هنري زغيب*
حين يَدهمُ الخطر الشخصَ أَو البلاد، يكثُر الكلامُ في الهُوية. وغالبًا ما يخلِط الناسُ بين الهُوية والانتماء، فيخالونَهما معنًى واحدًا، أَو أَنهما متكاملان. لكن الأَمر ليس كذلك، بل هما منفصلان تمامًا.
للهُوية أَربعُ دلالات: الهُوية الشخصية (تدل على كل فردٍ مستقلًّا عن سواه)، والهُوية الوطنية (تشمل شعبًا يعيش في موطن واحد)، والهُوية الثقافية (مجموع ما يزاول شعبٌ من طقوس ولغةٍ وتاريخ)، والرابعة: بطاقة الهُوية (وثيقةٌ موحَّدة رسمية تمنحها الحكومة لكلٍّ من مواطنيها تعريفًا رسميًّا به، معترَفٌ بها محلِّيًّا وُدُوَليًّا).
وإذا للهوية أَربعُ دلالات، فللانتماء دلالة واحدةٌ ذاتُ وُجْهَةٍ واحدة: الأَرضُ الأُمّ.
إِذًا: الهُويةُ وحدها لا تكفي للدلالة على الأَرقى والأَبقى والأَنقى: الانتماء. ولا قيمة للهُوية دون الانتماء.
أَيُّ قيمةٍ لِمواطنٍ، وهو في وطنه، يُنكر هُويته الشخصية والوطنية والثقافية وبطاقتَه الفردية، فيعير شخصيته لسواه؟ أَو ينتمي إِلى هُوية وطن آخر؟ أَو يتَّبع ثقافةَ وطنٍ آخر؟ أَو يستزلم لبطاقة هُوية في وطن آخر؟
أَيُّ قيمةٍ لِمواطن لبناني في أَيِّ بلدٍ آخَر، يحمل بطاقةَ هُويةٍ لبنانيةً أَو وثيقةً رسميةً لبنانية، ويقدِّمُ عليها انتماءَه إِلى البلد الذي يعيش فيه، مُنْكرًا هُويته اللبنانية الشخصية والوطنية والثقافية والوثيقةَ الرسمية، وينفصل عن انتمائه إِلى أَرضه الأُم وشعبها وتراثها؟
ذات يومٍ، في احتفالٍ كان خطيبَه الدكتور فيليب سالم، العالِمُ العالَميُّ الواسع الشُهرة والبراعة في الشفاء من السرطان، جاء في خطابه: “أَنا أَعمل وأَعيش في الولايات المتحدة الأَميركية كطبيب وباحث في علوم الأَمراض السرطانية. أَميركا أَمطرَتْني بجميع الفرَص التي أَوصلَتْني إِلى حيثُ بلغْتُ اليوم، ومَنَحَتْني جوازَ سفَرٍ أَميركيًّا، ويعبقُ صدري شكرانًا لها ووفاءً. صحيح أَن جواز سفري أَميركيٌّ، لكن هُويتي هي لبنان… وعندما أَكون وحدي، وأَسأَل نفسي “مَن أَنا”؟ تجيبُني نفسي: “أَنتَ لبنانيٌّ، ولولا لبنانُ لم تكُن أَنتَ مَن أَنت”.
هكذا، من هُويته اللبنانية، الشخصية والوطنية والثقافية، يعلن الدكتور فيليب سالم انتماءَه إِلى لبنان، شعبًا وأَرضًا وتاريخًا وحضارةً وتراثًا، شاهرًا وفاءَه لأَميركا وولاءَه للبنان.
هنا العنوان الرئيس: الوفاءُ للوطن. وهنا الإِيمان الرئيس: الانتماء إِلى الوطن على أَرضه، والبقاء على هذا الانتماء ولو في أَيٍّ من أَوطان الآخرين. أَما الذين لا علاقةَ لهم بلبنان إِلَّا في وثيقة ورَقية رسمية، فلا هُم يستاهلون الهُوية، ولا يستحقُّون شرف الانتماء إِلى لبنان اللبناني.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
