استراتيجية بلا مكاسب: كيف بدَّدَت إيران نفوذَها الإقليمي؟

بنت إيران شبكة نفوذ امتدت من بلاد الشام إلى الخليج، ودفعت في سبيلها أثمانًا هائلة. لكنَّ الحصيلة تكشف مفارقة قاسية: اتسعت ساحات حضورها فيما تقلّصت مكاسبها، حتى ارتدّت أدوات القوة عليها استنزافًا وعزلة.

نفوذٌ إيراني باهظ الكلفة… ترك وراءه ساحاتٍ مثقلة بالدمار.

خالد داهم الهاجري*

بنت إيران عقيدتها الأمنية، على مدى عقود، على نقل المواجهة إلى خارج حدودها، ومحاصرة خصومها عبر الحلفاء والوكلاء، وتجنّب الانخراط في حرب مباشرة ما أمكن. غير أنَّ المعيار الحقيقي لنجاح هذه الاستراتيجية لا يكمن في عدد الفصائل التي أنشأتها أو دعمتها، ولا في حجم ترساناتها الصاروخية واتساع ساحات نفوذها، بل في قدرتها على تحويل تلك القوة إلى أمن ومكاسب مستقرة، وفي التناسب بين ما دفعته من أثمان وما حققته من نتائج. ومن سوريا والعراق ولبنان واليمن إلى الخليج، يكشف سجل العقود الماضية عن نفوذ باهظ الكلفة أخذت مكاسبه تتآكل تباعًا، حتى تحوّلت أدوات الردع التي بنتها طهران إلى مصادر إضافية لعزلتها واستنزافها.

لقد أثبتت إيران قدرة كبيرة على صناعة الأزمات وإدارتها، لكنها بدت أقل قدرة على تحويلها إلى أمن أو رخاء أو نفوذ مستدام في الداخل. وعلى امتداد عقود، تكبّدت أثمانًا مرتفعة جرّاء الاستراتيجية التي انتهجتها، من دون أن تتمكن من تحقيق الأهداف التي برّرت تلك الأكلاف. ومنذ اندلاع الحرب بينها وبين إسرائيل والولايات المتحدة، اتخذت طهران خطوات زادت خسائرها وأضعفت موقعها الاستراتيجي والإقليمي، وجعلت الوصول إلى استقرار طويل الأمد أكثر صعوبة من أيِّ وقتٍ مضى.

ولفهم حدود هذه الاستراتيجية، من المفيد أولًا التوقف عند الفكرة القائلة إنَّ سعي الجمهورية الإسلامية إلى الهيمنة على المشرق العربي يمثل امتدادًا تاريخيًا لطموح إيراني قديم للوصول إلى البحر المتوسط. صحيح أنَّ الأخمينيين وصلوا إلى سواحل المتوسط وحكموا الأناضول وبلاد الشام ومصر فترات طويلة بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد. كما احتل الساسانيون، الذين يكثر الاستشهاد بتجربتهم، أجزاء من بلاد الشام ومصر خلال حربهم الأخيرة مع الإمبراطورية البيزنطية في أوائل القرن السابع. لكنهم أُجبروا على الانسحاب منها عام 628. وبذلك كان الأمر توسعًا عسكريًا في سياقه التاريخي، لا خطًا استراتيجيًا متصلًا يمتد أربعة عشر قرنًا وصولًا إلى طهران الحالية.

ولا يقدم العامل الاقتصادي تفسيرًا أكثر إقناعًا لهذه الاستراتيجية. فإيران تعتمد بدرجة كبيرة على النفط والغاز والبتروكيماويات للحصول على العملة الصعبة، فيما تتجه أهم أسواقها نحو آسيا ودول الجوار. وليست هناك كتلة كبيرة من السلع الصناعية الإيرانية تنتظر منفذًا على البحر المتوسط للوصول إلى الأسواق الأوروبية. وحتى مشروع مد أنبوب للطاقة نحو الساحل السوري، الذي طُرح في مراحل سابقة، كان يتطلب دولًا مستقرة، واستثمارات ضخمة، ورفعًا للعقوبات، واتفاقات دولية طويلة الأجل. والمفارقة أنَّ إيران نجحت في بناء شبكات لنقل السلاح ودعم الحركات المسلحة، لكنها لم تنجح في بناء ممر تجاري آمن ومستدام.

وتزداد هذه المفارقة وضوحًا إذا نظرنا إلى الجغرافيا الإيرانية نفسها. فإيران تمتلك أصلًا ساحلًا طويلًا على الخليج وبحر عُمان، ومنفذًا مباشرًا إلى المحيط الهندي، ولا تحتاج جغرافيًا إلى المتوسط لكي تنفتح على التجارة العالمية. ومع ذلك، تحوّل مضيق هرمز، وهو شريان أساسي لصادراتها ووارداتها، إلى أداة في المواجهة ارتدت آثارها على الاقتصاد الإيراني نفسه.

فقد شاركت طهران في إغلاق ممر تحتاج إليه هي أيضًا، في وقت كانت تواجه حصارًا بحريًا وتراجعًا في صادرات النفط واضطرابًا في الواردات. وعلى مدى سنوات، خاضت كذلك سجالات سياسية طويلة حول الخليج واسمه وموقع إيران فيه، لكنها لم تتمكن من بناء نظام إقليمي يضمن أمنه واستقرار الملاحة فيه.

وهنا تبرز إحدى المفارقات الأساسية في الاستراتيجية الإيرانية: الدولة التي لم تستطع حماية منفذها البحري الأقرب وضمان استمرار الاستفادة منه، يصعب عليها إقناع الآخرين بأنَّ توسيع المواجهة بعيدًا من حدودها كان خيارًا استراتيجيًا عقلانيًا.

بلاد الشام… ساحات مفتوحة

وقفت إيران بكل ثقلها إلى جانب نظام بشار الأسد منذ عام 2011، ودفعت في سبيل بقائه أثمانًا بشرية وعسكرية ومالية كبيرة. كما خسرت جانبًا واسعًا من صورتها لدى قطاعات من العرب والمسلمين بسبب دعمها نظامًا استخدم الحصار والقصف والتهجير ضد شعبه. وفي الوقت نفسه، تحوّلت سوريا إلى ساحة مفتوحة أمام الطيران الإسرائيلي، الذي استهدف مرارًا مواقع إيرانية ومستودعات أسلحة وقادة ومسؤولين، من دون أن تتمكن طهران من حماية البنية التي أقامتها هناك.

ثم سقط نظام الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، بعدما أنفقت إيران الكثير من الموارد لحمايته. وكشف سقوطه عن خلل أساسي في حسابات طهران: فقد ربطت جزءًا كبيرًا من مصالحها في سوريا ببقاء شخصٍ ونظام، بدل بناء علاقة أوسع مع المجتمع والشعب السوريين. وحين انهار النظام، خسرت معه جانبًا كبيرًا من النفوذ الذي راكمته، فضلًا عن الموارد والسمعة التي استثمرتها طوال سنوات.

وفي العراق، تعاملت طهران مع مرحلة ما بعد 2003 بوصفها واحدة من أكبر مكاسبها الاستراتيجية. غير أنَّ هذا المكسب لم تصنعه القوة الإيرانية وحدها؛ فالولايات المتحدة هي التي أسقطت نظام صدام حسين، عدو إيران الذي خرج من حرب السنوات الثماني من دون أن يتيح لطهران تحقيق أهدافها. ومع تفكيك مؤسسات الدولة والجيش العراقيين وإعادة تشكيل النظام السياسي، فُتح المجال أمام أحزاب وشخصيات أمضى بعضها سنوات في إيران أو أقام علاقات وثيقة معها.

ولاحقًا، شاركت إيران والفصائل المرتبطة بها في القتال البري ضد تنظيم “داعش”، إلى جانب القوات العراقية وفي ظل الغطاء الجوي الذي وفرته الولايات المتحدة والتحالف الدولي، مستفيدة من حاجة الدولة العراقية إلى تعبئة واسعة لمواجهة التنظيم. وبعد هزيمة “داعش”، حوّلت تلك الفصائل رصيدها العسكري إلى نفوذ سياسي، وحصلت على مقاعد في البرلمان ومواقع داخل مؤسسات الدولة.

واستفادت إيران أيضًا من حاجة العراق إلى الغاز والكهرباء، ومن اختلال الميزان التجاري بين البلدين، فضلًا عن شبكات تهريب الوقود والعملات والتحويلات. ولم تغلق واشنطن طوال تلك المرحلة كل المنافذ التي استفادت منها طهران، فتمكنت إيران من بناء نفوذ واسع داخل نظام سياسي أسهمت الولايات المتحدة نفسها في إنشائه، وتحت سقف مالي وأمني كانت واشنطن قادرة على تضييقه متى اختارت ذلك. وبذلك لم يكن اتساع النفوذ الإيراني نتيجة القوة الإيرانية وحدها، بل استفاد أيضًا من خيارات أميركية كان يمكن أن تتغير.

وفي لبنان، قدمت طهران الساحة اللبنانية على مدى عقود بوصفها أنجح نماذج نفوذها الإقليمي. فقد استثمرت في بناء قوة “حزب الله” وتسليحه، وجعلت الحفاظ على طريق إمداده أحد مبررات تدخلها في سوريا. لكنها زجت بالحزب نفسه في الحرب السورية، حيث انخرط لسنوات في معارك أبعدته عن مهمته المعلنة في مواجهة إسرائيل.

وبعد سقوط نظام الأسد وانقطاع أهم طرق الإمداد، انكشفت جوانب من البنية العسكرية والأمنية التي بنتها إيران على مدى سنوات. واستهدفت إسرائيل جزءًا كبيرًا من مخازن “حزب الله” وأنفاقه ومراكزه، وقتلت عددًا من قادته ومسؤوليه، فيما لم يحقق رد الحزب نتيجة تتناسب مع حجم الخسائر التي تكبدها لبنان.

ولم تقتصر الكلفة على الحزب نفسه. فقد هجّرت الحرب أعدادًا كبيرة من أبناء بيئته الحاضنة في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، ودمرت قرى ومنازل ومصالح تجارية، بحيث تحولت البيئة الاجتماعية التي قدمتها إيران قاعدةً لمشروعها الإقليمي إلى واحدة من أكثر الفئات اللبنانية دفعًا لثمن هذا المشروع.

ولا يمكن، في المقابل، تحميل “حزب الله” وحده مسؤولية الانهيار الاقتصادي اللبناني. فقد أسهمت منظومة سياسية ومالية فاسدة في صناعة الأزمة التي انفجرت منذ عام 2019. لكنَّ هيمنة الحزب وربط لبنان بالمحور الإيراني عمّقا عزلة البلاد وأضعفا جانبًا من علاقاتها الخليجية التي كانت تشكل تاريخيًا مصدرًا مهمًا للسياحة والاستثمار والمساعدات.

ووصل التوتر في مرحلة من المراحل إلى سحب دول خليجية سفراءها من بيروت، فيما أوقفت السعودية الواردات اللبنانية لسنوات، وتراجعت السياحة والاستثمارات والمساعدات الخليجية في وقت كان الاقتصاد اللبناني في أمسّ الحاجة إليها.

وتكمن المفارقة في أنَّ الجبهة التي قدمتها إيران بوصفها أداة لمنع التطبيع مع إسرائيل قد تدفع لبنان نفسه في الاتجاه المعاكس، وصولًا إلى اتفاق معها، وربما إلى مسار سلام أو تطبيع في مرحلة لاحقة. ويأتي ذلك في إطار البحث عن حماية الدولة اللبنانية من التجاذبات الإقليمية ومن استمرار استخدام أراضيها ساحةً لتصفية حسابات الدول.

وقد أصبح إنهاء حالة العداء ونزع سلاح الفصائل جزءًا من نقاش رسمي ومسارات ترعاها الولايات المتحدة. وهكذا انتهى المشروع الذي رفع شعار منع إسرائيل من فرض شروطها إلى وضع يجد فيه لبنان نفسه يناقش شروط الانسحاب الإسرائيلي ومستقبل سلاح “حزب الله” من موقع شديد الضعف.

الخليج… تراكم النتائج في الاتجاه المعاكس

أما في الخليج، فقد دخلت إيران الحرب الأميركية-الإسرائيلية وهي تمتلك رصيدًا مهمًا من العلاقات مع دول المنطقة. فقد أعادت علاقاتها مع السعودية بموجب اتفاق بكين في آذار (مارس) 2023، على أساس احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وكانت قطر قناة ديبلوماسية أسهمت في خفض التصعيد، والإمارات منفذًا تجاريًا وماليًا مهمًا، وعُمان وسيطًا دوليًا، والكويت مساحة هادئة للحوار، فيما ظلت في البحرين روابط اجتماعية ودينية قائمة رغم الخلاف السياسي.

لكنَّ اتساع الحرب بدّل هذه المعادلة. فقد ضربت إيران دول الخليج من دون أن تميّز بين مَن خاصمها ومَن حاورها ومَن توسّط لها، واستهدفت منشآت للطاقة ومرافق مدنية وتجارية في السعودية وقطر والكويت والإمارات والبحرين، فيما امتدت الهجمات إلى عُمان والأردن. ولم تأخذ طهران في حساباتها حياد بعض هذه الدول أو أدوارها في الوساطة أو طبيعة العلاقات التي بنتها معها خلال السنوات السابقة.

وتراكمت النتائج في اتجاه معاكس تمامًا لما تحتاجه إيران. فقد تعرضت قطر في أيلول (سبتمبر) 2025 لهجوم إسرائيلي استهدف قيادة “حماس” الموجودة على أراضيها، ثم تعرضت منشآتها للطاقة لهجمات إيرانية في 2026، ما زاد حاجتها إلى ضمانات أمنية أقوى. وكانت الإمارات والبحرين قد طبّعتا علاقاتهما مع إسرائيل منذ عام 2020، تحت تأثير مجموعة من الاعتبارات كان من بينها القلق من إيران، فجاءت الهجمات الإيرانية لتعزز هذا المنطق الأمني بدل أن تضعفه.

أما عُمان، التي اضطلعت طوال سنوات بدور الوسيط، فوجدت نفسها مستهدفة ومهددة بفعل أزمة مضيق هرمز. وبدأت الكويت محادثات لتوسيع تعاونها الدفاعي مع باكستان، فيما وقعت السعودية اتفاق مكة للدفاع المشترك مع باكستان وتركيا. وهكذا أسهمت السياسة الإيرانية نفسها في دفع دول المنطقة نحو البحث عن ترتيبات وضمانات أمنية إضافية.

وكان في إمكان طهران أن تحافظ على الخليج باعتباره منطقة للتهدئة، وأن تستفيد من علاقاتها مع دوله لتخفيف الحصار والإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة. لكنها تعاملت مع جوارها كله بوصفه ساحة للرد، فبددت جانبًا كبيرًا من الثقة التي بنتها، وقرّبت بين دول كانت تختلف في تقدير حجم الخطر الإيراني، ودفعتها نحو ترتيبات دفاعية جديدة. وبدل أن تنتج هذه السياسة ردعًا أكبر، أغلقت على إيران بعض آخر الأبواب التي ظلت مفتوحة أمامها.

ويتكرر المنطق نفسه في اليمن. فقد أرادت طهران استخدام الحوثيين قوة منخفضة الكلفة تتيح لها التأثير في باب المندب، لكنَّ اندفاع الجماعة إلى مهاجمة السفن وتهديد طرق التجارة والطاقة حوّل البحر الأحمر إلى ساحة صراع دولي. كما دفع السعودية إلى قيادة تحالف بحري حظي بتأييد رسمي من أربع عشرة دولة، وأعاد تعزيز الدعم الإقليمي للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، فيما يواجه الحوثيون واحدة من أشد مراحل العزلة والضغط العسكري.

وهكذا تحولت الورقة التي قدمتها إيران بوصفها أداة ضغط إلى أحد أسباب تدويل الصراع وتوسيع دائرة القوى المنخرطة فيه.

ولا يقدم هذا السجل، في المحصّلة، مكسبًا إيرانيًا واضحًا يوازي حجم الأكلاف. فقد امتلكت إيران قدرة واسعة على صناعة الأزمات وتوسيع ساحات المواجهة، لكنها عجزت عن تحويل ما اعتبرته استراتيجية إلى نفوذ مشروع أو مكاسب دائمة. وخلطت بين انتشار الوكلاء واتساع قوة الدولة، كما خلطت بين القدرة على تعطيل الممرات والقدرة على السيطرة عليها.

ولذلك، لم تعد الحسابات الخاطئة مجرد عارض طرأ على الاستراتيجية الإيرانية؛ بل أصبحت جزءًا من الاستراتيجية نفسها.

  • خالد داهم الهاجري هو كاتب وباحث سياسي قطري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى