بعد عقود من شراء أحدث الأسلحة، تطرح الحروب الحديثة سؤالًا مختلفًا على دول الخليج: هل تشتري المليارات أمنًا أكبر، أم أنَّ التحدي بات في كيفية الإنفاق لا في حجمه؟
علي الشعلان*
منذ حرب تحرير الكويت عام 1991، ترسّخت لدى دول الخليج قناعة بأنَّ التفوُّق التكنولوجي يمكن أن يعوّض بعض نقاط الضعف البنيوية التي يصعب تغييرها، من محدودية السكان والعمق الجغرافي في بعض الدول، إلى اتساع السواحل وكثرة المنشآت الحيوية المطلوب حمايتها، فضلًا عن وجود المنطقة في واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية اضطرابًا في العالم.
وجاء الغزو الأميركي للعراق عام 2003 ليعزّز هذه القناعة، بعدما أظهر ما تستطيع القوة الجوية المتفوقة والذخائر الدقيقة والاستخبارات والاتصالات الحديثة أن تحققه في ميدان القتال. ومنذ ذلك الحين، أبرمت دول الخليج صفقات بمليارات الدولارات لاقتناء أحدث المقاتلات ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي والمدرعات والسفن الحربية.
لكن الحروب التي جاءت لاحقًا، وصولًا إلى الانتشار الواسع للمسيّرات والصواريخ الأقل كلفة والحرب الإلكترونية، طرحت سؤالًا مختلفًا: هل امتلاك أحدث الأسلحة وأغلاها يعني بالضرورة امتلاك مستوى مماثل من الأمن؟
لا تزال دول مجلس التعاون الخليجي من أكبر أسواق السلاح في العالم. وتظهر أحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) أن السعودية وقطر والكويت جاءت جميعها بين أكبر عشرة مستوردين للأسلحة الرئيسية عالميًا خلال الفترة 2021-2025. واستحوذت السعودية وحدها على 6.8% من الواردات العالمية، وقطر على 6.4%، والكويت على 2.8%.
وتكشف الأرقام تفاوتًا مهمًا داخل الخليج. فقد تراجعت واردات السعودية 31% مقارنة بالفترة 2016-2020، لكنها بقيت ثالث أكبر مستورد عالميًا، فيما ارتفعت واردات قطر 106%، وقفزت واردات الكويت 805%. وتسلمت قطر خلال السنوات الخمس الأخيرة مئة طائرة مقاتلة، بينما تضمنت مشتريات الكويت عشرات المقاتلات و218 دبابة، في حين كان لدى الإمارات 79 مقاتلة فرنسية قيد الطلب في نهاية 2025.
لا تعني هذه الأرقام أنَّ الخليج يشهد بالضرورة موجة شراء تتصاعد عامًا بعد عام. فواردات الشرق الأوسط من الأسلحة الرئيسية انخفضت إجمالًا 13% بين الفترتين 2016-2020 و2021-2025، كما أنَّ صفقات السلاح بطبيعتها دورية، وقد تفصل سنوات بين التعاقد والتسليم. لكن الطلبيات الكبيرة قيد التنفيذ تؤكد أن المنطقة ستبقى سوقًا رئيسية للصناعات الدفاعية العالمية.
إنَّ السؤال، إذًا، ليس ما إذا كانت دول الخليج تحتاج إلى الإنفاق على الدفاع. فهي تقع في بيئة شهدت حروبًا وهجمات بالصواريخ والمسيّرات واستهدافًا لمنشآت الطاقة والملاحة. السؤال الاقتصادي والاستراتيجي الأهم هو: ما مقدار الأمن الذي تحصل عليه مقابل كل دولار تنفقه؟
عندما يصبح المهاجم أرخص من المدافع
غيّرت حرب أوكرانيا، ومعها حروب المنطقة، جانبًا أساسيًا من اقتصاديات الدفاع. فالنموذج الذي ساد خلال العقود الماضية كان يقوم بدرجة كبيرة على التفوق النوعي: طائرة أكثر تقدُّمًا، وصاروخ أدق، ورادار أبعد مدى، ومنظومة اعتراض أكثر تطورًا. لكن المسيّرات قلبت جزءًا من هذه المعادلة، لأنها أتاحت للمهاجم استخدام أعداد كبيرة من الوسائل الرخيصة نسبيًا لإجبار المدافع على استنزاف ذخائر أعلى كلفة.
ويقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) كلفة المسيّرة من طراز “شاهد” بعشرات آلاف الدولارات، في حين قد تبلغ كلفة بعض صواريخ الاعتراض الحديثة مئات آلاف الدولارات أو ملايينها. وأظهرت التجربة الأوكرانية أنَّ مواجهة أسراب كبيرة من المسيّرات بصواريخ باهظة الثمن وحدها يمكن أن تنتج معادلة مالية يصعب استمرارها في حرب طويلة.
لا تعني هذه المقارنة أنَّ منظومات مثل “باتريوت” فقدت ضرورتها. فهي أساسية في مواجهة الصواريخ الباليستية وغيرها من التهديدات العالية الخطورة. المشكلة تكمن في استخدام سلاح بالغ الكلفة ضد تهديد منخفض الكلفة عندما تتوافر، أو يمكن تطوير، وسائل أقل كلفة لأداء المهمة.
من هنا تبرز إحدى أهم المسائل أمام المخططين الدفاعيين في الخليج: ليس فقط ماذا يشترون، وإنما بأي سلاح يعترضون أي تهديد، وبأي كلفة.
فالحرب الحديثة لا تلغي قيمة التكنولوجيا المتقدمة، لكنها تغيّر مفهوم الكفاءة العسكرية. وقد تكون شبكة تجمع الرادارات والمستشعرات والحرب الإلكترونية والمسيّرات الاعتراضية والذخائر الأقل كلفة أكثر فاعلية اقتصاديًا في التعامل مع بعض التهديدات من استخدام صاروخ متطور تبلغ قيمته ملايين الدولارات.
ويضاف إلى الكلفة عامل آخر لا يقل أهمية: المخزون. فالقدرة الدفاعية لا تقاس بعدد البطاريات والطائرات التي تمتلكها الدولة فحسب، وإنما أيضًا بقدرتها على مواصلة القتال. ماذا يحدث إذا استمرت الهجمات أسابيع أو أشهر؟ كم صاروخًا اعتراضيًا يمكن إطلاقه؟ وبأي سرعة يمكن تعويض المستهلك؟ وهل تستطيع المصانع الأجنبية تلبية الطلب عندما يحتاج عدد من الحلفاء إلى الذخائر نفسها في الوقت نفسه؟
بهذا المعنى، نقلت حرب أوكرانيا النقاش من جودة المنصة العسكرية وحدها إلى اقتصاد الحرب الصناعية: الإنتاج والمخزونات وسلاسل التوريد وسرعة الإصلاح والتعويض والقدرة على إنتاج أعداد كبيرة بكلفة يمكن تحمّلها.
وهكذا يصبح شراء السلاح جزءًا واحدًا فقط من المعادلة. فالإنذار المبكر والقيادة والسيطرة وتبادل المعلومات والصيانة والتدريب والحرب الإلكترونية وربط الأنظمة المختلفة بعضها ببعض، كلها عوامل تحدد القيمة الحقيقية للسلاح بعد شرائه.
التوطين… من فاتورة إلى استثمار
من هذه الزاوية أيضًا، ينبغي النظر إلى محاولات دول الخليج بناء صناعات دفاعية محلية باعتبارها أكثر من مجرد سياسة صناعية.
فالسعودية، على سبيل المثال، تستهدف توطين أكثر من 50% من الإنفاق الحكومي على المعدات والخدمات العسكرية بحلول 2030. ووفق الهيئة العامة للصناعات العسكرية، ارتفعت نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى 24.89% بنهاية 2024، مقارنة بمستويات متدنية قبل إطلاق “رؤية 2030”.
ولهذا التحول مردود اقتصادي واضح. فجزء أكبر من الإنفاق يبقى داخل الاقتصاد، وتنشأ وظائف وسلاسل توريد وقدرات هندسية وصناعية محلية. لكن له أيضًا مردود دفاعي، لأن القدرة على صيانة الأنظمة وإنتاج بعض الذخائر والمسيّرات وقطع الغيار محليًا تقلل مخاطر الاعتماد الكامل على خطوط إمداد خارجية.
مع ذلك، فإنَّ التوطين ليس غاية في ذاته. فإذا أصبح إنتاج المعدات محليًا أعلى كلفة بكثير من شرائها، أو اقتصر على التجميع من دون نقل حقيقي للتكنولوجيا والمعرفة، فقد تتحوّل الصناعة الدفاعية إلى عبء مالي بدل أن تصبح مصدرًا للكفاءة. لذلك لا ينبغي أن يقاس النجاح بنسبة الإنفاق الذي جرى توطينه فقط، وإنما أيضًا بالقيمة التكنولوجية والاقتصادية والدفاعية التي أنتجها هذا التوطين.
وتزداد أهمية هذه الحسابات لأنَّ دول الخليج تخوض، بالتوازي، واحدًا من أكبر مشاريع التحوُّل الاقتصادي في تاريخها، من البنية التحتية والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة إلى السياحة والتعليم والصحة وتنويع مصادر الدخل بعيدًا من النفط.
إنَّ هذه المشاريع تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة، فيما لا تزال الموازنات الخليجية معرَّضة لتقلبات أسعار الطاقة. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أنَّ انخفاضًا حادًا في أسعار النفط يمكن أن يضغط بصورة ملموسة على المراكز المالية لدول مجلس التعاون، رغم ما تتمتع به دول عدة من احتياطيات وأصول مالية كبيرة.
الواقع أنه لا ينبغي اختزال المفاضلة بين الدفاع والتنمية في معادلة مبسطة تضع الإنفاق العسكري في مواجهة المدارس والمستشفيات. فالأمن نفسه شرط للاستثمار والتنمية، والمنشآت النفطية والموانئ والمطارات ومراكز البيانات والمشاريع السياحية تحتاج كلها إلى الحماية. لكن ذلك يجعل كفاءة الإنفاق الدفاعي أكثر أهمية، لا أقل.
شراء المزيد أم الإنفاق بطريقة مختلفة؟
لا تشير البيئة الأمنية المحيطة بالخليج إلى أنَّ دول المنطقة تستطيع ببساطة خفض إنفاقها الدفاعي والاطمئنان إلى تراجع المخاطر. كما أنَّ المقاتلات المتطورة والدفاع الصاروخي والسفن الحربية ستظل عناصر ضرورية في ترساناتها. لكن اعتبار اقتناء عدد محدود من أكثر الأنظمة تقدمًا وكلفة مقياسًا كافيًا للقوة العسكرية أصبح أقل إقناعًا مما كان عليه قبل عقدين.
إنَّ المسيّرات والحرب الإلكترونية والذخائر الجوالة والصواريخ الأقل كلفة أعادت إلى القوة العسكرية عنصرًا قديمًا بلغة تكنولوجية جديدة: عندما تطول الحرب، يصبح الكم والاستدامة مهمين بقدر النوعية.
قد يعني ذلك أنَّ القيمة الحقيقية للإنفاق الدفاعي الخليجي ستأتي بصورة متزايدة من تحقيق توازن أدق: أنظمة متطوّرة لمواجهة التهديدات المتطوّرة، وحلول أقل كلفة لمواجهة التهديدات الأقل كلفة، ومخزونات أعمق، وقدرة أكبر على الإنتاج والصيانة محليًا، وشبكات قيادة وإنذار تستطيع جعل هذه العناصر تعمل معًا.
وهذا لا يعني أنَّ عقود السلاح الخليجية خلال العقود الماضية كانت بلا جدوى. فقد أسهمت في بناء قوات جوية وبحرية ودفاعية متقدمة، ورفعت مستويات التدريب والجاهزية، وأوجدت قدرات لم تكن متوافرة قبل حرب الكويت. لكن الحروب الحديثة أظهرت في الوقت نفسه أنَّ الأمن لا يرتفع تلقائيًا بالنسبة نفسها التي ترتفع بها فاتورة السلاح.
لذلك، قد لا يكون السؤال المقبل أمام دول الخليج ما إذا كان عليها أن تنفق أكثر أو أقل على الدفاع، بل كيف تنفق بصورة أكثر كفاءة.
ففي عصرٍ تستطيع فيه مسيّرة بعشرات آلاف الدولارات أن تفرض على خصمها استخدام وسائل دفاعية تفوقها كلفة بأضعاف، لم يعد المقياس الحقيقي للقوة هو مَن يملك السلاح الأغلى، بل مَن يستطيع الدفاع عن نفسه بكفاءة أطول، وبكلفة يستطيع تحمّلها.
- علي الشعلان هو مراسل “أسواق العرب” في الكويت.
