العملات المُستَقرّة… هل يُصبحُ “الدولارُ الرقمي” عملةَ الجنوب العالمي؟

العملات المستقرّة لم تعد مجرد ظاهرة في عالم العملات المشفّرة، بل بدأت تفرض نفسها كجُزءٍ محتمل من مستقبل المال والمدفوعات. وفي الاقتصادات الناشئة تحديدًا، تحمل معها فرصًا كبيرة بقدر ما تثير مخاطر نقدية وسيادية جديدة.

من النقد التقليدي إلى الدولار الرقمي… العملات المستقرة تعيد رسم مسارات المال عبر الحدود.

هاني مكارم*

لم تعد العملات المُستقرّة (Stablecoins) مجرّدَ أداةٍ جانبية في عالم العملات المشفّرة. ففي غضون سنوات قليلة، انتقلت من هامش النظام المالي إلى واحدة من أكثر ساحات النقاش النقدي سخونة: هل تستطيع أن تصبح بنية تحتية جديدة للمدفوعات والتجارة والتحويلات المالية، وخصوصًا في الاقتصادات الناشئة؟ أم أنها تفتح الباب أمام شكل جديد من الدولرة قد يجعل الدول الأضعف نقديًا أكثر اعتمادًا على الدولار، لا أقل؟

هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في الجنوب العالمي. فالحاجة إلى العملات المستقرّة لا تنشأ هناك بالضرورة من الحماس للتكنولوجيا أو المضاربة بالعملات المشفّرة، بل من مشكلات أكثر تقليدية: عملات محلية غير مستقرة، تضخّم مرتفع، أنظمة مصرفية لا تصل إلى الجميع، تحويلات مالية باهظة الكلفة، وشركات صغيرة تجد صعوبة في دفع ثمن وارداتها أو تحصيل أموالها من الخارج.

ولهذا قد تكون المفارقة الكبرى أنَّ الثورة المالية التي بدأت في عالم العملات المشفرة تجد أهم تطبيقاتها المستقبلية خارج ذلك العالم تمامًا.

حجمُ التحوُّل كبير. فقد ارتفع المعروض من العملات المستقرّة من 6.8 مليارات دولار في 2020 إلى أكثر من 270 مليارًا في 2026، فيما أصبحت الأسواق الناشئة مركزًا رئيسيًا لاستخدامها. وتشير البيانات التي اطلعت عليها “أسواق العرب” إلى أنَّ الأفراد في هذه الأسواق يملكون نحو 66% من المعروض العالمي المحتفظ به من هذه العملات.

لكن الأرقام الضخمة تحتاج إلى شيء من الحذر. فحجم معاملات العملات المستقرة لا يعكس كله مدفوعات حقيقية للسلع والخدمات؛ إذ يرتبط جزء كبير منه بالتداول داخل منظومة العملات المشفّرة وبالعمليات الآلية. وهذا فارقٌ أساسي لفهم الظاهرة: العملات المستقرة لم تصبح بعد بديلًا من النظام المصرفي العالمي، لكنها أصبحت كبيرة بما يكفي لكي تبدأ في تغييره.

لماذا يحتاج إليها الجنوب أكثر من الشمال؟

لفهم جاذبية العملات المستقرة في الاقتصادات النامية، ينبغي النظر إليها من زاوية المستخدم لا من زاوية التكنولوجيا.

العامل في دولة نامية الذي يتلقى أجره من شركة أميركية، والمهاجر الذي يرسل جُزءًا من دخله إلى أسرته، والمستورد الصغير الذي يريد دفع ثمن بضاعة في دولة أخرى، جميعهم يصطدمون بنظام مالي دولي بُني أساسًا حول المصارف وشبكات المراسلة بينها.

قد تستغرق التحويلات التقليدية العابرة للحدود أيامًا، وتمر عبر عدد من الوسطاء، وتتحمل رسومًا وفروقًا في أسعار الصرف. في المقابل، تسمح العملات المستقرة بنقل قيمة رقمية على شبكات تعمل على مدار الساعة، من محفظة إلى أخرى، من دون المرور بالسلسلة التقليدية نفسها من المصارف المراسلة.

وتشير دراسة نشرها معهد “بروكينز” حديثًا إلى أنَّ التحويل التقليدي العابر للحدود قد يستغرق بين ثلاثة وخمسة أيام، مع كلفة تتراوح بين 2 و7%، فيما تستطيع العملات المستقرة تقليص زمن التسوية بصورة جذرية. كما أفادت 41% من المؤسسات التي تستخدمها في مسح أجرته ” EY-Parthenon” بأنها حققت وفرًا يتجاوز 10%.

وهذه ليست مسألة تقنية صغيرة. فالتحويلات المالية تمثل شريانًا اقتصاديًا لعشرات الدول النامية، وثمانية من أكبر عشرة بلدان متلقية للتحويلات في العالم تقع في الأسواق الناشئة.

وتستطيع العملات المستقرة معالجة بعض أوجه القصور المزمنة في المدفوعات الدولية، حيث تؤدي اختلافات أنظمة البيانات وساعات عمل المؤسسات وطول سلاسل التسوية إلى رفع الكلفة وإبطاء التحويل.

وهنا تكمن جاذبيتها الحقيقية: ليس لأنها “عملة مشفرة”، بل لأنها قد تصبح سكة مالية جديدة تتحرّك عليها الأموال.

حين تصبح سرعة الدفع رأس مال

الأثر المحتمل يصبح أكبر عندما ننتقل من الأفراد إلى الشركات.

تعاني المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصادات الناشئة ثلاثة أعباء مترابطة: تقلُّب سعر الصرف، وبطء التحصيل، وكلفة المدفوعات الدولية. وكل يوم تبقى فيه الأموال عالقة بين المشتري والبائع هو رأس مال لا تستطيع الشركة استخدامه.

لهذا يمكن للتسوية السريعة أن تتحوَّل إلى أداةٍ لتحسين السيولة، لا مجرّد وسيلة دفع أرخص.

وتشير الدراسة نفسها إلى أنَّ 67% من المسؤولين في قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات بين الشركات في الهند أفادوا بتحسُّن سرعة التدفقات النقدية عند تلقي مدفوعات مستقرة من عملاء أميركيين، فيما رأى 77% ممن شملهم المسح أنَّ دفع مستحقات المورّدين يمثل أبرز استخداماتها المحتملة.

وتقدم نيجيريا مثالًا أكثر وضوحًا على العلاقة بين الحاجة الاقتصادية والتبنّي التكنولوجي، حيث أصبحت العملات المستقرة المقوَّمة بالدولار قناة فعلية في بعض المدفوعات العابرة للحدود للأسر والشركات الصغيرة.

وهذا يوحي بأنَّ مستقبل العملات المستقرة في الجنوب العالمي قد يتحدّد أقل بما يحدث في أسواق المضاربة، وأكثر بما يحدث في التجارة والتحويلات والعمل الحر والاقتصاد الرقمي.

مصرف في الهاتف… ولكن بأي عملة؟

هناك بُعدٌ آخر لا يقل أهمية: الشمول المالي.

في أجزاء واسعة من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، سبق الهاتف المحمول المصرف. وتقول الدراسة الصادرة عن معهد “بروكينز” إنَّ 51% من البالغين في أفريقيا جنوب الصحراء لا يملكون حسابًا مصرفيًا، فيما يمتلك نحو 40% حسابات للأموال عبر الهاتف المحمول.

الخطوة التالية تبدو منطقية: إذا استطاع الهاتف أن يصبح محفظة للعملة المحلية، فلماذا لا يصبح محفظة للدولار الرقمي أيضًا؟

هنا تتحوّل العملات المستقرة إلى أداة ادخار. يستطيع شخص لا يملك حسابًا مصرفيًا بالدولار الاحتفاظ، عبر هاتفه، بأصل رقمي مرتبط بالدولار. وفي بلد يعاني تضخمًا مرتفعًا أو انهيارًا متكررًا للعملة، قد تكون هذه الخاصية أهم بكثير من سرعة التحويل.

الأرجنتين مثال واضح. فدراسة بروكينز تشير إلى نحو 34 مليار دولار من معاملات العملات المستقرة فيها خلال 2024، في بيئة دفعت فيها معدلات التضخم المرتفعة السكان إلى البحث عن أدوات تحفظ القيمة.

لكن عند هذه النقطة تحديدًا تنقلب الميزة إلى مشكلة.

حين يصبح الحل دولرة

إذا كان المواطن يهرب من عملة ضعيفة إلى عملة مستقرة مرتبطة بالدولار، فهو يحمي مدخراته. لكن إذا فعل ملايين المواطنين الشيء نفسه، تبدأ الدولة بخسارة جزء من سيادتها النقدية.

نحو 98% من قيمة سوق العملات المستقرة مقومة بالدولار، وفق البيانات التي اطلعت عليها “أسواق العرب”. وهذا يعني أنَّ الانتشار العالمي لهذه الأدوات، في شكلها الحالي، لا ينشئ بالضرورة نظامًا نقديًا جديدًا بقدر ما يمنح العملة الأميركية قناة رقمية جديدة للوصول إلى الاقتصادات الأخرى.

إنها، بهذا المعنى، “دولرة بلا أوراق نقدية”.

والأخطر أنَّ الدولرة الرقمية قد تكون أسرع وأكثر صعوبة في السيطرة عليها من الدولرة التقليدية. ففي الماضي كان الحصول على الدولار يتطلب نقدًا أو حسابًا مصرفيًا أو وسيطًا ماليًا. اليوم يمكن أن تكفي محفظة على هاتف ذكي.

وتشير أبحاث حديثة إلى أن تدفّقات العملات المستقرة، مثل الدولرة التقليدية، ترتفع مع الأزمات المصرفية والسيادية ومشكلات الاقتصاد الكلي، وأنَّ الدولرة قد تستمر حتى بعد زوال الصدمة التي أدت إليها. كما تبدو هذه التدفقات أقل تأثرًا بقيود حركة رأس المال من الودائع التقليدية بالعملات الأجنبية.

هنا يصبح السؤال سياسيًا ونقديًا بامتياز: إذا أصبح الادخار والتسعير والدفع يجري بالدولار الرقمي، فما الذي يبقى للمصرف المركزي من قدرته على إدارة العملة المحلية وأسعار الفائدة والسيولة؟

من ودائع المصارف إلى المحافظ الرقمية

ولا تقتصر المسألة على السياسة النقدية.

إذا نقلت الأسر والشركات جزءًا متزايدًا من ودائعها المصرفية إلى العملات المستقرة، قد تخسر المصارف مصدرًا مهمًا لتمويل القروض. وتشير دراسات عدة حديثة إلى تقديرات تتوقع خروج نحو تريليون دولار من ودائع مصارف مجموعة من الاقتصادات الناشئة خلال السنوات المقبلة في حال توسع استخدام العملات المستقرة.

كما إنَّ كلمة “مستقرة” لا تعني أنَّ هذه الأدوات خالية من المخاطر. فاستقرارها يعتمد على الجهة المصدرة، ونوعية الاحتياطيات، وقدرة المستخدم على استرداد قيمتها الاسمية عند الطلب.

وإذا فقد السوق الثقة بمصدر كبير، يمكن أن تحدث عمليات استرداد جماعية تجبره على بيع أصول الاحتياط بسرعة، مع احتمال انتقال الاضطراب إلى الأسواق المالية التقليدية.

يضاف إلى ذلك غسل الأموال والتمويل غير المشروع والاحتيال والأمن السيبراني. فميزة التحويل الفوري على مدار الساعة هي نفسها التي تجعل استرجاع الأموال بعد عملية احتيال أكثر صعوبة، وتزيد الحاجة إلى أنظمة امتثال ومراقبة قادرة على العمل بالسرعة نفسها.

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

بالنسبة إلى العالم العربي، لا توجد إجابة واحدة. فالمنطقة تجمع اقتصادات ذات أوضاع نقدية ومصرفية شديدة الاختلاف: من مراكز مالية خليجية ذات عملات مستقرة وقطاعات مصرفية متطورة، إلى اقتصادات تعاني ضعف العملة أو شح الدولار أو أزمات مصرفية، فضلًا عن دول تعتمد أسرها بدرجات متفاوتة على تحويلات العاملين في الخارج.

وهذا يجعل العملات المستقرة فرصة ومصدر خطر في آن واحد.

في الاقتصادات التي تتمتع بأنظمة مالية قوية، يمكن أن تصبح جزءًا من تطوير المدفوعات الرقمية والتجارة العابرة للحدود والخدمات المالية الجديدة. والإمارات، على سبيل المثال، اتجهت إلى بناء إطار تنظيمي أكثر وضوحًا للأصول الرقمية والعملات المستقرة، بما في ذلك متطلبات تتعلق بالترخيص والاحتياطيات. وتُعتبر الإمارات وسنغافورة بوصفهما من البيئات الأكثر تقدمًا في هذا المجال.

لكن المعادلة مختلفة في الدول التي تعاني ضعف العملة المحلية أو أزمة ثقة بالنظام المصرفي. ففي هذه الحالات قد تكون العملات المستقرة جذابة جدًا للأفراد لأنها تمنحهم وسيلة رقمية للاحتفاظ بقيمة مرتبطة بالدولار، لكنها لهذا السبب نفسه تستطيع تسريع الدولرة وإضعاف الودائع المصرفية وتقليص قدرة السلطات النقدية على إدارة الاقتصاد.

وهنا لا يعود السؤال العربي مختلفًا كثيرًا عن سؤال الجنوب العالمي كله: هل تدخل هذه التكنولوجيا إلى النظام المالي بشروط الدولة، أم تدخل لأنَّ النظام المالي نفسه لم يعد قادرًا على تلبية حاجات الناس؟

المنع أم التنظيم؟

أمام هذه المخاطر، قد يبدو الحل الأسهل هو تقييد العملات المستقرة. لكنَّ المشكلة أنَّ التكنولوجيا العابرة للحدود تجعل المنع الكامل صعبًا، وخصوصًا عندما يكون الطلب عليها ناتجًا من ضعف العملة المحلية أو قصور النظام المصرفي.

لذلك قد يكون السؤال الأفضل ليس: كيف نمنعها؟ بل: كيف نُدخلها في النظام المالي من دون أن نسمح لها بتفريغه من الداخل؟

المسار الأكثر واقعية يقوم على احتياطيات كافية وعالية السيولة، ووضوح حق الاسترداد، والتدقيق والإفصاح، ومكافحة غسل الأموال، والتنسيق التنظيمي بين الدول.

لكن أثر العملات المستقرة سيختلف بحسب قوة المؤسسات الاقتصادية، ومدى انتشار الدولرة أصلًا، وبنية النظام المالي، ووجود بدائل رقمية بالعملة المحلية. لذلك لا توجد سياسة واحدة تصلح لجميع الأسواق الناشئة.

وقد يكون أحد أهم البدائل إصدار عملات مستقرة مقوَّمة بالعملة الوطنية ومسنودة باحتياطيات محلية، بدل ترك السوق بالكامل للدولار الرقمي. ويمكن، نظريًا، لمثل هذا “الدمج المحلي” أن يجمع بعض مكاسب الكفاءة مع الحفاظ بدرجة أكبر على الاستقلال النقدي، لكنه يحتاج إلى قدرة تنظيمية ومؤسساتية قوية.

وهنا تظهر مفارقة مألوفة في التكنولوجيا المالية: البلدان التي تستطيع تنظيم الابتكار والاستفادة منه بأمان هي غالبًا البلدان التي تمتلك أصلًا المؤسسات الأقوى.

فرصة للجنوب… أم امتداد للنظام القديم؟

المعركة الحقيقية حول العملات المستقرة ليست إذن بين أنصار العملات المشفرة وخصومها. إنها تتعلق بمَن سيبني البنية التحتية للنقود الرقمية، وبأيِّ عملة ستعمل، وتحت أي قواعد.

بالنسبة إلى الجنوب العالمي، الفرصة حقيقية. تستطيع العملات المستقرّة خفض كلفة التحويلات، وتسريع التجارة، وتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية، وتحسين كفاءة رأس المال للشركات الصغيرة، وربط الاقتصادات النامية بصورةٍ مباشرة أكثر بالاقتصاد الرقمي العالمي.

لكن التكنولوجيا التي تمنح الفرد في بلد ذي عملة ضعيفة وسيلة لحماية مدّخراته قد تسحب في الوقت نفسه جزءًا من قدرة دولته على إدارة اقتصادها. والسكة المالية التي تجعل تحويل الأموال أسرع قد تصبح أيضًا سكة لخروج رأس المال. والدولار الرقمي الذي يحرر المستخدم من بعض قيود النظام المصرفي المحلي قد يزيد اعتماد الاقتصاد كله على السياسة النقدية الأميركية.

لهذا فإنَّ السؤال الأهم ليس ما إذا كانت العملات المستقرة ستصل إلى الأسواق الناشئة. لقد وصلت بالفعل. السؤال هو: مَن سيحدد شروط استخدامها؟

إذا استطاعت دول الجنوب بناء قواعد تنظيمية موثوقة، وربط هذه الأدوات بأنظمة الدفع المحلية، وتطوير بدائل مقوَّمة بعملاتها، والتعاون إقليميًا في الرقابة والتشغيل البيني، فقد تتحوّل العملات المستقرة إلى جزء من بنية مالية أكثر كفاءة وشمولًا.

أما إذا دخلت إليها في ظلِّ عملاتٍ ضعيفة ومؤسّسات هشّة وأنظمة مصرفية غير قادرة على المنافسة، فقد تكون النتيجة مختلفة تمامًا: لن يكون الجنوب العالمي قد بنى نظامًا نقديًا رقميًا جديدًا، بل سيكون قد استورد الدولار مرة أخرى — هذه المرة عبر الهاتف المحمول.

  • هاني مكارم هو مدير تحرير “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى