاق النار. تجربة الممرات البحرية الأخرى أظهرت أنَّ الشركات يمكن أن تستمر في استخدام الطرق البديلة حتى بعد تراجع الخطر إذا أصبحت تلك الطرق جزءًا من استراتيجياتها الجديدة لإدارة المخاطر.

وهذا يعني أنَّ السلطنة لا تستطيع الاكتفاء بالقول إن موانئها خارج هرمز. عليها أن تُحوّل هذه الميزة إلى ميزة اقتصادية دائمة: مزيد من الربط اللوجستي، ومزيد من الصناعات حول الموانئ، واتفاقات تجارية أوسع، وسلاسل توريد أكثر تنوُّعًا، وقدرة أكبر على جذب الشركات التي تبحث عن منفذ خليجي أقل تعرُّضًا للاختناق البحري.

عندها يمكن أن تصبح الجغرافيا التي ساعدت عُمان على تحمُّل الحرب جزءًا من نموذجها الاقتصادي بعد الحرب أيضًا.

في النهاية، لا تبدو المشكلة العُمانية في 2026 أزمة مالية بالمعنى التقليدي. فالسلطنة تدخل هذه المرحلة بدَينٍ أقل، وقطاع مصرفي قوي، وتصنيف استثماري، وأسعار نفط أعلى من افتراضات الموازنة. بل إنَّ صندوق النقد الدولي يرى أنَّ القطاع المصرفي يتمتع برسملة وسيولة جيدة وأنَّ المالية العامة مرشحة لتحقيق فائض كبير هذه السنة.

لكن الاختبار الأصعب يقع في مكانٍ آخر.

إنه اختبار ما إذا كانت الإصلاحات التي جعلت عُمان أكثر قدرة على تحمُّل الصدمة المالية تستطيع أيضًا حماية مشروع التحوُّل الاقتصادي من صدمة جيوسياسية طويلة.

فالحرب قد تملأ الخزينة بإيرادات إضافية من النفط، لكنها تستطيع في الوقت نفسه أن تؤخّر فندقًا جديدًا، أو مصنعًا، أو مشروعًا لوجستيًا، أو استثمارًا أجنبيًا، أو آلاف الوظائف التي يفترض أن تنتجها القطاعات غير النفطية. والمشكلة أنَّ خسارة البراميل يمكن قياسها فورًا، فيما يصعب قياس الاستثمارات التي لم تأتِ أصلًا بسبب الخوف وعدم اليقين.

لهذا لا ينبغي أن يُقاس نجاح عُمان في عبور الحرب بحجم الفائض المالي الذي ستسجله في نهاية السنة، بل بما سيبقى من زخم “رؤية 2040” عندما تنتهي الحرب.

وهنا تكمن المفارقة العُمانية: النفط الأغلى يمنح مسقط المال، والجغرافيا تمنحها هامشًا للحركة، والإصلاحات السابقة تمنحها قدرة على الصمود. لكن الامتحان الحقيقي ليس حماية اقتصاد النفط من الحرب، بل حماية اقتصاد ما بعد النفط الذي تحاول السلطنة بناءه. فإذا استطاعت استخدام عائدات الأزمة وموقعها الاستراتيجي لتسريع هذا التحول بدل تأجيله، تكون عُمان قد حولت إحدى أخطر حروب المنطقة من تهديد لمسارها الاقتصادي إلى اختبار أثبت قيمة ذلك المسار.

Exit mobile version