الين في الفخّ: لماذا تخشى طوكيو وواشنطن انهياره؟
ضعف الين لم يعد أزمة يابانية داخلية، بل تحوّل إلى عقدةٍ مالية تتقاطع عندها مصالح طوكيو وواشنطن. وبين الدين الضخم وفجوة الفائدة وسوق السندات، أصبح إنقاذ العملة أكثر تعقيدًا من تركها تضعف.

البروفِسور بيار الخوري*
في صيف عام 2026، وصل الدولار إلى أعلى مستوياته أمام الين منذ 40 عامًا، وتدخّلت طوكيو وواشنطن معًا في سوق الصرف لوقف هذا الانزلاق. الصورة التي انتشرت منذ اسبوعين كانت بسيطة وكاشفة في آن: مفكّرة على طاولة وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، مكتوب عليها بخطِّ اليد “شراء ين ياباني بقيمة خمسة إلى عشرة مليارات دولار”. خلف هذه الجملة القصيرة تكمن واحدة من أعقد العلاقات المالية في العالم المعاصر.
الين ضعيف، في جانبٍ أساسي، لأنَّ الفائدة في اليابان بقيت أدنى بكثير من الفائدة الأميركية. لكن قدرة طوكيو على إغلاق هذه الفجوة بسرعة محدودة، فاليابان تحمل واحدًا من أثقل أعباء الدين العام في العالم، إذ يقدّر صندوق النقد الدولي إجمالي دينها الحكومي بنحو 203% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026. ولذلك فإنَّ رفعَ الفائدة لا يضغط على الاقتصاد فقط، بل يرفع تدريجيًا كلفة خدمة هذا الدين الهائل، ويُضيِّق هامش المناورة أمام الحكومة وبنك اليابان. وهذا الرابط يفسّر كثيرًا، لكنه لا يفسّر كل شيء. فاليابان استطاعت، على مدى فترات طويلة، التعايش مع ينٍّ ضعيف، بل استفادت منه قطاعات تصديرية كبرى، إذ عزز القدرة التنافسية للصادرات ورفع قيمة الأرباح التي تُحقّقها الشركات اليابانية في الخارج عند تحويلها إلى الين، في وقتٍ كان الاقتصاد الداخلي يعاني طويلًا من ضعف النمو والانكماش والشيخوخة السكانية.
المشكلة أنَّ هذه الأداة التي خدمت اليابان طويلًا انقلبت عليها. حين يضعف الين أكثر من اللازم، ترتفع أسعار كل ما تستورده اليابان من طاقة وغذاء وسلع أساسية، وترتفع معها فاتورة المعيشة اليومية للمواطن الياباني، فيتحوّل ضعف العملة من نعمةٍ اقتصادية إلى عبءٍ سياسي يشعر به الناس في محافظهم كل شهر. هكذا صار الين قضية انتخابية في طوكيو، لا مجرّد رقمٍ في نشرة السوق.
في المقابل، لا تتدخّل واشنطن عادةً لدَعمِ عملةٍ أجنبية، فهذا ليس من أدواتها المُعتادة ولا من مصالحها المباشرة. لكن اليابان ليست طرفًا عاديًا في النظام المالي الأميركي؛ فهي أكبر حامل أجنبي لسندات الخزانة الأميركية، بمحفظة تتجاوز تريليون دولار. وحين يتعرّض الين لضغوطٍ حادة، قد تضطر طوكيو إلى استخدام جُزءٍ من احتياطاتها الدولارية أو بيع أصول مقوَّمة بالدولار لتوفير السيولة اللازمة للتدخُّل في سوق الصرف. وإذا شملت هذه المبيعات كميات كبيرة من سندات الخزانة الأميركية، فقد تضيف ضغطًا على سوق الدين وترفع عوائده، في وقتٍ تواجه واشنطن أصلًا كلفةَ اقتراضٍ مُرتفعة.
من هنا تكتسب آلية الاحتياطي الفيدرالي المعروفة باسم”FIMA Repo Facility” أهمية خاصة. فهي تتيح للسلطات النقدية الأجنبية المؤهّلة الحصول مؤقتًا على دولارات مقابل سندات الخزانة الأميركية التي تحتفظ بها، بدل الاضطرار إلى بيع تلك السندات في السوق المفتوحة. والاحتياطي الفيدرالي نفسه يوضّح أنَّ أحد أهداف هذه الآلية هو الحد من الضغوط التي قد تنشأ في سوق الخزانة الأميركية عندما تحتاج السلطات الأجنبية إلى سيولةٍ دولارية. وقد أعلنت وزارة المالية اليابانية، بعد التدخُّل المشترك مع واشنطن في نهاية تموز (يوليو)، أنها تعتزم استخدام هذه الآلية مستقبلًا. وهكذا لا يصبح دعم استقرار الين مسألة يابانية خالصة، بل يتقاطع أيضًا مع مصلحةٍ أميركية مباشرة في تجنُّب مبيعات كبيرة ومفاجئة للسندات والحفاظ على استقرار “سوق الدين الأميركية”.
هنا تكمن مفارقة العلاقة بين البلدين. كلُّ طرفٍ يحتاج إلى الطرف الآخر لأسبابٍ مختلفة تمامًا عن أسباب الآخر، ومع ذلك يلتقيان عند النتيجة نفسها: لا أحد يريد أن ينهار الين فعليًا. طوكيو لا تريد ذلك لأنَّ الانهيار يعني تضخّمًا لا يُحتمل داخليًا. وواشنطن لا تريده أيضًا، لأنَّ انهيارًا حادًا وغير منظّم قد يدفع طوكيو إلى تسييل جانب من أصولها الدولارية، بما يضيف ضغوطًا إلى “سوق الدين الأميركية”.
لكن التدخّل، مهما بلغ حجمه، لا يعالج السبب الجذري، وهو الفارق الكبير بين الفائدة في أميركا والفائدة في اليابان. وهنا تبدأ المُعضِلة الأصعب. فبنك اليابان يستطيع من حيث المَبدَإِ رفع الفائدة أكثر لدعم الين وتقليص هذا الفارق، لكنه يفعل ذلك بحذر لأنَّ عقودًا من السياسة النقدية شديدة التيسير تركت وراءها اقتصادًا ونظامًا ماليًا اعتادا كلفة تمويل شديدة الانخفاض، كما تركت في ميزانية البنك المركزي مخزونًا هائلًا من السندات الحكومية منخفضة العائد.
فبنك اليابان لا يدير سعر الفائدة فقط؛ إنه يحمل أيضًا أكثر من 500 تريليون ين من السندات الحكومية اليابانية، نتيجة سنوات طويلة من شراء الأصول. ومع ارتفاع الفائدة، ترتفع الكلفة التي يدفعها البنك على الاحتياطيات والأرصدة التي تحتفظ بها المؤسسات المالية لديه، بينما تتغيّر عوائد جانب كبير من السندات القديمة في محفظته ببطء أكبر. وهذا يضغط على أرباح البنك ويجعل عملية الخروج من حقبة الفائدة شبه الصفرية أكثر تعقيدًا، لكنه لا يعني أنَّ البنك عاجزٌ عن رفع الفائدة أو أنَّ أداته النقدية أصبحت معطّلة.
ولهذا اختار بنك اليابان مسارًا تدريجيًا يجمع بين رفع الفائدة بحذر وتقليص ميزانيته العمومية ببطء، ولا سيما عبر خفض مشترياته من السندات الحكومية وترك جُزءٍ من السندات المستحقّة يخرج من محفظته من دون استبداله بالكامل. والهدف هو تطبيع السياسة النقدية من دون إحداث صدمة مفاجئة في سوق السندات أو الاقتصاد. وحتى منتصف 2026، بقيت حيازات البنك من السندات الحكومية عند مستويات ضخمة، فيما يؤكد مسؤولوه أنَّ تطبيع الميزانية سيستغرق سنوات.
ثمة خطر آخر أكبر من اليابان نفسها، فالعقود الطويلة من الفائدة شبه الصفرية جعلت الين عملة مفضّلة للاقتراض الرخيص، فاقترض مستثمرون حول العالم بالين ليستثمروا في أصولٍ أعلى عائدًا بعملات أخرى. وأيُّ رفعٍ حاد ومفاجئ للفائدة اليابانية قد يدفع مستثمرين إلى تفكيك هذه المراكز بسرعة، بما يمكن أن ينقل الاضطراب من سوق العملات إلى أسواق الأسهم والسندات العالمية. وقد شهدت الأسواق في مناسبات سابقة مثالًا واضحًا على ذلك، ولا سيما في آب (أغسطس) 2024، حين ترافق تفكيك سريع لمراكز “تجارة فروق أسعار الفائدة” (carry trade) المموّلة بالين مع اضطراب حاد في أسواق المال العالمية. لذلك فإنَّ بنك اليابان، وهو يمضي في تطبيع سياسته النقدية، لا يستطيع تجاهل التداعيات التي قد يُحدثها تحوّل مفاجئ في أسعار الفائدة اليابانية خارج حدود البلاد.
وحين ننظر إلى تاريخ التدخّلات، نجد محطّات متكرّرة: التدخل المشترك الأميركي-الياباني عام 1998، ثم عودة طوكيو منفردة إلى شراء الين في 2022، وتدخّلاتها الكبيرة مجددًا في 2024، وصولًا إلى التدخل المشترك مع واشنطن في 2026. وفي كل مرة استطاع التدخّل أن يغيّر اتجاه السوق أو يوقف اندفاعه، لكنه لم يستطع وحده إزالة القوى الاقتصادية التي تعيد الضغط على الين. إنه يشبه إطفاء حريق من دون إزالة مصدر الشرارة: ينجح في وقف اللهب، لكنه لا يضمن ألّا يشتعل من جديد.
فهل يمكن أن يستمر هذا التوازن المضطرب؟ الإجابة الصادقة أنه يمكن أن يستمرَّ طويلًا، لأنَّ كلفة إدارته قد تبدو للطرفين أقل من كلفة كسره دفعة واحدة. فمعالجة الفارق في أسعار الفائدة بسرعة تتطلب تشديدًا نقديًا أكبر في اليابان، لكن ذلك سيرفع تدريجيًا كلفة خدمة الدين الحكومي، ويضغط على اقتصاد ونظام مالي اعتادا عقودًا من التمويل الرخيص، وقد يدفع إلى تفكيك سريع لمراكز استثمارية عالمية مموَّلة بالين. وفي المقابل، فإنَّ ترك العملة تضعف بلا حدود يرفع كلفة الواردات ويضغط على الأسر ويزيد احتمالات التدخُّل في سوق الصرف.
الخطر الحقيقي، لذلك، لا يكمن في تكرار الأزمة نفسها بقدر ما يكمن في اللحظة التي تتقاطع فيها هذه الضغوط: ضعف حاد في الين، وارتفاع أسرع في العوائد اليابانية، وضغوط مالية متزايدة في طوكيو، وتفكيك واسع لمراكز ” تجارة فروق أسعار الفائدة” (carry trade)، وحاجة أكبر إلى السيولة الدولارية في وقت تكون فيه “سوق الدين الأميركية” نفسها تحت ضغط. عندها قد تتحوّل مشكلة تبدو في ظاهرها يابانية إلى اختبار أوسع للنظام المالي العالمي.
إلى أن تحدث هذه اللحظة، ستبقى حكاية الين كما بدت هذا الشهر: قممٌ متكرّرة، وتدخُّلات متكررة، وتوازن مضطرب يُدار بمهارة أكثر مما يُحل بجرأة.
- البروفِسور بيار الخوري هو أكاديمي وخبير تربوي، محلل اقتصادي لبناني وكاتب في الاقتصاد السياسي. وهو أستاذ مواد الدكتوراه والماجستير في إدارة الأعمال في جامعات عدة في أميركا الشمالية ولبنان.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.