عون في مأزق الرهان على واشنطن

راهن الرئيس اللبناني جوزيف عون على أن تستطيع واشنطن فتح الطريق أمام انسحاب إسرائيل واستعادة الدولة سيادتها. لكن تعثّر المفاوضات يكشف مشكلة أعمق: لبنان ينتظر من إدارة ترامب سياسةً قد لا تكون موجودة أصلًا.

توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية… اتفاقٌ فتح باب التفاوض، لكنه لم يفتح بعد طريق الانسحاب الإسرائيلي.

مايكل يونغ*

عندما زار الرئيس اللبناني جوزيف عون البيت الأبيض في تموز (يوليو)، حمل معه مطلبًا لبنانيًا واضحًا إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب: الحاجة الملحّة إلى انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية. ووضع عون هذا المطلب في إطار يتجاوز مسألة الانسحاب بحد ذاتها، معتبرًا أنه يشكّل خطوة أساسية لترسيخ الاستقرار وتمكين الدولة اللبنانية من بسط سيادتها الكاملة على أراضيها، حصرًا بواسطة قواتها الذاتية.

عكست تصريحات عون في واشنطن مقدار الرهان اللبناني على الدور الأميركي في ممارسة الضغط على إسرائيل ودفعها إلى تقديم تنازلات تنتهي بانسحابها من لبنان. ولم يتردد الرئيس اللبناني في مخاطبة ترامب باللغة التي يعرف مدى حساسيتها بالنسبة إليه، عندما أبلغه أن تحقيق مثل هذه النتيجة يمكن أن يشكّل “جزءًا من إرثه”.

قد لا يكون أمام عون، في الواقع، الكثير من البدائل. فالولايات المتحدة تبقى الطرف الدولي الوحيد الذي يمتلك أوراق ضغط حقيقية على إسرائيل. غير أنَّ امتلاك واشنطن هذه الأوراق لا يعني بالضرورة أنها راغبة في استخدامها، وهو ما يجعل الرهان اللبناني محفوفًا بالشكوك. فقد اضطلعت إدارة ترامب بدور محوري في التوسط للتوصل إلى اتفاق إطار بين لبنان وإسرائيل في حزيران (يونيو) الماضي، لكن الاتفاق وضع عمليًا معظم أعباء التنفيذ وشروطه على بيروت، من دون أن يقابله التزام إسرائيلي واضح بالانسحاب من الأراضي اللبنانية.

من هنا، يبدو الوضع اللبناني مقبلًا على مرحلة من الجمود الطويل، إن لم يكن على ما هو أسوأ. فترامب نفسه بات أسير حرب يخوضها ضد إيران من دون أن يتمكّن حتى الآن من تحويلها إلى نصر واضح، فيما تضيق أمامه هوامش المناورة الإقليمية. وقد أفادت تقارير أخيرًا بأنه رفض طلبًا سعوديًا للمساعدة في مواجهة الحوثيين في اليمن، في محطة تعيد إلى الأذهان موقف واشنطن بعد الهجوم على منشأتي بقيق وخريص النفطيتين عام 2019، حين لم تأتِ الاستجابة الأميركية بالمستوى الذي كانت الرياض تتوقعه.

يُضاف إلى ذلك عامل داخلي أميركي لا يقل أهمية. فالولايات المتحدة تمر بلحظة سياسية حساسة، فيما يواجه ترامب انتخابات منتصف الولاية لمجلسي النواب والشيوخ في تشرين الثاني (نوفمبر). وفي مثل هذا المناخ، يصعب تصوّر أن يقدم على مواجهة مع كبار المانحين المؤيدين لإسرائيل من أجل دفع الحكومة الإسرائيلية إلى إبداء مرونة أكبر في لبنان. ويزداد الأمر تعقيدًا لأنَّ الاتفاق الذي ساعدت إدارته على التفاوض بشأنه جاء، في جوانب أساسية منه، لمصلحة إسرائيل، ما يتيح للإسرائيليين الاستناد إليه لرفض أي مطالب أميركية لاحقة بتقديم تنازلات إضافية.

وعليه، قد لا تكون المشكلة مقتصرة على أنَّ عون بالغ في تقدير استعداد ترامب وقدرته على إنجاز اتفاق بشأن لبنان، بل ربما تكمن أيضًا في افتراض وجود سياسة أميركية متماسكة تجاه لبنان أصلًا.

رهانٌ لبناني على واشنطن… وسياسة أميركية غائبة

صحيح أنَّ واشنطن تريد نزع سلاح “حزب الله” وانتقال السيطرة على مناطق نفوذه إلى الجيش اللبناني، لكن هذا الهدف يبدو حتى الآن أقرب إلى “قائمة أمنيات” منه إلى سياسة متكاملة تملك أدوات واضحة للتنفيذ. فلا يظهر وجود تصوّر جدي للآليات التي يمكن من خلالها تحقيق هذا الهدف مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على الاستقرار الداخلي اللبناني. كما لا يبدو أنَّ هناك اهتمامًا كافيًا بمسألة الانخراط مع إيران، أو بمناقشة إصلاحات داخلية لبنانية قد تمنح الطائفة الشيعية نفوذًا أكبر في النظام السياسي في مقابل نزع سلاح “حزب الله”.

ولعلَّ اللافت في هذا السياق أنَّ اثنين من المبعوثين الأميركيين المعنيين بالملف اللبناني ــ السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، والسفير الأميركي في تركيا توم براك ــ أشارا علنًا إلى أنَّ أيَّ حلٍّ في لبنان لا يمكن عزله عن إيران والديناميكيات الإقليمية الأوسع، بما فيها المحادثات بين واشنطن وطهران. وقد تعرّض الرجلان لانتقادات بسبب هذه المواقف، ولا سيما من مؤيدي إسرائيل في الولايات المتحدة، لكن ما قالاه يلامس جوهر المشكلة: يصعب البحث عن تسوية مستدامة في لبنان بمعزل عن البيئة الإقليمية التي أنتجت أزمته الأمنية والسياسية وأسهمت في استمرارها.

مع ذلك، تبقى قدرة كلٍّ من عيسى وبراك على التأثير في صناعة القرار في واشنطن محدودة، لا سيما عندما تصطدم توصياتهما بالتوجهات الإسرائيلية أو بالمصالح السياسية المرتبطة بها. فرغم قربهما من الرئيس ترامب وانحدارهما من أصول لبنانية، يصعب تصور أن يتمكنا من تحويل لبنان إلى أولوية رئاسية إذا رأى ترامب أنَّ ذلك قد يضعه في مواجهة مباشرة مع مموّلين سياسيين نافذين تربطهم علاقات وثيقة بإسرائيل.

عون بين تعنّت إسرائيل وضيق الخيارات

وأمام تعثّر المفاوضات مع إسرائيل، التي علّق عليها عون جزءًا مهمًّا من رصيده وسمعته السياسية، بدأ الرئيس اللبناني يبحث عن مسارات أخرى يمكن أن تُعيدَ بعض الزخم إلى تحرّكه. وفي هذا السياق، حثّ خلال اجتماع عُقد في باريس الأسبوع الماضي الجهات المانحة على تسريع الجهود لعقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بما يساعد، وفق رؤيته، على إقامة دولة قوية في لبنان “للمرة الأولى”. ولم يُخفِ عون شعوره بأنَّ اللحظة قد تكون استثنائية، محذّرًا من أنَّ “هذه الفرصة قد لا تتكرر”.

لكن هامش الحركة المُتاح أمام عون ورئيس الحكومة نواف سلام يظل ضيقًا، وخصوصًا في ما يتعلق بالحوار مع إسرائيل. فقد دخلا هذا المسار أساسًا في محاولة لاحتواء الهجوم الإسرائيلي العنيف على لبنان، الذي بلغ ذروة دامية في الثامن من نيسان (أبريل)، عندما قُتل أكثر من 350 شخصًا وأصيب ما يزيد على ألف آخرين في يوم واحد. وتمكّنت بيروت، في خضم ذلك، من تحقيق مكسب محدود تمثل في الحصول على حماية أميركية للعاصمة، التي لم تتعرّض منذ ذلك الحين لقصف إسرائيلي مكثف. غير أنَّ هذا الإنجاز بقي استثناءً، فيما واصلت إسرائيل عمليات التدمير الواسعة في جنوب لبنان.

وقد خاطر عون بجزء من موقعه السياسي عندما اختار الانخراط في حوار مع الإسرائيليين، لكنه يجد نفسه اليوم أمام مأزق يصعب الخروج منه. فإسرائيل ترفض سحب قواتها من مناطق إضافية في لبنان بحجة أنَّ الجيش اللبناني لم ينزع سلاح “حزب الله”، فيما يرفض الجيش اللجوء إلى القوة لنزع سلاح الحزب خشية أن يؤدي ذلك إلى مواجهة داخلية قد تتطور إلى حرب أهلية وتهدد وحدة المؤسسة العسكرية نفسها.

غير أنَّ المأزق اللبناني يكشف مشكلة أوسع من حدود العلاقة بين بيروت وإسرائيل. فعجز إدارة ترامب عن ممارسة الضغط على الأطراف المعنية، أو عدم رغبتها في ذلك، يعكس افتقار السياسة الخارجية الأميركية في الآونة الأخيرة إلى قدر من الاتساق، وإلى أهداف سياسية واضحة تُحدّد وظيفة التفاوض والغاية النهائية منه. وقد ظهر هذا الاضطراب أيضًا في تعامل الإدارة مع إيران، عندما وافقت في حزيران (يونيو) الماضي على اتفاقٍ إطاري معها، قبل أن يتراجع ترامب عنه لاحقًا ويعود إلى خيار القصف.

وبالمعنى نفسه، بدت المفاوضات اللبنانية ــ الإسرائيلية، لبعض الوقت، نافذة نادرة للأمل وسط الحملة الأميركية المضطربة الهادفة إلى إخضاع طهران، قبل أن يبدو أنَّ اهتمام الرئيس الأميركي بها قد تراجع. فالديبلوماسية الأميركية تفتقر إلى الاستمرارية، فيما لا يظهر وزير الخارجية ماركو روبيو حتى الآن قدرة على فرض رؤية متماسكة تمسك بخيوط الملفات المتداخلة وتحوّل التحركات المتفرقة إلى سياسة واضحة المعالم.

وفي قلب هذا الارتباك، يجد لبنان نفسه مرة أخرى عرضة للإهمال والضياع بين أولويات أميركية متغيّرة وحسابات إقليمية أكبر منه. وهي نتيجة لا بد أن تثير قلق عون، ليس فقط حيال مصير المسار الذي راهن عليه مع إسرائيل، بل أيضًا حيال ما قد يتركه فشله من تداعيات على موقعه السياسي ومستقبله في الرئاسة.

Exit mobile version