تحتفل بغداد برحيل قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، فيما ينظر أكراد العراق إلى المشهد بقلق مختلف. بين “داعش” والمسيّرات الإيرانية، يبدأ بعد الانسحاب اختبار أصعب: مَن يملأ الفراغ؟
فلاديمير فان ويلجنبورغ*
في الوقت الذي يحتفل العراق بانتهاء مهمة قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وانسحابها من البلاد، تبدو الصورة مختلفة تمامًا في إقليم كردستان. فهناك، لا يُنظَرُ إلى الانسحاب بوصفه مناسبة للاحتفال بقدر ما يثير القلق مما قد يتركه وراءه من فراغٍ أمني. وتذهب بينار فائق كريم، الباحثة الكردية في مؤسسة “لندن ديالوغ” (London Dialogue)، إلى حد القول إنَّ الأكراد يشعرون بأنَّ المناسبة تستدعي “جنازة لا احتفالًا”.
هذا القلق لا يقتصر على الأوساط البحثية والسياسية. فالقائد العسكري ورجل الأعمال الكردي سيروان بارزاني لا يخفي تشاؤمه حيال القرار. ويقول: “الأمر ليس جيدًا. لكن هذا هو القرار العراقي؛ فقد دعوهم [قوات التحالف] سابقًا، والآن يقولون: حسنًا، لن نحتاج إليكم بعد الآن”.
ولدى بارزاني ما يدفعه إلى القلق. فهو يشير إلى مؤشرات على عودة تحرّكات مسلحي تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) بعد أشهر من تراجع نشاطه، موضِّحًا أنَّ قواته، بالتعاون مع القوات الحكومية العراقية، رصدت أربع أو خمس خلايا تابعة للتنظيم تتحرك بالقرب من قضاء مخمور في محافظة نينوى.
ويقول بارزاني: “إنه تحذير. نحن نعلم ما حدث في عام 2014. والآن، من المؤكد أنه سيكون هناك المزيد من أنشطة الخلايا الإرهابية، ونحن نرى ذلك بوضوح”. لكنه يلفت، في المقابل، إلى فارق أساسي بين الأمس واليوم: القوات العراقية والكردية باتت أفضل تدريبًا واستعدادًا مما كانت عليه عندما اجتاح التنظيم مساحات واسعة من البلاد عام 2014.
وليست ذاكرة ذلك العام بعيدة من العراقيين. فقد تمكن تنظيم “الدولة الإسلامية” آنذاك من السيطرة على نحو ثلث الأراضي العراقية ومساحات شاسعة من سوريا، قبل أن تنجح القوات المحلية، بدعم من التحالف الدولي، في طرده من العراق عام 2017 ومن سوريا عام 2019. وبعد سنوات من تلك الحرب، اتفق المسؤولون الأميركيون والعراقيون عام 2024 على إنهاء مهمة قوات التحالف في العراق بحلول 30 أيلول (سبتمبر) 2026.
بين عودة “داعش” وتصاعد الخطر الإيراني
لكن المفارقة أنَّ “داعش”، على الرغم من المخاوف من عودة نشاطه، ليس التهديد الأكثر إلحاحًا الذي يواجه أكراد العراق اليوم. فالخطر المباشر يأتي من جهة أخرى: الهجمات الإيرانية المستمرة بالطائرات المسيّرة والصواريخ، في ظل الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران.
وتنظر طهران بريبة إلى العلاقة بين واشنطن وأكراد العراق، وسط مخاوف إيرانية من أن يتحول إقليم كردستان إلى قاعدة دعم للأكراد الإيرانيين في أيِّ عمليات تستهدف النظام في طهران. ولم يكن من قبيل المصادفة، في نظر الأكراد، أن يتعرّض في اليوم نفسه الذي شهد انسحاب قوات التحالف مخيم مدني يضم أكرادًا إيرانيين بالقرب من مدينة كويا في إقليم كردستان العراق لضربة بطائرة مسيّرة إيرانية.
ومنذ اندلاع المواجهة التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 شباط (فبراير)، تعرّض إقليم كردستان العراق لنحو ألف هجوم بالطائرات المسيّرة والصواريخ نفذتها إيران وجماعات مسلحة مدعومة منها داخل العراق. وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن 32 شخصًا، بينهم 19 عضوًا في أحزاب كردية إيرانية.
وفي آذار (مارس)، انتشرت شائعات عن استعداد الأكراد الإيرانيين لشنِّ هجومٍ بري داخل إيران بدعم أميركي وإسرائيلي، إلّا أنَّ تلك التوقعات لم تتحوَّل إلى واقع. وفي 27 أيلول (سبتمبر)، أكد المكتب الإعلامي لرئيس وزراء حكومة إقليم كردستان أنَّ الجماعات الكردية الإيرانية “تُراعي” بنود الاتفاق الأمني المُبرَم عام 2023 بين أربيل وبغداد وطهران، والهادف إلى منع الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة من شنِّ هجمات على الدول المجاورة.
غير أنَّ معادلة ضبط السلاح لا تسير في الاتجاه نفسه على الجانب العراقي. فبعدما حدد العراق في البداية 30 أيلول (سبتمبر) موعدًا نهائيًا لنزع سلاح الميليشيات العراقية، عاد وعدّل موقفه تحت ضغط إيراني، مؤجّلًا الموعد إلى 30 حزيران (يونيو) 2027. وبذلك، تبقى الجماعات المدعومة من إيران عامل تهديد مستمر لجيران العراق، وفي الوقت نفسه مصدر خطر مباشر على أربيل.
وهكذا، يجد أكراد العراق أنفسهم أمام مفارقة أمنية معقدة: قوات التحالف تغادر في اللحظة التي تظهر فيها مؤشرات إلى تحرك خلايا “داعش” مجددًا، فيما تتصاعد الهجمات الإيرانية وتبقى الجماعات المسلحة الموالية لطهران حاضرة على الأرض. ومن هنا، يبدو الانسحاب في أربيل مختلفًا تمامًا عما يبدو عليه في بغداد: نهاية مرحلة بالنسبة إلى الحكومة العراقية، لكنه بالنسبة إلى الأكراد قد يكون بداية مرحلة أكثر غموضًا.
غير أنَّ المشكلة لا تقتصر على مصدر التهديد الخارجي، بل تمتدُّ إلى قدرة بغداد نفسها على ضبط الجماعات المسلحة التي تتحرّك من داخل العراق. فالعقيد المتقاعد في الجيش الأميركي مايلز ب. كاغينز، المتحدث السابق باسم التحالف الدولي، يرى أنَّ الخطر الداخلي الأبرز يتمثل في الميليشيات الخارجة عن سيطرة الدولة والمرتبطة بإيران.
ويقول كاغينز إنَّ هذه الجماعات شنت خلال العام الحالي أكثر من 800 هجوم على إقليم كردستان العراق ودول الجوار، معتبرًا أنَّ الحكومة المركزية تواجه تحديًا كبيرًا في فرض سلطتها عليها، خصوصًا مع استخدامها الطائرات المسيّرة من دون أن تواجه عواقب جدية.
معضلة السلاح: مَن يحمي أجواء كردستان؟
تعيد هذه الثغرة إلى الواجهة مسألة الدفاع الجوي، التي باتت بالنسبة إلى الأكراد أكثر إلحاحًا مع انسحاب قوات التحالف. فسيروان بارزاني يشدد على ضرورة تزويد إقليم كردستان بأنظمة قادرة على مواجهة الهجمات الجوية، مع إقراره بأنَّ المشكلة عراقية عامة وليست كردية فحسب. ويقول: “في النهاية، هذا هو المجال الجوي العراقي. وحتى العراق لا يمتلك ما يكفي من أنظمة الدفاع الجوي؛ إذ يعاني من ضعف شديد في هذا الجانب. لذا، نأمل أنه عند توفير مثل هذه الأنظمة، أن يتم توفيرها لإقليم كردستان أيضًا”.
ولا يبدو أنَّ الحاجة إلى هذه الأنظمة ستتراجع قريبًا. فالسفير جوي هود، القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى سابقًا والذي خدم أيضًا في العراق، يستبعد توقف الهجمات الإيرانية في أنحاء الشرق الأوسط، بما فيها تلك التي تستهدف إقليم كردستان. فطهران، بحسب هود، لا تستهدف القوات الأميركية وحدها، بل توسع مفهوم “المصالح الأميركية” ليشمل أهدافًا أخرى في المنطقة.
ويقول: “بهذه الطريقة يُبرّرون لأنفسهم ضرب محطة كهرباء في إقليم كردستان أو محطة لتحلية المياه في الكويت”. ومن هنا، يرى أنَّ على الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة الإقليم في أربيل أن تتحرّكا سريعًا، بالتعاون مع شركاء مثل الولايات المتحدة، للحصول على أنظمة دفاع جوي ونشرها لمواجهة هذا النوع من الهجمات.
الواقع أنَّ استهداف إقليم كردستان لم يبدأ مع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. فمنذ ما قبلها، دأبت إيران والجماعات العراقية المدعومة منها على استهداف أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية، فضلًا عن حقول النفط والغاز في الإقليم، بل ورجال أعمال أكراد.
ومن أبرز تلك الهجمات الضربة الصاروخية الباليستية الإيرانية التي وقعت في 16 كانون الثاني (يناير) 2024 وأدت إلى مقتل الملياردير الكردي بيشرو دزيي وابنته البالغة من العمر 11 شهرًا. وبررت طهران الهجوم بالقول إنها استهدفت “مقر تجسس” إسرائيليًا، وهي رواية وُصفت بأنها ملفقة.
بعد الأميركيين… اختبار الدولة العراقية
لكن انسحاب التحالف يستند، في المقابل، إلى تقدير مختلف لقدرات القوات العراقية. ففي 30 أيلول (سبتمبر)، أعلن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، أنَّ قوات الأمن العراقية، بما فيها قوات البيشمركة الكردية، باتت تمتلك “القدرة والقيادة والاستقلالية العملياتية لإدارة التهديدات التي تواجه وطنها بشكل منفرد”.
السؤال، مع ذلك، لا يتعلق بالقدرة العسكرية وحدها، بل أيضًا بالإرادة السياسية وبطبيعة العلاقة بين بغداد وأربيل. فقد عبّر أحد المخططين السابقين في القيادة المركزية الأميركية عن خشيته من ألّا تُبدي الحكومة في بغداد، “للأسف”، اهتمامًا كبيرًا بما يحدث من عمليات توغّل في المناطق الكردية. وإذا صح هذا التقدير، فإنَّ الأكراد سيجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة: الاعتماد بدرجة أكبر على قدراتهم الذاتية، وفي الوقت نفسه على علاقتهم بالحكومة المركزية في بغداد.
وفي اليوم نفسه، سعى رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني إلى توجيه رسالة معاكسة إلى خصوم الإقليم، محذّرًا “الأعداء” من الاعتقاد بأنَّ انسحاب التحالف جعله أكثر عُرضةً للخطر. وقال: “نؤكد لكم أنَّ القوات العراقية تتمتع الآن بقدرات أكبر مما كانت عليه في السابق، في حين تُعد قوات البيشمركة قوة قوية وجاهزة وقادرة على التصدي لأيِّ نوع من التهديدات التي قد تطال إقليم كردستان”.
لكن داخل الأوساط التي عملت مباشرة مع قوات البيشمركة، لا يخلو الموقف من القلق. فقد وصف مسؤول في التحالف كان يُقدّم المشورة للقوات الكردية رحيل التحالف بأنه أمرٌ “مؤسف للغاية”، معتبرًا أنَّ الحفاظ على وجود ميداني كان مفيدًا لمراقبة جهود مكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية” وضمان استمرار المساعدة العسكرية، ولا سيما أنَّ إقليم كردستان يحتل موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.
مع ذلك، يرى المسؤول نفسه أنَّ مرحلة جديدة قد بدأت، وأنَّ على وزارة البيشمركة أن تتحمّل مسؤولية أكبر بنفسها. ويقول إنَّ القوات الكردية أتيحت لها فرص واسعة لبناء قدراتها، وإنَّ على الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي أن يصبح قادرًا على الوقوف بقوته الذاتية، مع تنحية المصالح الفردية جانبًا، خصوصًا في ظلِّ توافر إيرادات كافية. وبعبارة أخرى، فإنَّ انسحاب التحالف لا يختبر قدرة البيشمركة العسكرية فحسب، بل يختبر أيضًا قدرة المؤسسات الكردية على تجاوز انقساماتها وتحويل الموارد المتاحة إلى قوة أمنية مستدامة.
وستكشف المرحلة المقبلة مدى واقعية هذه التقديرات. إلّا أنَّ مشهدًا رمزيًا رافق اكتمال الانسحاب قد يكون أكثر دلالة على ما ينتظر أكراد العراق. فقد شارك رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في المراسم التي أقيمت في بغداد بمناسبة انتهاء مهمة التحالف، وشدد هناك على أهمية اعتماد العراق على قدراته الذاتية.
وراء هذه الرسالة تحوّلٌ أعمق. فمع تراجع الحضور العسكري الخارجي، لن يكون أمام إقليم كردستان سوى تعزيز قدراته الذاتية من جهة، وتعميق اعتماده على الدولة العراقية من جهة أخرى. والمفارقة أنَّ انسحابًا يُفتَرَض أنه ينهي مرحلة من الاعتماد على الخارج قد يدفع أربيل وبغداد إلى قدر أكبر من الاعتماد المتبادل.
قد تكون هذه هي الدلالة الأبعد لما يجري. فالمسألة لا تتعلق فقط بما إذا كانت البيشمركة قادرة على مواجهة “داعش”، أو ما إذا كان العراق سيتمكن من التصدي للمسيّرات الإيرانية. إنها تتعلق أيضًا بما إذا كان انسحاب التحالف سيفتح مرحلة تصبح فيها الحكومة المركزية، بل الدولة العراقية نفسها، أكثر حضورًا في حماية جميع أراضيها ومواطنيها.
عندها، قد لا يكون السؤال الحقيقي بعد رحيل التحالف هو: مَن سيملأ الفراغ الذي تركه الأميركيون؟ بل هل تستطيع الدولة العراقية نفسها أن تملأه؟
- فلاديمير فان ويلجنبورغ هو صحافي وكاتب هولندي يكتب بشكل أساسي عن كردستان العراق.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
