البروفِسور بيار الخوري*
في الثامن والعشرين من حزيران (يونيو) 1914، كانت السيارة التي تقلُّ الأرشيدوق النمساوي فرانتس فرديناند في شوارع سراييفو مجرّد جسمٍ معدني عابر في مدينة مضطربة. الرصاصة التي قتلته داخلها حوّلتها إلى رمزٍ اختزلَ لاحقًا تناقضات أوروبا كلها: تحالفات متصلّبة، وسباقٌ تسلح محموم، وقوميات صاعدة، وإمبراطوريات تنتظر الشرارة. السيارة لم تكن سبب الحرب العالمية الأولى؛ كانت الشكل المرئي الذي اتخذه انفجارٌ كانت أسبابه قد تراكمت قبلها بسنوات.
هكذا يعمل التاريخ أحيانًا في الذاكرة الجماعية. فحين تكون أسباب الانهيار أكثر تعقيدًا من أن تُختَزَل في رواية واحدة، تبحث المجتمعات عن حادثة أو مكان أو جسم مادي تستطيع أن تعلّق عليه لحظة التحوُّل. لا يعود الشيء مهمًا بذاته، بل بما أصبح يمثله: نقطةً يمكن عندها تقسيم الزمن إلى ما قبل وما بعد.
في الثالث عشر من نيسان (أبريل) 1975، أدّت “بوسطة عين الرمانة” وظيفةً مشابهة في لبنان. لم تصنع البوسطة الحرب، مثلما لم تصنع سيارة سراييفو الحرب العالمية الأولى. كانت البلاد تحمل قبلها عناصر انفجارها: نظامًا سياسيًا ازدادت توازناته عجزًا عن استيعاب التحوّلات الاجتماعية والديموغرافية، وانقسامات داخلية متراكمة، ودولة محدودة القدرة، فيما كان الوجود الفلسطيني المسلح بعد “أيلول الأسود” في الأردن قد أدخل الصراع الإقليمي مباشرةً إلى قلب التوازن اللبناني.
لهذا لم تكن البوسطة سببًا بقدر ما كانت نقطة التحام. حادثة محلية في شكلها، لكنها وقعت عند المكان الذي التقت فيه الأزمة اللبنانية بالصراع الإقليمي. ومنذ تلك اللحظة، بدأ لبنان يدفع أثمان صراعاته الداخلية وصراعات الآخرين على أرضه معًا، فيما راحت كلفة الانهيار تنتقل تدريجًا من القوى التي خاضت الصراع إلى المجتمع الذي كان عليه أن يموّله بالدم والهجرة وفقدان الثروة وتآكل الدولة.
بعد ما يقرب من نصف قرن، في الرابع من آب (أغسطس) 2020، أعاد لبنان إنتاج النمط نفسه، ولكن بصيغةٍ مختلفة جوهريًا. كان العنصر الدخيل هذه المرة حمولة من نترات الأمونيوم منسية في مرفَإِ بيروت. أما البنية الداخلية فكانت مصرفية-إدارية بالدرجة الأولى: انهيار مؤسسات الدولة ومنظومة المحاصصة السياسية-الاقتصادية التي انفجرت أزمتها منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2019، مع سقوط الليرة وتجميد الودائع وانهيار القطاع المصرفي. وفي الخارج، كانت هناك شبكة تجارة دولية غامضة “تركت” حمولتها في مرفَإٍ فَقَدَ قدرته على حماية نفسه، انعكاسًا لدولة فقدت، في اللحظة نفسها، قدرتها على حماية عملتها ومصارفها ومواطنيها.
هنا تكمن الزاوية المحورية: لبنان لم يُصدّر فشله عبر هذا المرفَإِ، بل استورد عبره فشله الخاص. فالفشل لم يكن غريبًا عنه، بالمعنى التقليدي للاستيراد، بل كان “فشله الخاص” عائدًا إليه متنكّرًا في شحنة عابرة. والمرفأ الذي مثّل تاريخيًا نافذة اتصال بالعالم، في امتداد لدور الساحل اللبناني في التجارة البحرية منذ الفينيقيين، تحوّل إلى نقطة انكشاف اقتصادي وسياسي في آنٍ واحد.
بين المرحلتين ينعكس الاتجاه بوضوح. ففي عام 1975، استوردت الساحة اللبنانية صراعًا خارجيًا حقيقيًا عبر حدودها البرية، وامتلكت ذريعة الخصم المعلن: عدوًّا يمكن تسميته وتحميله الوزر. أما في عام 2020، فاستورد لبنان عبر مرفئه البحري ما هو، في جوهره، صنيعته هو، مموّهًا بغلاف من اللامبالاة الإدارية. وهذا الفارق يمثّل انتقالًا من أزمة تروي فيها الأمة عن نفسها حكاية الضحية، إلى أزمة تُسقط هذه الحكاية كليًا: لا عدوٌّ يُدان، ولا طرفٌ خارجي يمكن تحميله الذنب من دون التباس؛ الدولة تواجه انعكاسها في مرآة مرفئها فقط.
وهذا ما يجعل باخرة “روسوس” أخطر رمزيًا من بوسطة عين الرمانة. فالبوسطة أبقت الأسطورة الوطنية حية، وسمحت للبنانيين بأن يتقاسموا رواية القتال ضد قوى خارجية زرعت الفتنة بينهم. أما الباخرة فأسقطت هذه الأسطورة، ولم تترك مجالًا لرواية بديلة سوى الاعتراف بأنَّ المؤسسات التي كان يُفتَرَض أن تحمي المرفأ هي نفسها التي تركت الحمولة تتحلل داخله. وحين يفشل الرمز في إنتاج عدو خارجي، يتحوّل الفشل من حدثٍ قابلٍ للمعالجة السياسية إلى حالةٍ وجودية تلاحق شرعية الدولة ذاتها.
فالتقصير الإداري واللامسؤولية السياسية ليسا هنا مجرّد تفسيرٍ لحادثة، بل تشخيص لبُنية سياسية-اقتصادية تحوّلت، مع الوقت، إلى آليةٍ لتوليد أزماتها الخاصة وإعادة توجيهها نحو الداخل بدل معالجتها، تمامًا كما وصف تشارلز كيندلبرغر الأنظمة المالية التي تنتج ضعفها الخاص بمعزل عن الصدمات الخارجية، ولبنان هنا مثالٌ إضافي يؤكد أطروحته. فهو لا يصدّر أزماته إلى الخارج، ولا يستوردها من عدوٍّ مُعلَن؛ بل يُنتجها من داخل مؤسساته، ثم يعيد تصديرها إلى مواطنيه عبر الأبواب نفسها التي كان يُفترض أن تحميهم. وهذه المفارقة لا تختصر تاريخه الحديث فحسب، بل ربما تفسّر عجزه المستمر عن كتابة فصل مختلف منه.
في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، لم تكن الطائرتان اللتان اخترقتا بُرجَي مركز التجارة العالمي في نيويورك مركبتين عاديتين، بل تحوّلتا، في لحظة الاصطدام، إلى الوعاء نفسه الذي حمل تراكمًا من السياسات الخارجية الأميركية عبر عقود: تسليح الحركات الجهادية في أفغانستان أثناء الحرب الباردة، والانحياز غير المشروط في نزاعات الشرق الأوسط، وشبكة من التحالفات الإقليمية أنتجت أعداءها بيدها قبل أن تُدرِكَ ذلك. لم تكن الطائرتان سبب الانهيار، بل كانتا الشكل الذي عاد فيه فائض العنف المُصدَّر سابقًا إلى مصدره الأصلي عبر مجاله الجوي الخاص. هنا يظهر نمط “الاستيراد الذاتي” على مستوى القوة العظمى، لا الدولة الضعيفة: واشنطن، كما بيروت لاحقًا، استقبلت عبر بابها المفتوح على العالم، مجالها الجوي بدل مرفئها البحري، نتاج سياساتها الخاصة متنكرًا بغطاء الهجوم الخارجي.
وهذا التوازي يمنح الأطروحة اتساعها الكامل: فالاستيراد الذاتي ليس عرضًا يصيب الدول الفاشلة وحدها، بل قانون بنيوي يطال القوى الكبرى أيضًا، حين تراكم تناقضات سياساتها الخارجية من دون مساءلة، إلى أن يعيدها التاريخ إليها عبر بوابتها نفسها.
المنطق البنيوي في الحوادث الأربع واحد: أنظمة مُتكلّسة تحمل تناقضات متراكمة لعقود، في انتظار جسم صغير يمنحها شكلًا قابلًا للتأريخ. جاءت سراييفو عام 1914 في ظل نظام تحالفات أوروبي متصلب فَقَدَ مرونته التفاوضية. واللحظة الراهنة تحمل السمة نفسها: نظامٌ أممي شُلّ فيه مجلس الأمن الدولي بفعل الفيتو المتبادل بين القوى الكبرى، فيما تتسع مناطق النزاع والتوتر، من أوكرانيا وحروب الشرق الأوسط إلى تايوان ومضيقها، من دون آلية فعلية لاحتوائها، أو حتى لضبط التصعيد بينها.
والحادثة الافتراضية الأقرب إلى الأنماط الأربعة اليوم ليست اغتيالًا فرديًا، بل حادثة تقنية أو لوجستية تقع عند نقطة تماس بين قوى كبرى لا تريد مواجهة مباشرة: اصطدام أو حادث غامض بين سفن حربية أو طائرات استطلاع في مياهٍ مُتنازَع عليها، أو عطل أو اختراق سيبراني في بُنيةٍ تحتية حساسة، كشبكة كهرباء أو نظام ملاحة، يُنسَبُ خطأً أو عمدًا إلى دولة معينة. وفي كل هذه الحالات، قد تكون الحادثة نفسها صغيرة نسبيًا من حيث الخسائر المباشرة، لكنها تقع داخل نظام دولي فقد قدرته المؤسسية على احتواء سوء الفهم قبل أن يتحوّل إلى تصعيد.
أما الفارق الجوهري عن عام 1914، والأقرب إلى نموذَجَي لبنان ونيويورك معًا، فهو غياب فترة السماح الديبلوماسي. ففي تلك الحقبة، كانت هناك أسابيع من المراسلات والإنذارات قبل إعلان الحرب، بينما تسمح سرعة دورة الإعلام والقرار اليوم، إلى جانب الأسلحة الفرط-صوتية وأنظمة الإنذار المبكر الآلية، بتقليص هذه الفترة إلى ساعات أو أقل. وهذا ما يجعل الخطأ في التقدير، لا النيّة العدوانية المتعمَّدة بالضرورة، واحدًا من أخطر عناصر المعادلة الراهنة.
الحادثة الخامسة، إن وقعت، لن تكون سبب الانهيار الدولي المقبل، بل الشكل الذي يتخذه انهيار كان يجري أصلًا في هدوء، عبر تآكل مؤسسات الوساطة الدولية وتحوّل موازين القوى العالمية، من دون أن يواكب ذلك إصلاح في بنية الحوكمة الدولية نفسها.
- البروفِسور بيار الخوري هو أكاديمي وخبير تربوي، محلل اقتصادي لبناني وكاتب في الاقتصاد السياسي. وهو أستاذ مواد الدكتوراه والماجستير في إدارة الأعمال في جامعات عدة في أميركا الشمالية ولبنان.
