من صنعاء إلى باب المندب… كيف أصبح الحوثيون قوّة إقليمية؟

لم يعد الحوثيون مجرّد طرفٍ في حرب اليمن؛ فقد نقلتهم الصواريخ والمسيّرات والجغرافيا من الصراع على صنعاء إلى التأثير في أمن البحر الأحمر وحسابات القوى الإقليمية. فكيف تحوّلت جماعة محلية إلى لاعبٍ يصعب تجاوزُه عند واحدة من أكثر بوابات العالم حساسية؟

أنصار الحوثيين في اليمن خلال تجمّع مؤيد للجماعة، في مشهد يعكس حضورها الشعبي والعسكري في الداخل اليمني.

راغب الشيباني*

لم يعد السؤال الذي تطرحه التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن يتعلق بمقدار الأراضي التي يستطيع الحوثيون السيطرة عليها، ولا حتى بما إذا كانت المملكة العربية السعودية قادرة على احتواء اندفاعتهم الجديدة. فمع التقدّم على الساحل الغربي والاقتراب من إحكام النفوذ على بوابة باب المندب، تتغيّر طبيعة المسألة نفسها: اليمن الذي ظلَّ طوال سنوات ساحةً تتصارع فيها القوى الإقليمية، بات قادرًا على التحوّل إلى أداة تستخدمها قوة محلية للتأثير في أمن الخليج والتجارة العالمية وحسابات القوى الكبرى.

تكمن أهمية هذا التحوّل في الجغرافيا قبل السياسة. فباب المندب ليس مجرّد مضيق يمني، بل الحلقة الجنوبية للطريق البحري الممتد عبر البحر الأحمر إلى قناة السويس والبحر المتوسط. والسيطرة على مداخله، أو امتلاك القدرة العسكرية على تهديد الملاحة فيه، تمنح صاحبها نفوذًا يتجاوز كثيرًا حجمه الاقتصادي أو السياسي.

هذا تحديدًا ما أدركه الحوثيون.

منذ سيطرتهم على صنعاء قبل أكثر من عقد، بنوا مشروعهم تدريجيًا على الجمع بين السيطرة الداخلية والقدرة على إزعاج الخصوم خارج الحدود. لكن تمدّدهم نحو الساحل الغربي ومواقع قريبة من باب المندب يرفع هذه الاستراتيجية إلى مستوى مختلف. فالجماعة التي كانت تفاوض على رواتب الموظفين وتقاسم موارد الدولة باتت قادرة على إدخال أمن الطاقة والملاحة الدولية في أيِّ مساومة مقبلة.

من اليمن إلى المضيقَين

يزداد وزن باب المندب في اللحظة الراهنة بسبب ما يحدث في الجهة الأخرى من شبه الجزيرة العربية. فالتوتر حول مضيق هرمز دفع السعودية إلى الاعتماد بدرجة أكبر على نقل النفط غربًا إلى موانئ البحر الأحمر. وكان يُفترض أن يشكّل هذا المسار مُتنفّسًا من الخطر الذي يهدد هرمز.

لكن التقدّم الحوثي قلب المعادلة.

إذا كان هرمز عُرضةً للضغط الإيراني، وباب المندب عُرضةً للضغط الحوثي، فإنَّ الطريق البديلة تصبح جزءًا من المشكلة بدل أن تكون حلًا لها. وتلك ربما أهم نتيجة استراتيجية للتطورات الأخيرة: إمكان تعرُّض صادرات الطاقة الخليجية للضغط عند بوابتين بحريتين بدل واحدة. وتكشف التطوّرات في حركة الملاحة أنَّ الطريق المهدَّد والطريق البديل باتا يلتقيان في نقطة ضعف استراتيجية واحدة.

هنا تتضح قيمة الحوثيين لإيران، لكن تتضح أيضًا حدود اختزالهم في مجرد ذراع إيرانية.

فالعلاقة مع طهران أساسية لفهم صعود الجماعة. وقد وفرت إيران، على مدى سنوات، دعمًا سياسيًا وعسكريًا وتقنيًا، فيما يمنح وجود قوة حليفة قرب باب المندب طهران ورقة إضافية بالغة الأهمية في صراعها الإقليمي. لكن الحوثيين طوروا في الوقت نفسه مصالحهم الخاصة، واقتصاد حربهم، وشبكاتهم العسكرية والسياسية، وطموحهم إلى حكم اليمن أو فرض شروطهم على من يحكمه. لذلك تبدو العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تلاقي مصالح غير متكافئ منها إلى سلسلة قيادة عسكرية تقليدية؛ فطهران تملك نفوذًا كبيرًا على الحوثيين، لكنها لا تمارس عليهم بالضرورة قيادة وسيطرة مباشرتين.

الأهم أنَّ الحوثيين اكتشفوا خلال حرب غزة أنَّ مهاجمة السفن تمنحهم شيئًا لم تكن الحرب اليمنية وحدها قادرة على منحه لهم: مكانة إقليمية.

فجماعة كانت تُناقش بوصفها طرفًا في حرب أهلية تحولت إلى لاعب تدخل صواريخه ومسيّراته في حسابات شركات الشحن وأسعار التأمين والطاقة وسياسات واشنطن والرياض وطهران. ومن الصعب التراجع عن هذا التحول، لأنَّ القوة التي تكتشف أنَّ قدرتها على تعطيل ممر دولي تمنحها نفوذًا سياسيًا لن تتخلى بسهولة عن تلك الورقة.

انتصار الحوثيين… أم انهيار خصومهم؟

لكن قصة التقدم الحوثي ليست قصة قوة الحوثيين وحدهم. إنها أيضًا قصة ضعف خصومهم.

تكشف معركة الساحل الغربي مشكلة رافقت المعسكر المناهض للحوثيين منذ سنوات: تعدد القوى العسكرية لا يعني وجود جيش موحد. فالقوات الحكومية والقوى المحلية والتشكيلات المدعومة خارجيًا ظلت تعمل ضمن شبكات قيادة وولاءات مختلفة. وعندما وقع الهجوم، ظهرت الفجوة بين كثرة المقاتلين وغياب القيادة المتماسكة.

يمكن اختصار الخلل في ثلاث مشكلات مترابطة: تشظي القرار العسكري، والاعتماد المفرط على الدعم الخارجي، وتقديم بناء الهياكل السياسية على بناء قوة عسكرية متماسكة.

وهذه مشكلة تتجاوز اليمن. فالتفوق الجوي والتمويل الخارجي قد يثبّتان جبهة، لكنهما لا يبنيان بالضرورة مؤسسة قادرة على الصمود عندما يتوقف الدعم أو يتأخر. وأظهرت معارك الساحل أنَّ الحوثيين كانوا يواجهون خصومًا يمتلكون السلاح والعدد، لكنهم يفتقرون إلى وحدة القيادة والهدف.

الأخطر أنَّ الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين لم تكن يمنية فقط. فالتباين السعودي–الإماراتي انعكس على القوى المحلية وعلى التصورات المتنافسة لمستقبل الجنوب، وجعل الصراع على شكل اليمن المقبل جزءًا من الحرب على الحوثيين أنفسهم. وهكذا واجهت الجماعة خصومًا لا يتفقون تمامًا حتى على الدولة التي يريدون الدفاع عنها.

بالنسبة إلى الرياض، يطرح هذا الواقع مُعضِلة شديدة الحساسية. فقد أمضت السعودية السنوات الأخيرة تحاول الخروج من الحرب اليمنية المباشرة، لا العودة إليها. وكان الهدف الانتقال من المواجهة العسكرية المفتوحة إلى تسوية تسمح بتأمين الحدود والتفرغ لمشاريع التحول الاقتصادي في الداخل.

اليوم، يعيد الحوثيون الخطر إلى الحدود السعودية وإلى شريان المملكة النفطي الغربي في آنٍ واحد.

غير أنَّ العودة إلى حرب مفتوحة تحمل مخاطر التجربة السابقة، فيما القبول بالوقائع الجديدة يمنح الحوثيين مكسبًا استراتيجيًا ويشجّعهم على رفع مطالبهم. وبين الخيارَين، يظهر الفارق بين وجود شراكات وضمانات أمنية وبين استعداد الحلفاء لخوض حرب فعلية دفاعًا عن بعضهم بعضًا.

تواجه واشنطن مُعضِلة مشابهة. فالولايات المتحدة لا تستطيع تجاهل تهديد الملاحة في باب المندب، لكنها لا تريد الانجرار مجددًا إلى حرب يمنية مفتوحة. كما أثبتت التجربة أنَّ تدمير منصات إطلاق أو مخازن أسلحة لا يؤدي بالضرورة إلى إزالة المشكلة الحوثية. فالقدرة العسكرية للجماعة ليست منفصلة عن بنيتها السياسية والاجتماعية وعن انهيار الدولة اليمنية.

يمكن إضعاف الحوثيين عسكريًا من الجو، لكن القضاء عليهم من الجو مسألة مختلفة تمامًا. والأسوأ أنَّ حملة عسكرية طويلة قد تمنحهم مجددًا خطاب المقاومة الذي استخدموه لتوسيع دائرة التعبئة وإضفاء بعد إقليمي على مشروعهم.

فخُّ التسوية عند باب المندب

إذا كان الخيار العسكري محفوفًا بالمخاطر، فإنَّ الديبلوماسية تحمل فخًا من نوع آخر.

قد يصبح تأمين الملاحة الدولية الهدف الأول لأيِّ مفاوضات مقبلة. وإذا كان الثمن وقف الهجمات على السفن مقابل تثبيت خطوط السيطرة الجديدة، فقد يحصل الحوثيون عبر التفاوض على اعتراف عملي بأمر واقع صنعوه بالقوة.

هنا تكمن المفارقة الأخطر: قد ينجح المجتمع الدولي في حماية السفن، لكنه يفشل في حل حرب اليمن.

سبق أن عرفت البلاد ترتيبات هدفها احتواء القتال حول موانئ البحر الأحمر، قبل أن تتحول عمليًا إلى تجميد طويل للصراع. وتكرار التجربة في باب المندب قد يقود إلى اتفاق يركز على حرية الملاحة، فيما تُرحّل القضايا اليمنية الأساسية مرة أخرى: الرواتب، والطرق، والمطارات، والأسرى، والاقتصاد المنقسم، وتقاسم الموارد، ومستقبل الدولة نفسها.

وفي خضم حسابات المضائق والنفط والصواريخ، يكاد اليمنيون أنفسهم يختفون من الصورة.

فبلد أنهكته سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي يواجه مجددًا موجات نزوح وتفاقمًا في انعدام الأمن الغذائي وانهيار الخدمات. والسيطرة على باب المندب قد تُغيّر حسابات الطاقة والملاحة الدولية، لكنها لا تدفع راتب موظف يمني، ولا تعيد بناء مدرسة أو مستشفى، ولا توحد اقتصادًا وبلدًا انقسما بين سلطات ومؤسسات ومناطق نفوذ متعددة.

لهذا، لا يكمن الاختبار المقبل في الاختيار بين حرب شاملة تمنح الحوثيين فرصة جديدة للتعبئة وبين تسوية بحرية تكافئهم على التوسع. فالمعادلة الأكثر قابلية للاستمرار تتطلب منع مزيد من فرض الوقائع بالقوة، وإعادة بناء المعسكر الحكومي سياسيًا وعسكريًا، ثم استخدام توازن أكثر استقرارًا لإحياء مفاوضات حول تسوية يمنية شاملة، لا مجرد اتفاق لحماية السفن.

وهذا يفترض أيضًا الاعتراف بحقيقة طال تجاهلها: لا يمكن بناء تسوية قابلة للحياة في اليمن عبر جمع خصوم الحوثيين حول عدو مشترك فقط. فما لم يمتلك هؤلاء تصورًا مشتركًا للدولة التي يريدون بناءها، ستظل انقساماتهم مصدر قوة لخصم أكثر تنظيمًا منهم.

الحوثيون، من جهتهم، يواجهون مفارقة خاصة بهم. فكلما اتسع نفوذهم الإقليمي ازدادت قدرتهم على المساومة، لكنهم يصبحون أيضًا أكثر ارتباطًا بصراعات تتجاوز اليمن وقد تحمل إلى مناطق سيطرتهم ردودًا عسكرية واقتصادية لا يستطيعون التحكم بها. والقدرة على تعطيل التجارة الدولية قد تكون مصدر نفوذ، لكنها ليست بديلًا من القدرة على حكم بلد فقير ومنهك وتوفير الحد الأدنى من الحياة لسكانه.

لقد أمضى اليمن أكثر من عقد بوصفه ساحةً لصراعات الآخرين. الجديد اليوم أنَّ الحوثيين يحاولون قلب المعادلة: استخدام اليمن وموقعه الجغرافي للتأثير في صراعات الآخرين.

إذا نجحوا في تحويل باب المندب من ممر دولي إلى ورقة تفاوض دائمة، فلن يكون أكبر انتصار لهم السيطرة على مدينة أو ميناء أو جزيرة في البحر الأحمر. سيكون نجاحهم الحقيقي الانتقال من حركة مسلحة تبحث عن مكان داخل النظام اليمني إلى قوة تستطيع فرض نفسها على النظام الإقليمي.

عندها لن يعود السؤال مَن يحكم صنعاء فقط، بل مَن يستطيع التأثير في فتح باب المندب وإغلاقه، وما الثمن الذي سيطلبه في المقابل.

Exit mobile version