اقتصادُ إيران يَختَنِق… لكن النظام لا يزال يتنفّس

تدفع الحرب والعقوبات الاقتصاد الإيراني إلى أزمة متفاقمة، لكن طهران أثبتت قدرة لافتة على نقل الجزء الأكبر من الكلفة إلى المواطنين والشركات. فهل يستطيع الضغط الأميركي خنق النظام، أم أنَّ معاناة الإيرانيين ستتفاقم قبل أن تنفد موارده؟

في سوق محلية بمدينة بندر عباس، إيران، آب/أغسطس 2026.

إسفنديار باتمانغليج*

بالنسبة إلى إيران والولايات المتحدة، بدا يوم 24 آب (أغسطس) وكأنه عودة جديدة إلى سيناريو مألوف، أو نسخة سياسية واقتصادية من “يوم جرذ الأرض” الذي تتكرر فيه الأحداث نفسها. فقد أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أنَّ واشنطن “تشنُّ هجومًا اقتصاديًا كاسحًا على الروابط المالية لإيران حول العالم”، مُضيفًا أنَّ الهدف هو “قطع كل شريان حياة اقتصادي يُبقي هذا النظام المستبد قائمًا”.

لم يكن الخطاب جديدًا. ففي نيسان (أبريل)، تعهّد بيسنت نفسه بأن تفرض الولايات المتحدة “حصارًا ماليًا خانقًا على النظام الإيراني”، في إطار ما سمّاه البيت الأبيض “عملية الغضب الاقتصادي”. وقبل ذلك بسنوات، عند إطلاق حملة “الضغط الأقصى” في أيار (مايو) 2018، توعّد وزير الخارجية الأميركي آنذاك مايك بومبيو إيران بـ”أقوى عقوبات في التاريخ”. وحتى إدارة الرئيس باراك أوباما سبقت إدارة ترامب إلى لغة مماثلة، عندما وعد أوباما في العام 2012 بفرض عقوبات “أكثر شللًا” على الحكومة الإيرانية.

ولا شك في أنَّ تراكم هذه القيود ترك آثارًا عميقة في الاقتصاد الإيراني. فمنذ الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، لم تحقق البلاد سوى معدلات نمو محدودة، فيما ظلت تعاني تضخمًا مرتفعًا أضعف القوة الشرائية وأثقل كاهل الشركات والأسر. وفي ظلِّ هذه البيئة، قلّصت الشركات الإيرانية استثماراتها في البنية التحتية، وتباطأت في تبنّي التقنيات الجديدة مقارنةً بنظيراتها في اقتصادات نامية أخرى. أما الأسر الإيرانية، التي كانت قد شهدت على مدى سنوات تحسُّنًا تدريجيًا في مستويات المعيشة، فأصبح جزء متزايد منها مهددًا بالانزلاق إلى ما دون خط الفقر الرسمي.

لكن العقوبات، على شدّتها، لم تحقق طوال معظم العقد الماضي هدفًا أكبر راهنت عليه واشنطن: دفع الاقتصاد الإيراني إلى الانهيار. فقد أثبتت طهران قدرة ملحوظة على التكيُّف مع الإكراه الاقتصادي الأميركي، وطوّرت، قبل الحصار الأخير، شبكة من الآليات التي مكّنتها من الالتفاف على القيود ومواصلة تصدير النفط، ولا سيما إلى الصين، التي بقيت عميلها الرئيسي.

وفي الوقت نفسه، تكيّفت القطاعات غير النفطية مع بيئة العقوبات بطرق أقل وضوحًا. فقد أدى الانخفاض الحاد في قيمة العملة الإيرانية إلى زيادة كلفة الواردات وتقليص قدرتها على منافسة المنتجات المحلية، بينما أصبحت السلع الإيرانية أرخص وأكثر قدرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية. وساعد ذلك على دعم الصادرات غير النفطية ومنح الاقتصاد متنفسًا إضافيًا. وبهذه الآليات، تمكنت إيران من تجنُّب نمط الانهيار الاقتصادي الجامح الذي شهدته اقتصادات أخرى خضعت لعقوبات قاسية، مثل سوريا وفنزويلا.

غير أنَّ الحرب تضع اليوم هذه القدرة على الصمود أمام اختبار مختلف جذريًا. فالعقوبات تضغط على الاقتصاد من الخارج وتقيّد قدرته على التجارة والتمويل والاستثمار، أما الحرب فتضرب جزءًا من قدرته الإنتاجية نفسها. وقد استهدفت غارات جوية أميركية وإسرائيلية عددًا من المنشآت الصناعية الحيوية، بينها بعض أهم مصانع الصلب والبتروكيماويات في إيران، وأدت الأضرار الناجمة عنها إلى تعطيل كبير في إنتاج سلع صناعية رئيسية.

وتزامن ذلك مع تراجع عام في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز واضطرابات مرتبطة بالحصار البحري الأميركي. ولم تقتصر التداعيات على صادرات إيران، بل امتدت إلى قدرتها على استيراد السلع الرأسمالية والاستهلاكية التي يحتاج إليها الاقتصاد. وبذلك، باتت طهران تواجه ضغوطًا متزامنة على جانبي المعادلة: تراجع القدرة على الإنتاج والتصدير من جهة، وصعوبة الحصول على المعدات والسلع والمدخلات الضرورية من جهة أخرى.

وبدأت المؤشرات الاقتصادية تعكس حجم هذا الضغط. فوفق تقديرات صندوق النقد الدولي الصادرة في تموز (يوليو)، يُتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بنسبة 5.4 في المئة هذا العام، بعدما كان قد انكمش بأقل من نصف هذه النسبة خلال الأشهر الاثني عشر السابقة. وفي موازاة ذلك، قفز معدل التضخم السنوي من 52.6 في المئة في كانون الأول (ديسمبر) 2025 إلى 88.6 في المئة بحلول مطلع الصيف، فيما هبط الريال إلى أدنى مستوى له على الإطلاق، متجاوزًا عتبة المليوني ريال للدولار.

ومع أنَّ الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءًا، فإنَّ قدرة القيادة الإيرانية على مقاومة الضغوط التي تستهدفها العقوبات لا تزال أكبر مما توحي به المؤشرات الظاهرة. فالتدهور الاقتصادي لم ينعكس، حتى الآن، على قدرة إيران على خوض الحرب، كما أنَّ مخزونات عدد من السلع لا تزال وفيرة، مستفيدة من خبرة تراكمت على مدى سنوات في إدارة اقتصاد يعمل تحت وطأة العقوبات. وفي الوقت نفسه، أتقنت الدولة الإيرانية، بما تمتلكه من أدوات قمع وسيطرة، آليات نقل الجزء الأكبر من الكلفة الاقتصادية إلى المواطنين، مع الحفاظ على الموارد اللازمة لتلبية احتياجاتها الأساسية.

وبهذا المعنى، يستطيع نهج الرئيس دونالد ترامب أن يزيد معاناة غالبية الإيرانيين وأن يرفع الكلفة الاجتماعية للعقوبات والحرب إلى مستويات شديدة القسوة، لكنه لا يضمن خنق الجمهورية الإسلامية نفسها أو دفعها إلى الانهيار. وهذه المفارقة هي التي تجعل قراءة المؤشرات الاقتصادية الإيرانية أكثر تعقيدًا مما قد توحي به أرقام التضخم والنمو وسعر الصرف وحدها.

تشريح الأزمة

لا ينكر المسؤولون الإيرانيون حجم الصعوبات التي تواجهها البلاد. ففي 21 آب (أغسطس)، أقر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو أحد أبرز صنّاع القرار في إيران، بخطورة الوضع، قائلًا: “مهما بلغت قوتنا العسكرية، فإننا لن نصمد إذا كان الشعب جائعًا وغابت السيولة المالية والنمو الاقتصادي والإنتاج المحلي”. وسارع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إلى الاستشهاد بهذه الكلمات باعتبارها دليلًا على أنَّ الحرب الاقتصادية الأميركية بدأت تُحقّق الغرض منها.

وفي مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي، عبّر الرئيس مسعود بزشكيان بدوره عن استيائه من استمرار بعض القادة السياسيين في التقليل من الأضرار الناجمة عن العقوبات، وقال: “يقول البعض إنَّ العقوبات لا تأثير لها على الإطلاق؛ والحقيقة أنني لا أعرف حقًا ما يمكن قوله لهؤلاء”.

وتكشف تصريحات قاليباف وبزشكيان عن قلقٍ حقيقي حيال المسار الذي يسلكه الاقتصاد الإيراني. ومن الطبيعي أن يشعر رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية بالقلق من تدهور المزاج الشعبي، في ظلّ العلاقة الوثيقة بين مستوى الرفاه الاقتصادي والشرعية السياسية. لكن الاستنتاج بأنَّ مثل هذه التصريحات تعني أنَّ الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار سيكون مبالغًا فيه. فكلا الرجلين يقرّ بحجم الضرر، لكن أيًا منهما لا يقول إنَّ الدولة فقدت قدرتها على إدارة الاقتصاد أو مواصلة عملها.

وهنا تظهر إحدى مشكلات القراءة الأميركية للاقتصاد الإيراني ولمدى نجاح سياسة الإكراه الاقتصادي. فالعقوبات لم تضعف الاقتصاد فحسب، بل أعادت أيضًا تشكيل اقتصاده السياسي، وغيّرت الطريقة التي تتوزع بها الموارد والكلفة بين الدولة والنخب والمواطنين. والمفارقة أنَّ هذا التحوُّل أسهم، في بعض جوانبه، في حماية بنية السلطة القائمة، حتى فيما كان يفاقم معاناة السكان.

ومن هذه الزاوية، لا تعكس انتقادات قاليباف وبزشكيان بالضرورة خوفًا من انهيارٍ اقتصادي وشيك، بقدر ما تُعبّر عن اعتراض على توافق سياسي سمح للنخب الإيرانية، على مدى سنوات، بتحميل عامة الناس القسم الأكبر من كلفة العقوبات. فهما ينتقدان، في جوهر الأمر، التداعيات الاجتماعية لسياسة داخلية أدت إلى حد بعيد الغرض الذي صُمِّمت من أجله: حماية قدرة الدولة ومؤسساتها الأساسية، ولو على حساب مستويات معيشة المواطنين.

لكن ثمة مشكلة أعمق في تقييم أثر العقوبات على إيران. فالحديث عن نجاحها أو فشلها يستند عادة إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي: معدل النمو، والتضخم، وسعر الصرف، وغيرها من الأرقام التي تتصدّر العناوين. وهذه مؤشرات مهمة بلا شك، لكنها تُقدّم في المقام الأول صورة مالية عن الاقتصاد، من خلال قياس قيمة السلع والخدمات وحركة الأسعار، ولا تكشف بالضرورة مدى قدرة الاقتصاد على الاستمرار في أداء وظائفه الأساسية.

أما النظرة الوظيفية فتتطلب الانتقال من المؤشرات العامة إلى ما يحدث داخل الشركات والأسر: ماذا تنتج الشركات؟ وما الذي تستطيع استيراده؟ وكيف تموّل عملياتها؟ وكيف تتكيّف الأسر مع ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل الحقيقي؟ وكيف تعيد الدولة توزيع الموارد عندما تصبح العملة الأجنبية أكثر ندرة؟ وعند النظر إلى الاقتصاد من هذه الزاوية، يصبح من الأسهل فهم لماذا لم تدفع سنوات من التدهور في المؤشرات الرئيسية إيران إلى الرضوخ، رغم الكلفة الكبيرة التي تحملها المجتمع.

وتبرز هنا المعضلة الأساسية التي تواجه أي دولة تخضع لعقوبات شاملة: كيفية التعامل مع الاختلال في ميزان المدفوعات عندما تتراجع الإيرادات الخارجية ويصبح الحصول على العملة الأجنبية اللازمة لتمويل الواردات أكثر صعوبة.

وأمام صنّاع السياسات، بصورة عامة، خياران. الأول هو اتباع سياسة نقدية توسعية لتحفيز الاستثمار والإنتاج المحلي، والسعي إلى استعادة الفائض التجاري من خلال زيادة الصادرات وإحلال الإنتاج المحلي محل جزء من الواردات. أما الثاني، فيقوم على تشديد السياسة النقدية وفرض تدابير تقشفية لكبح الطلب الداخلي، ولا سيما الطلب على الواردات، بما يسمح باستعادة الفائض التجاري من دون الحاجة إلى زيادة الصادرات.

والفارق بين المسارين ليس تقنيًا فحسب. فكل منهما يحدد، في نهاية المطاف، مَن يتحمل كلفة التكيف مع العقوبات داخل المجتمع الإيراني.

عندما واجه صنّاع السياسة في روسيا عقوبات واسعة عقب غزو أوكرانيا، اختاروا المسار الأول، فعززوا الإنفاق والتحفيز المالي، ما أدى إلى توسع سريع في النشاط الصناعي والتوظيف في قطاع التصنيع، وأسهم في نشوء “اقتصاد حرب” واضح المعالم. وكان هذا الإنفاق ضروريًا لزيادة الإنتاج العسكري، لكنه أدى أيضًا إلى تشديد سوق العمل وارتفاع الأجور الحقيقية للروس العاديين، ما ساعد في تخفيف الآثار الأولية للتضخم الناجم عن العقوبات. ومع أنَّ هذه السياسة بلغت لاحقًا حدودها وبدأ التضخم يفرض كلفة متزايدة على الاقتصاد، فإنها مكّنت روسيا من مواصلة السعي إلى تحقيق أهدافها الحربية رغم ضغوط العقوبات الأميركية.

أما إيران، فاختارت مسارًا مختلفًا. فعندما دفعتها العقوبات المالية والنفطية الواسعة التي فرضتها إدارة أوباما إلى الركود للمرة الأولى في العام 2012، دعا المرشد الأعلى علي خامنئي إلى تبني “اقتصاد المقاومة”، القائم على تعزيز القدرات المحلية لمواجهة ضغوط العقوبات. لكن صنّاع السياسة الاقتصادية لم ينجحوا في بناء سياسة صناعية جديدة أو إقامة نظام جديد للرعاية الاجتماعية يتناسب مع هذا التوجه.

وبدلًا من ذلك، تعايشت السلطات مع التضخم، وهو ما أدى عمليًا إلى نقل جزء كبير من كلفة العقوبات من الدولة إلى الأسر والشركات. واعتمدت الحكومات المتعاقبة ميزانيات تقشفية، وامتنعت عن اللجوء إلى الإدارة المباشرة للإنتاج والاستهلاك من خلال أدوات مثل الحصص أو ضوابط الأسعار. ومع تفاقم الأزمة، ازدادت سوق العمل ضعفًا، ما أتاح لأصحاب العمل كبح الأجور وفرض مزيد من الضغوط على دخول الأسر.

وقد يبدو ذلك، للوهلة الأولى، دليلًا على فشل السياسة الاقتصادية. لكن السلطات الإيرانية تبدو، في الواقع، متقبلة إلى حد بعيد لتباطؤ النشاط الاقتصادي، انطلاقًا من اعتقادها بأنَّ كبح الطلب والحفاظ على الموارد يمنحان البلاد قدرة أكبر على الصمود في مواجهتها مع الولايات المتحدة.

أوقات الرخاء وأوقات الشدة

وتكشف البيانات الاقتصادية على مستوى الشركات والأسر صورة أكثر وضوحًا لكيفية انعكاس الضغوط الأميركية على النشاط الاقتصادي الإيراني. فمراجعة بيانات “مؤشر مديري المشتريات”، التي تجمعها غرفة التجارة الإيرانية، تظهر بوضوح مسار الأزمة خلال السنوات الأخيرة.

بين عامي 2019 و2023، ظل الاقتصاد الإيراني في حالة انكماش خلال نحو ثلثي تلك الفترة، تحت تأثير مجموعة من الصدمات المتلاحقة، بدءًا من عقوبات “الضغط الأقصى” التي فرضها ترامب، مرورًا بجائحة كوفيد-19، وصولًا إلى الاضطرابات التي رافقت احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية”. ومع ذلك، تمكنت الصناعات غير النفطية من تحقيق نمو متواضع خلال الفترة نفسها.

ومع مطلع العام 2023، بدأت إيران بالخروج تدريجيًا من الركود الطويل، وسجّل الاقتصاد ككل والقطاع الصناعي نموًا متزامنًا. وبحلول آذار (مارس) 2024، بدأت مستويات المعيشة تتحسّن مجددًا، مدعومة بزيادة في الدخل الحقيقي بلغت نحو 15 في المئة.

لكن هذا التعافي تعثر بعد الغارات الجوية الإسرائيلية على إيران في نيسان (أبريل) 2024. ومنذ ذلك الحين، أدت حالة عدم اليقين الاقتصادي الناجمة عن المواجهات العسكرية المتكررة إلى تراجع مستمر في النشاط الصناعي ودفع الاقتصاد نحو ركود أعمق. وأفادت الشركات الصناعية بتدهور أوضاعها على مدى ثمانية أشهر متتالية.

غير أنَّ تراجع النشاط لا يعني بالضرورة أنَّ هذه الشركات تواجه إعسارًا ماليًا. فعلى مدى العقدين الماضيين، اعتادت الشركات الإيرانية الاحتفاظ بمخزونات كبيرة، وهي ممارسة تساعدها على الحد من أثر العقوبات واضطرابات سلاسل التوريد. كما تمنحها قدرًا إضافيًا من الحماية في بيئة شديدة التضخم، إذ تفقد السيولة النقدية قيمتها بسرعة، بينما تحتفظ السلع والمخزونات بجزء أكبر من قيمتها.

وتظهر بيانات الشركات المدرجة في بورصة طهران أنَّ متوسط “عدد أيام بقاء المخزون” — أي المدة التي تبقى خلالها السلع مخزنة قبل بيعها — يبلغ نحو ثلاثة أشهر في القطاعات الصناعية الإيرانية. وترتفع هذه المدة بصورة ملحوظة في بعض القطاعات الحساسة؛ ففي قطاع الآلات الكهربائية، الذي كان من الأهداف الرئيسية للقيود الأميركية، تحتفظ الشركات بمخزونات تكفي لتغطية احتياجاتها لفترات تصل إلى 200 يوم.

شكّلت هذه المخزونات الكبيرة مصدرًا مهمًا للمرونة الاقتصادية خلال الحرب. فقد تعرضت سلاسل التوريد الإيرانية لضغوط متزايدة مع تراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز، فيما لم يكن التحوّل نحو التجارة البرية كافيًا لتعويض خسارة حركة الحاويات عبر الموانئ الجنوبية للبلاد. ومع ذلك، أتاح توافر مخزونات كبيرة من المواد الخام والسلع نصف المصنَّعة والمنتجات النهائية للمنتجين الإيرانيين مواصلة تلبية احتياجات عملائهم، أو على الأقل احتياجات أولئك القادرين على الدفع.

وفي الوقت نفسه، واصلت الشركات رفع أسعارها للحفاظ على هوامش الربح، ونقلت بذلك ارتفاع تكاليف المدخلات إلى المستهلكين. ومع استمرار الحرب، بدأت الأسعار المرتفعة تضغط بشدة على الطلب، إذ راحت الأسر الإيرانية، المنهكة أصلًا بفعل سنوات من التضخم، تقلص استهلاكها. وعندما تضطر إلى الشراء، باتت تعتمد بصورة متزايدة على الائتمان الاستهلاكي، بما في ذلك أنظمة “الشراء الآن والدفع لاحقًا” والقروض غير الرسمية. وحتى في السلع الأساسية، مثل المواد الغذائية، أفاد تجار التجزئة الإيرانيون بتراجع حجم المبيعات.

ويشكل هذا الانخفاض الحاد في استهلاك الأسر مؤشرًا واضحًا إلى تراجع مستوى الرفاه الاقتصادي، وهو ما اضطر المسؤولين الإيرانيين إلى الإقرار بحجم المعاناة التي يتحمّلها المواطنون. ومع ذلك، لم تتدخل الحكومة حتى الآن لكبح ارتفاع الأسعار. فهي لم تكتفِ بالامتناع عن فرض ضوابط سعرية، على غرار الإجراءات التي ساعدت قبل أربعة عقود في تخفيف الضغوط المعيشية خلال الحرب الإيرانية العراقية، بل ناقشت أيضًا إلغاء التحويلات النقدية ودعم الطاقة عن شرائح واسعة من السكان.

وفي ظل هذه السياسة، أصبح تراجع الطلب نفسه أداة لتقنين الاستهلاك، ووسيلة تتيح للنخب السياسية والاقتصادية تحميل عامة الناس القسم الأكبر من كلفة الحرب والعقوبات. وعلى الرغم من الضغوط المالية الكبيرة التي تواجهها الحكومة، فإنها قبلت بالتضخم باعتباره كلفة لا مفر منها للحفاظ على مستويات إنفاقها. ومع بقاء التضخم الشهري دون عشرة في المئة، لا تزال إيران بعيدة من مرحلة التضخم المفرط، التي تبدأ عادة عندما تتجاوز الزيادة في الأسعار 50 في المئة شهريًا، وعندها يصبح استمرار هذه الاستراتيجية أكثر صعوبة.

وفي المقابل، وفَّرَ تراجع النشاط الاقتصادي متنفسًا للاقتصاد الحقيقي. فمن الناحية المالية، أصبح الاقتصاد الإيراني في وضع أسوأ مما كان عليه عند بداية الحرب، لكن قدرته التشغيلية أظهرت قدرًا أكبر من الصمود. فمستويات المخزون بقيت من دون تغيير تقريبًا مقارنة بما كانت عليه في كانون الأول (ديسمبر) 2025، ما يفتح المجال أمام وصول العرض والطلب إلى توازن جديد، وإن كان عند مستوى أدنى من النشاط الاقتصادي.

وتبقى الحاجة المستمرة إلى الواردات إحدى أبرز نقاط ضعف إيران في مواجهة العقوبات والحصار. فقد بلغت قيمة الواردات 17 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة التقويمية الإيرانية الحالية، التي بدأت في آذار (مارس). وإذا استمرَّ هذا المسار، فمن المرجح أن تبلغ الواردات نحو 40 مليار دولار بحلول نهاية العام، مقارنة بـ58 مليار دولار في العام السابق و72 مليار دولار في العام الذي سبقه.

ولا شك في أنَّ هذا الانخفاض الكبير في الطلب على الواردات، الناجم عن التضخم وتراجع قيمة العملة، يعكس عمق الأزمة الاقتصادية. لكنه يؤدي، في الوقت نفسه، وظيفة أخرى بالنسبة إلى صنّاع القرار: خفض الحاجة إلى العملة الأجنبية وتخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات. وفي المدى القريب، قد يساعد ذلك إيران على تجنب انهيار اقتصادي شامل، وربما تأجيل خطره لسنوات عدة.

وضع الطاقة المنخفضة

عندما استحضر بيسنت في مؤتمره الصحافي في آب (أغسطس) صورة “يوم الإنزال” (D-Day) الاقتصادي، أغفل جانبًا أساسيًا من المعادلة: طبيعة الطرف الذي تقف خطته في مواجهته. فعلى الرغم من أنَّ الأمر قد لا يبدو كذلك للوهلة الأولى، فإنَّ نجاح السلطات الإيرانية في تحميل المواطنين العاديين كلفة العقوبات والحرب معًا يمثل، في حد ذاته، شكلًا من أشكال التعبئة في زمن الحرب. وقد لا يختار الإيرانيون العاديون المشاركة في هذه التعبئة، لكنهم، في ظل النظام القائم، لا يملكون خيارًا فعليًا لتجنبها.

في منشور حديث على وسائل التواصل الاجتماعي، تساءل ترامب: “متى سينتفض الشعب الإيراني ويقاتل؟”. لكن حتى إذا عاد الإيرانيون إلى الشوارع احتجاجًا على الضغوط الاقتصادية التي يتعرّضون لها، فمن المرجح أن يواجهوا مجددًا العنف الذي تستخدمه الجمهورية الإسلامية لقمع الاحتجاجات.

وبفضل ما تمتلكه الدولة من أدوات واسعة للقمع والسيطرة، يعتقد كثير من القادة الإيرانيين أنَّ في إمكانهم إجبار السكان على تحمُّل مزيد من المعاناة، ولا سيما إذا رَؤوا أنَّ ذلك ضروري للصمود في المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وتحقيق أهدافهم فيها. ومن هنا، فإنَّ الرهان على أنَّ الضائقة الاقتصادية ستتحول تلقائيًا إلى ضغط سياسي قادر على تغيير حسابات النظام يبقى رهانًا غير مضمون.

ولكي تخرج إدارة ترامب منتصرة في حربها الاقتصادية، لا يكفي أن تضغط على الحكومة أو أن تعرقل مصادر دخلها، بل عليها عمليًا أن تخنق اقتصادًا يضم نحو 25 مليون أسرة وأكثر من مليون شركة. وقد نجحت العقوبات والحرب بالفعل في إبطاء النشاط في أجزاء واسعة من هذا الاقتصاد وإضعاف قدرة الإيرانيين على الاستهلاك والاستثمار. لكن ذلك لا يعني بالضرورة نفاد الموارد التي تحتاج إليها الدولة للاستمرار.

وهنا تكمن المفارقة التي تختصر حدود استراتيجية الضغط الاقتصادي على إيران: ففي الوقت الذي يصبح فيه التنفس أكثر صعوبة في أجزاء واسعة من الاقتصاد الإيراني، ستظل هناك، على الأرجح، وفرة من الأوكسجين المتاحة لنخبة البلاد.

Exit mobile version