انتصارُ المُتَرَبِّص: دَرسُ “طوفان الأقصى” بعد ثلاثِ سنوات

بعد ثلاث سنوات على “طوفان الأقصى”، تبدّلت خريطة الرابحين والخاسرين في المنطقة بصورة تكاد تناقض حسابات البداية. فما الذي جعل المتربّص يقطف ما زرعه الآخرون؟

تركيا أردوغان: نموذج “صبر التربّص” وامتلاك التوقيت.

البروفِسور بيار الخوري*

في السياسة، كما في الأسواق، لا يكفي أن تمتلك النَّفَس الطويل. الذي يحسم النتيجة هو مَن يملك توقيت التوقُّف. بعد ثلاث سنوات على عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، تكشف تحوّلات المنطقة أنَّ المكافأة لم تكن للأكثر صبرًا، بل لمَن احتفظ بقرار إنهاء صبره في يده.

هذه الأطروحة لا تحاكم العملية ولا أطرافها. هي محاولة لفهم كيف تحوّل حدث واحد إلى إعادة توزيع شاملة للقوى، وكيف خرج من هذا التوزيع رابحون لم يطلقوا الرصاصة الأولى، وخاسرون كانوا يعتقدون أنَّ الزمن حليفهم.

الكلفة الإنسانية هي الإطار الذي لا يجوز أن يغيب عن أيِّ قراءة. تقول السلطات الإسرائيلية إن نحو 1200 شخص قُتلوا في الهجوم، واقتيد نحو 250 رهينة إلى غزة. وتقول وزارة الصحة في غزة إنَّ عدد القتلى في القطاع تجاوز سبعين ألفًا خلال الحرب التي تلت وما زالت. وفي لبنان أحصت وزارة الصحة اللبنانية ما يزيد على أربعة آلاف قتيل حتى وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 عداك عن الحرب الحالية. خلف كل تحليل للقوة، ثمة هذه الأرقام.

من “النصر بالنقاط” إلى كسر الإيقاع

قبل 7 تشرين الأول (أكتوبر)، كان المحور الذي تقوده إيران يعمل وفق عقيدة يمكن تسميتها “النصر بالنقاط”. الفكرة بسيطة في صياغتها، ومكلفة في تطبيقها: تراكم بطيء في القدرات الصاروخية والتنظيمية على حدود إسرائيل، واستنزاف طويل الأمد لها، وتجنّب واعٍ لحرب الحسم التي قد تطيح بكل ما بُني.

هذه العقيدة قامت على افتراضٍ مركزي: أنَّ الزمن يعمل لصالح المحور. كل سنة تمر تضيف صواريخ وخبرات وعمقًا جغرافيًا، وكل جولة محدودة تُضعف الردع الإسرائيلي بقدر ما تستهلك من صبر المجتمع الإسرائيلي. وكان هذا الافتراض يحتاج شرطًا ضمنيًا لا يُقال: أن تلتزم جميع أطراف المحور بالإيقاع نفسه.

القيادة العسكرية ل”حماس” في غزة وصلت إلى استنتاج معاكس. ثلاثة تطوُّرات جعلت الانتظار، في تقديرها، خسارة متراكمة لا ربحًا مؤجلًا. الأول مسار التطبيع الخليجي والعربي مع إسرائيل الذي كان يتقدم علنًا في صيف 2023، وكان يهدد بإعادة رسم الإقليم على نحوٍ يهمّش القضية الفلسطينية. الثاني تطوير إسرائيل لمنظومات الاعتراض بالليزر، بما يعنيه ذلك من تآكل القيمة العسكرية للترسانة الصاروخية التي راكمها المحور. الثالث التطوّرات في المسجد الأقصى، التي منحت الحركة اسم العملية ذاته.

في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2024 نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تحت عنوان محاضر اجتماعات منسوبة إلى قيادة “حماس”، قالت إنَّ الجيش الإسرائيلي عثر عليها في غزة. تفيد هذه الوثائق، وفق الصحيفة، بأنَّ التخطيط للعملية بدأ قبل سنوات، وأنَّ يحيى السنوار سعى إلى إشراك إيران و”حزب الله” فيها. مصدر الوثائق هو الجيش الإسرائيلي، وقد نفت إيران صحتها. لكن سلوك الحركة الموثق يقول الشيء الأساسي بمعزل عن تفاصيل الوثائق: العملية كانت خروجًا على عقيدة النقاط من داخل المحور نفسه، ورهانًا على أنَّ الحلفاء سيُجرّون إلى معركة أوسع مما أرادوا.

هنا يصبح خطاب الأمين العام الأسبق ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2023 وثيقة مركزية لفهم ما جرى. الخطاب فعل ثلاثة أشياء في آن. احتضن العملية عقائديًا ووصفها بأنها حدثٌ تاريخي. وأكد أنَّ قرارها وتنفيذها فلسطينيان بالكامل، وأنَّ الحزب لم يكن يعلم بها. ثم أطّر المعركة كلها ضمن منطق “الانتصار بالنقاط لا بالضربة القاضية”.

قراءة الخطاب اليوم تكشف تناقضًا بنيويًا لم يكن ظاهرًا في لحظته. الخطاب كان، في مضمونه، إعلان نية لتجنُّب حرب الحسم، وتمسُّكًا بعقيدة الإيقاع البطيء. غير أنَّ قرار فتح “جبهة الإسناد” في 8 تشرين الأول (أكتوبر)، أي قبل الخطاب بأسابيع، كان قد وضع الحزب على طريق هذه الحرب. النيّة قالت شيئًا، والموقع الميداني كان يقود إلى شيءٍ آخر.

هذا التناقض يقود إلى تعريف النوع الأول من الصبر الذي حكم المرحلة: “صبر التراكم”. هو صبر مَن يقف داخل الميدان. أصوله مكشوفة للخصم، مخازنه ومقاتلوه وقياداته في مرمى النار. والتزامه العقائدي يجعل الانسحاب مكلفًا بقدر الدخول، لأنَّ التراجع عن جبهة معلنة يطعن في الرواية التي بُني عليها وجوده.

الخاصية الأخطر في صبر التراكم أنه صبرٌ مرهون بالآخرين. صاحبه يملك قرار الاستمرار، لكنه لا يملك قرار النهاية. “حماس” أنهته من الداخل في 7 تشرين الأول (أكتوبر) حين قررت أنَّ الانتظار خسارة. وإسرائيل أنهته من الخارج في أيلول (سبتمبر) 2024، حين حوّلت المواجهة على الجبهة اللبنانية من استنزاف متبادل إلى حسم: تفجيرات أجهزة الاتصال، ثم اغتيال نصرالله في 27 أيلول (سبتمبر)، ثم العملية البرية. في الحالتين، كان التوقيت قرار غيره.

صبر التربّص وملكية التوقيت

في الجهة المقابلة من الخريطة، كان ثمة صبرٌ من نوع مختلف: “صبرُ التربّص” (Opportunistic Patience). النموذج الأوضح هو الموقف التركي. احتفظت أنقرة لسنوات بأصول في شمال سوريا، نفوذ عسكري مباشر وشبكة علاقات مع فصائل معارضة، من دون أن تُعرّض هذه الأصول لمواجهة كبرى. والتزاماتها بقيت مرنة إلى حد لافت.

لا شيء في السلوك التركي الموثق يدل على أنَّ أنقرة توقعت تسلسل الأحداث الذي أعقب 7 تشرين الأول (أكتوبر). الذي يدل عليه السلوك أنها كانت متموضعة بطريقة تسمح لها بتحويل أي هزة إقليمية إلى مكسب، أيًّا كان مصدر الهزة. صبر التربّص لا يحتاج إلى التنبّؤ، بل إلى الجاهزية وحرية التوقيت.

والدليل الأوضح على هذه الجاهزية هو التوقيت نفسه. في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، اليوم الذي دخل فيه وقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله” حيّز التنفيذ، انطلق الهجوم على حلب بقيادة “هيئة تحرير الشام”. بعد أحد عشر يومًا، في 8 كانون الأول (ديسمبر)، سقط نظام بشار الأسد. الحليف الذي كان سيهبّ تقليديًا لنجدة دمشق كان قد خرج لتوّه من حرب أنهكته، وإيران كانت قد خسرت الممر البري الذي بنت عليه شبكة نفوذها.

الفارق بين الصبرين إذن ليس فارقًا في الطول ولا في الكلفة، بل في ملكية التوقيت. صبر التراكم يملك قرار البدء ولا يملك قرار النهاية. صبر التربّص يملك القرارين معًا، لأنَّ أصوله لم تكن في مرمى النار، والتزاماته لم تكن مُقيَّدة بعقيدة معلنة.

غير أنَّ الصبرَين لا يكفيان لتفسير ما جرى. ثمة ضلع ثالث يربطهما: التحوُّل في العقيدة الإسرائيلية من “إدارة الصراع” (Conflict Management)  إلى “الحسم” (Decisive Victory). قبل 7 تشرين الأول (أكتوبر)، كانت إسرائيل تتعامل مع تهديدات حدودها بمنطق الجولات المحدودة وقبول قدر من التهديد المستمر مقابل تجنُّب الحروب الشاملة. وهو المنطق الذي كان يعبَّر عنه داخل المؤسسة الإسرائيلية بـ”جزّ العشب”.

الصدمة غيّرت حسابات الكلفة داخل إسرائيل. ما كان يُعدّ خطرًا مقبولًا صار، بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر)، خطرًا وجوديًا في الخطاب الرسمي الإسرائيلي. وحين تتغير حسابات الكلفة، تتغيّر العقيدة. والتحوُّل إلى الحسم قوَّض مباشرةً الافتراض الذي قامت عليه عقيدة النقاط.

صبر المحور راهن ضمنيًا على بقاء منطق الإدارة، لأنَّ النصرَ بالنقاط لا يعمل إلّا مع خصم يقبل خوض المباراة بجولاتها. وصبر تركيا قطف ثمار التحوُّل إلى الحسم، لأنَّ الحسم الإسرائيلي أفرغ الساحة السورية من الفاعلين الذين كانوا يحمون النظام. التسلسل يُقرأ هكذا: صدمة 7 تشرين الأول (أكتوبر)، ثم تحوّل إسرائيل إلى الحسم، ثم انكشاف صبر التراكم، ثم قطف صبر التربّص.

هذا التسلسل يكشف أنَّ أحدًا من الفاعلين لم يتحكّم بالسلسلة كلها. حماس أطلقتها، وإسرائيل حوّلت اتجاهها، و”حزب الله” دفع كلفتها، وتركيا قطفت إحدى ثمارها. لكن النتيجة لم تكن عشوائية، لأنَّ موقع كل فاعل في السلسلة كان محددًا مسبقًا بنوع صبره.

والقراءة تكتمل حين نُميّز بين الدولة والتنظيم. المكاسب في هذه المرحلة ذهبت إلى الدول، والخسائر وقعت على التنظيمات. الدولة تملك ما لا يملكه التنظيم: حدودًا معترفًا بها، واقتصادًا يمتصُّ الصدمات، وقدرة على التفاوض باسم نفسها، وهامشًا لتغيير تحالفاتها من دون أن تفقد مبرّر وجودها.

جماعة “الإخوان المسلمين” مثالٌ على خسائر التنظيمات. خسرت غزة بوصفها النموذج الوحيد الذي حكمت فيه حركة من إرثها الفكري إقليمًا بصورة متصلة لسنوات. ثم جاءت الخسارة القانونية: في كانون الثاني (يناير) 2026، صنّفت الولايات المتحدة ثلاثة من فروع الجماعة منظمات إرهابية، وكان المبرر المعلن في القرار الأميركي صريحًا: دعم هذه الفروع ل”حماس”.

وينبغي هنا تمييز دقيق يغيب أحيانًا عن النقاش العام. “هيئة تحرير الشام”، التي قادت الهجوم على حلب ووصلت إلى دمشق، ذات أصل سلفي جهادي، وتاريخها التنظيمي مرتبط بتنظيم “القاعدة” قبل أن تعلن انفصالها عنه. وهي ليست امتدادًا لجماعة “الإخوان المسلمين”، ولا تنتمي إلى تقليدها الفكري أو التنظيمي. الخلط بين المسارين يُفسد فهم مَن ربح ومَن خسر في سوريا وخارجها.

من صبر التربّص إلى صبر الحضور

أما المفارقة الأخيرة فتتعلق بالرابح نفسه. صبر التربّص، بعد أن يقطف، لا يبقى صبر تربّص. يتحول إلى “صبر حضور”، وهو نوع أقرب إلى صبر التراكم منه إلى صبره الأول. حين تصبح أصولك في الميدان، ومصالحك مرتبطة بنظام قائم، والتزاماتك معلنة، تفقد تدريجيًا الميزة التي جعلتك رابحًا: حرية اختيار التوقيت.

وهذا ما بدأ يظهر على الأرض السورية. تركيا باتت في احتكاك مباشر مع إسرائيل هناك. في ربيع 2025 قصفت إسرائيل قواعد جوية سورية، منها قاعدة “تي فور”، وسط تقارير عن خطط تركية لنشر قوات فيها، ثم عُقدت محادثات تقنية بين الطرفين لتجنب الصدام. الدولة التي قطفت ثمرة انهيار المحور ورثت، بفعل ذلك القطف، جزءًا من موقع الخصم الذي أزاحته: جارًا لإسرائيل على جبهة لم تُحسم.

السؤال الذي تتركه الذكرى الثالثة مفتوحًا ليس مَن ربح ومَن خسر، فذلك صار أوضح مما كان. السؤال هو هل تستطيع أنقرة أن تحتفظ بقرار إنهاء صبرها بعد أن صارت داخل الميدان، أم أنَّ الإقليم سيُعيدُ عليها الدرس الذي تعلّمه غيرها بكلفة باهظة: أنَّ مَن يدخل الميدان يرث قواعده، وأنَّ التوقيت، في النهاية، يملكه دائمًا مَن بقي خارجه.

↑
Exit mobile version