ماتَ تنظيمُ “القاعدة”… وبقيت الحربُ عليه

بعد 25 عامًا على هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، انتهى تنظيم بن لادن، لكن واشنطن ما زالت تتعامل مع “القاعدة” كأنه تنظيم عالمي قائم. وبين هزيمة التنظيم واستمرار الإرهاب الجهادي، ضاعت حدود حرب كان يفترض أن تنتهي بانتهاء عدوها.

في مقر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في واشنطن، تشرين الثاني/نوفمبر 2013.

أودري كيرث كرونين*

لقد انتهى تنظيم “القاعدة”. فالتنظيم الذي أسسه وقاده أسامة بن لادن، وشنَّ قبل 25 عامًا هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 التي أودت بحياة 2977 أميركيًا بريئًا في مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاغون وريف بنسلفانيا، لم يعد موجودًا. وعلى المسؤولين الأميركيين أن يعترفوا بهذه الحقيقة صراحة، بدل أن يواصلوا تعزيز إرث التنظيم بالتصرّف والحديث كما لو أنه لا يزال قائمًا. صحيح أنَّ الإرهاب لم ينتهِ، وأنَّ الفكر الجهادي لم يختفِ، وأنَّ الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران قد تؤجج مزيدًا من المشاعر المعادية للولايات المتحدة وأعمال العنف، لكن الجماعة التي هاجمت أميركا في 11 أيلول (سبتمبر) انتهت.

وفي السنوات التي أعقبت تلك الهجمات، كرّس آلاف الأميركيين حياتهم لملاحقة المسؤولين عنها والسعي إلى القصاص للضحايا. فقد أحدثت مشاهد الطائرات وهي تصطدم بالأبراج، وما رافقها من صور مروّعة لأبرياء سُحقوا أو احترقوا أو قفزوا من الطوابق العليا هربًا من النيران، صدمة عميقة في أنحاء الولايات المتحدة وأطلقت استجابة عاطفية وعسكرية هائلة. وكانت كلفتها باهظة: ففي الحروب التي أعقبت 11 أيلول (سبتمبر)، قُتل أكثر من 15 ألفًا من العسكريين والمتعاقدين الأميركيين في المعارك، وأصيب نحو 1.8 مليون آخرين بإعاقات. وبين عامي 2012 و2021، بلغ عدد حالات الانتحار بين العسكريين، في الخدمة الفعلية ومن المحاربين القدامى، أربعة أضعاف عدد القتلى في العمليات القتالية.

وشارك حلفاء الولايات المتحدة في دفع هذا الثمن أيضًا. فقد قاتل عسكريون من دول عدة، ولا سيما كندا والدانمارك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، إلى جانب القوات الأميركية، وقُتل المئات منهم. ويستحق هؤلاء وعائلاتهم أن يعرفوا أنَّ تضحياتهم لم تذهب سدى. فقد خسرت واشنطن وحلفاؤها الحرب في أفغانستان، لكنهم نجحوا في القضاء على تنظيم “القاعدة” الذي كان السبب الأساسي في خوضها.

ومع ذلك، لا يزال الإرهاب الجهادي يمثل تهديدًا، كما أنَّ الجماعات التي تحمل اسم “القاعدة” لم تختفِ. فمنظمات خطيرة تنشط في شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل وجنوب آسيا، وتنفذ هجمات وتسيطر على أراضٍ، فيما اقترب بعضها من تهديد بقاء حكومات، خصوصًا في مالي والصومال واليمن. كذلك يتلقى جهاديون من اتجاهات مختلفة تدريبات في أفغانستان التي تحكمها “طالبان»، وهو تطور يستدعي مراقبة دقيقة.

لكن أيًا من الجماعات التي توصف أحيانًا بأنها “فروع لتنظيم القاعدة” لا يخضع لقيادة مركزية من تنظيم بن لادن أو يتلقى منه توجيهًا عملياتيًا. ولهذا ينبغي للمسؤولين التوقف عن الإيحاء بوجود مثل هذه العلاقة، لأنها تضخم حجم التهديد الذي تمثله هذه الجماعات من دون أن تجعل مواجهتها أكثر فاعلية. والأفضل، في الواقع، التخلي عن استخدام مصطلح “فرع لتنظيم القاعدة” أصلًا.

ويكشف سجل الهجمات المرتبطة مباشرة بـ”القاعدة” كيف فقد التنظيم المركزي زخمه وقدرته على الاستمرار. فقبل 11 أيلول (سبتمبر)، حافظ التنظيم الأم على وتيرة من العمليات الدولية ضد أهداف أميركية، وارتبط اسمه بسلسلة من الهجمات الكبرى، وصولًا إلى تفجيري السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، اللذين أسفرا عن مقتل 224 شخصًا وإصابة الآلاف، والهجوم على المدمرة الأميركية “يو أس أس كول” عام 2000، الذي قُتل فيه 17 شخصًا.

أما بعد 2001، فتراجعت قدرته على استهداف الأراضي الأميركية بصورة حادة. واقتصرت أبرز المحاولات على محاولة فاشلة في العام نفسه لتفجير عبوة مخبأة في حذاء على متن طائرة متّجهة إلى ميامي، ومخطط انتحاري فاشل عام 2009 لاستهداف مترو أنفاق نيويورك. وفي المقابل، ألحق التنظيم أضرارًا أكبر بحلفاء الولايات المتحدة وأصدقائها من خلال هجمات دامية في بالي عام 2002 والرياض عام 2003 ولندن عام 2005. لكن بعد موجة الهجمات التي شهدها العقد الأول من القرن الحالي، انتقل الزخم إلى جماعات جهادية أخرى، فيما توقفت العمليات العالمية لتنظيم “القاعدة” الأم فعليًا بعد عام 2009.

على مدى عقود، درستُ الكيفية التي تنتهي بها الجماعات الإرهابية، مستندةً إلى قاعدة بيانات تضم 457 تنظيمًا وحملة إرهابية تمتد على مدى قرن. ومن خلال تحليل تركيبة هذه الجماعات وأهدافها والجمهور الذي تسعى إلى مخاطبته، يمكن رصد مسارات مشتركة لنهاياتها. ورُغمَ أنَّ هذه المسارات قد تتداخل، فإنها تندرج عمومًا ضمن ستة أنماط رئيسية: “قطع الرأس”، أي القضاء على القيادة؛ والتفاوض؛ والنجاح؛ والفشل؛ والقمع؛ أو التحول إلى شكل آخر من النشاط، مثل الجريمة المنظمة أو التمرّد المسلح.

وفي حالة تنظيم “القاعدة” الأم، أدت استراتيجيتا “قطع الرأس” والقمع العسكري دورًا مهمًا في إضعافه، لكن نهايته جاءت أساسًا نتيجة فشل استراتيجي؛ وهو تحديدًا السيناريو الذي كان أسامة بن لادن يخشاه.

هدفٌ متحرّك

بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، كان يُفترض أن تتركّز الحملة الأميركية على القضاء على المسؤولين عنها. لكن الولايات المتحدة أخفقت منذ البداية في تحديد طبيعة العدو بدقة. فـ”قرار التفويض باستخدام القوة العسكرية”، الذي أقره الكونغرس في 14 أيلول (سبتمبر) 2001، لم يذكر تنظيم “القاعدة” بالاسم، بل عرّف أعداء واشنطن بصيغة فضفاضة شملت “الدول أو المنظمات أو الأشخاص” الذين يحدد الرئيس أنهم خططوا لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) أو سمحوا بها أو نفذوها أو ساعدوا عليها.

وبعد أيام، وسّع الرئيس جورج بوش (الابن) نطاق المهمة أكثر، معلنًا أنَّ الحرب تبدأ بـ”القاعدة” لكنها لا تنتهي عندها، وأنها ستستمر إلى أن يتم العثور على كل جماعة إرهابية ذات امتداد عالمي ووقفها وهزيمتها.

وهكذا، وجدت الولايات المتحدة نفسها عمليًا في حرب ضد تكتيك، لا ضد عدو محدد. فالإرهاب شكّل من أشكال العنف السياسي عرفه العالم الحديث منذ موجة الإرهاب الفوضوي التي اجتاحت أوروبا قبيل الحرب العالمية الأولى. وباعتبار “الإرهاب” نفسه عدوًا، وضعت واشنطن أمامها مهمة يستحيل حسمها نهائيًا، وفتحت الباب أمام حربٍ تفتقر إلى حدودٍ واضحة ويمكن أن تمتدَّ إلى ما لا نهاية.

وسرعان ما ظهرت نتائج هذا الغموض. ففي أفغانستان، نجحت الولايات المتحدة في إطاحة حركة “طالبان” من السلطة في كابول، لكنها لم تتمكن من منع بن لادن وعدد من معاونيه من الفرار. ثم جاءت حرب العراق، على الرغم من عدم وجود “القاعدة” فعليًا هناك قبل الغزو الأميركي. ولم يظهر التنظيم المرتبط بها في العراق إلّا بعد نحو عام من الاحتلال.

بل إنَّ غزوَ العراق أسهم في إطالة عمر “القاعدة” أكثر من أيِّ حدثٍ آخر، إذ وفر للتنظيم قضية جديدة جذبت مجندين من الأوساط السنية في أنحاء العالم، وخلقت الظروف التي مهدت، في نهاية المطاف، لظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش).

مع ذلك، وعلى امتداد السنوات الخمس والعشرين التالية، نجحت الولايات المتحدة وحلفاؤها في هزيمة تنظيم “القاعدة” الذي قاده بن لادن، وإن حدث ذلك أحيانًا بصورة تكاد تناقض المسار الذي رسمته واشنطن لنفسها. كما أنَّ التنظيم نفسه ساهم، من حيث لم يقصد، في تسريع نهايته.

كان مقتل بن لادن في أبوت آباد بباكستان في أيار (مايو) 2011 محطة مهمة في هذا المسار، إذ وجّه ضربة قوية إلى تماسك التنظيم. فقد اقتحمت القوات الأميركية المجمع الذي كان يقيم فيه وقتلته، ثم نُقلت جثته بالمروحية إلى حاملة طائرات ودُفنت في البحر، ما حال دون تحوُّل قبره إلى مزار أو نقطة تجمُّع لأنصاره.

لكن الوثائق التي استولت عليها القوات الأميركية خلال الغارة لم تكن أقل أهمية من مقتل بن لادن نفسه. فقد قدمت أدلة قوية على أنه لم يعد، منذ فترة، يمارس توجيهًا مركزيًا لعمليات التنظيم. ولذلك، لم يكن مقتله هو الذي أنهى “القاعدة”، لكنه حقق العدالة بحق الرجل الذي قاد هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، وعمّق ضعف التنظيم وقلّص قدرة أنصاره على الالتفاف حول مؤسسه وقائده التاريخي.

بحلول أيلول (سبتمبر) 2011، كان المسؤولون الأميركيون يقدّرون أنَّ عدد العناصر الباقين ممن ارتبطوا مباشرة بتنفيذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) لا يتجاوز بضع عشرات. لكن بدل إعلان الانتصار على التنظيم عند تلك المرحلة والمضي قدمًا، وسّعت واشنطن حملة الطائرات المسيّرة، التي بدأت عام 2002 في عهد جورج بوش (الابن) وتكثفت في السنوات الأولى من رئاسة باراك أوباما. وانتقلت الحملة من استهداف قادة معروفين ومحددين إلى ما عُرف بـ”ضربات السمات”  (signature strikes)، التي تستهدف أفرادًا أو مجموعات مجهولة الهوية استنادًا إلى أنماط سلوك أو مواصفات معينة، ولم تعد العمليات مقتصرة على أفغانستان وباكستان، بل امتدت إلى الصومال واليمن.

وساهمت حملة الطائرات المسيّرة في إضعاف صفوف “القاعدة” والرد على محاولات شن هجمات جديدة. ففي اليمن، على سبيل المثال، قُتل عناصر من التنظيم كانوا قد درّبوا وجهزوا عمر فاروق عبد المطلب، المعروف بـ”مفجر الملابس الداخلية”، الذي حاول إسقاط طائرة ركاب مدنية عام 2009. لكن هذه الضربات غذّت أيضًا مشاعر الغضب التي استفاد منها المتطرفون. ووفق مقابلات رفع مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) السرية عنها، قال تامرلان تسارناييف، أحد منفذي تفجير ماراثون بوسطن عام 2013 والذي استلهم بدوره أفكارًا من تنظيم “القاعدة” في اليمن، لأحد أصدقائه إنَّ مقتل طفل في الثامنة من عمره في الهجوم كان مبررًا لأنَّ أطفالًا قُتلوا في أفغانستان وباكستان بغارات الطائرات الأميركية المسيّرة.

وكان للحملة أثرٌ استراتيجي أوسع على علاقات واشنطن بحلفائها، مع تصاعد المعارضة الشعبية في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وتركيا والمملكة المتحدة لـ”الحرب العالمية على الإرهاب” التي تقودها الولايات المتحدة. وهكذا، فعلى الرغم من الأهمية التكتيكية للطائرات المسيّرة، ودورها المحتمل في إحباط هجمات وإنقاذ أرواح، فإنها لم تكن هي التي قضت على تنظيم “القاعدة”.

الأكثر أهمية كان التعاون الاستخباراتي والأمني بين الولايات المتحدة وحلفائها، والذي لا يزال ركيزة أساسية في مكافحة الإرهاب. فقد ساعد تشديد القيود على تمويل الجماعات الإرهابية، وتطوير تقنيات الفحص وقواعد البيانات البيومترية، وتوسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية، واشنطن على اكتشاف التهديدات قبل وصولها إلى الأراضي الأميركية. وفي عام 2006، مثلًا، أدى التعاون الوثيق بين أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية إلى إحباط مخطط لـ”القاعدة” لاستخدام متفجرات من نوع “ثلاثي بيروكسيد الأسيتون” (TATP) مخبّأة في عبوات مشروبات لإسقاط طائرات ركاب متجهة إلى الولايات المتحدة أثناء عبورها المحيط الأطلسي.

تداعي التنظيم

لكن جانبًا كبيرًا من الضرر الذي أصاب “القاعدة” كان من صنع التنظيم نفسه. وكان من أهم أسباب ذلك رد الفعل الذي أثارته هجماته ضد المدنيين المسلمين، وما ترتب عليه من تراجع التأييد داخل المجتمعات التي زعم التنظيم أنه يدافع عنها. وقد أدرك بن لادن خطورة هذه المشكلة، وظهر إحباطه بوضوح في المراسلات التي عُثِرَ عليها في مجمعه في أبوت آباد. ففي رسالةٍ إلى أحد مساعديه في أيار (مايو) 2010، حذّر من أنَّ التنظيم بدأ يفقد صورته في نظر المسلمين بوصفه مدافعًا عنهم في مواجهة أعدائهم، ليبدو بدلًا من ذلك مسؤولًا عن قتل أشخاص يعتبرهم عامة الناس مسلمين.

وكانت “القاعدة” قد بدأت منذ عام 2004 إنشاء شبكة من الفروع حول العالم، لكن معظمها نشأ من جماعات كانت موجودة أصلًا، فيما ظلت طبيعة روابطها العملياتية بالتنظيم الأم ملتبسة في أحيان كثيرة. وحتى في تقدير بن لادن، ألحقت بعض هذه الجماعات المنفلتة ضررًا بقضية “القاعدة” يفوق ما قدمته لها من فائدة. فقد كان معظم ضحايا عنفها من المدنيين المسلمين، وكانت عائلات الضحايا ومجتمعاتهم تحمّل “القاعدة” مسؤولية دمائهم.

وتكشف استطلاعات مشروع “بيو” للمواقف العالمية حجم هذا التراجع. فبين عامي 2003 و2011، انخفض التأييد الشخصي لبن لادن في إندونيسيا من 59% إلى 26%، وفي الأردن من 56% إلى 13%، وفي الأراضي الفلسطينية من 72% إلى 34%. وحتى في باكستان، حيث كان بن لادن مختبئًا، تراجع التأييد له من 46% عام 2003 إلى 18% عام 2010. وبعد عقد واحد على هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، كان حلمه بقيادة طليعة قادرة على توحيد المسلمين قد تبدّد إلى حد بعيد.

وزادت الانقسامات الداخلية من تراجع التنظيم، وكان أخطرها الانشقاق الذي أدى إلى صعود تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، الذي تعود جذوره إلى جماعة كانت مرتبطة بـتنظيم “القاعدة” قبل أن تنفصل عنه وتسلك مسارًا خاصًا بها. وفي عام 2014، سيطر “داعش” على مساحات شاسعة من العراق وسوريا، واجتذب نحو 15 ألف مقاتل أجنبي من 80 دولة للانضمام إلى “الخلافة” التي أعلنها من جانب واحد.

وكان ذلك تحديًا غير مسبوق لـ”القاعدة” الأم. فبعد سنوات من تقديم نفسها باعتبارها رأس الحربة في الحركة الجهادية العالمية، وجدت أمامها منافسًا أكثر جاذبية لفئات من المتطرفين وأكثر قدرة على تحويل الشعارات إلى واقع ميداني. كان تنظيم “القاعدة” يمتلك الأفكار، أما “داعش” فكان يمتلك الأرض.

وعكس المسار الذي سلكه تنظيم “داعش” المشكلة الأساسية التي واجهها بن لادن في التعامل مع الجماعات التابعة لـ”القاعدة”، والتي لم تكن تشاركه استراتيجيته، وربما لم تكن تستوعبها أصلًا. ففي عام 2005، كتب أيمن الظواهري، الرجل الثاني في التنظيم، إلى أبي مصعب الزرقاوي، زعيم ما كان يُعرف آنذاك بـ”القاعدة في العراق” والذي انبثق من مساره لاحقًا تنظيم “داعش”، محذرًا إياه من قتل المدنيين الشيعة ومن بث مشاهد قطع رؤوس الرهائن. ورأى الظواهري أنَّ هذه الوحشية تنفّر المسلمين الذين يتعاطفون مع التنظيم وتضرُّ بقضيته أكثر مما تخدمها. لكن الزرقاوي تجاهل النصيحة.

وفي عام 2006، قُتل الزرقاوي في غارة جوية أميركية، لكن التيار الجهادي العالمي مال خلال العقد التالي أكثر نحو النهج الذي مثّله، مبتعدًا من الاستراتيجية الأكثر حذرًا نسبيًا التي تبنتها قيادة “القاعدة”. ومع صعود “داعش” وتفوقه على التنظيم الأم، سرعان ما بدأت حدود هذه الاستراتيجية تظهر، مثبتة إلى حد بعيد صحة التحذيرات التي وجهها الظواهري إلى الزرقاوي قبل سنوات.

وكان الخطأ الأول لـ”داعش” أنه حشد قواته وعتاده في مساحة جغرافية محددة، فتحول إلى هدف مثالي للقوة العسكرية التقليدية. أما الخطأ الثاني فكان تبنيه أشكالًا شديدة الوحشية من العنف، ما أثار عداء كل من لم ينتمِ إليه تقريبًا. وبحلول عام 2016، كان جزء كبير من العالم قد توحّد ضده. وبالتعاون مع القوات العراقية والكردية والسورية، تمكن التحالف الدولي الذي تشكل لهزيمته من استعادة الأراضي التي سيطر عليها وإنهاء “دولة الخلافة” بحلول عام 2019.

لكن الضرر الذي أصاب “القاعدة” كان قد وقع بالفعل. فقد التنظيم موطئ قدمه في العراق، وانقسمت قاعدته البشرية لمصلحة منافس بدا أكثر جاذبية لجيل من الشبان المتطرفين، وأكثر صخبًا وإثارة. وردّ الظواهري على هذا التحول بتبنّي قدر أكبر من اللامركزية والتركيز على جماعات في جنوب آسيا وشمال أفريقيا، مثل “القاعدة في شبه القارة الهندية” و”القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، انصبت أهدافها أساسًا على إسقاط الحكومات المحلية.

وفي تموز (يوليو) 2022، بعد نحو عام من الانسحاب الأميركي من أفغانستان، قُتل الظواهري في غارة نفذتها طائرة أميركية مسيّرة في كابول. وكان رد الفعل الفاتر على مقتله مؤشرًا إضافيًا إلى مدى ضعف النواة المركزية لـ”القاعدة” وتراجع أهميتها.

واليوم، يُعد سيف العدل الزعيم الفعلي للتنظيم. وهو يقيم في إيران، الدولة ذات الغالبية الشيعية التي أمضى فيها، إلى جانب قادة آخرين في “القاعدة” وعائلاتهم، سنوات طويلة تحت شكل من أشكال الإقامة الجبرية، ولا تزال قدرته على الحركة محدودة للغاية. والأكثر دلالة أنه لم يعلن نفسه رسميًا زعيمًا للتنظيم؛ ربما خشية اغتياله، أو ربما لأن ما بقي من “القاعدة” لم يعد يحتاج، في الواقع، إلى زعيم يقود تنظيمًا مركزيًا بالمعنى الذي كان قائمًا في عهد بن لادن.

ولا يمكن استبعاد أن يعيد التنظيم تشكيل نفسه يومًا ما، أو أن تنطلق هجمات مستقبلية برعاية أو دعم من إيران. لكن ذلك لا يغير الخلاصة الأساسية: تنظيم “القاعدة” الذي هاجم الولايات المتحدة قبل خمسة وعشرين عامًا انتهى. فقد ساهمت الولايات المتحدة أحيانًا في تسريع أفول التنظيم، فيما أدت بعض سياساتها في أحيان أخرى إلى إطالة عمره. لكن بعد ربع قرن من هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، تبقى النتيجة النهائية واضحة: لقد فشل تنظيم “القاعدة”.

Exit mobile version