البرازيل… الحلقة الأضعف في حرب واشنطن على “حزب الله”

بينما تنظر برازيليا إلى “حزب الله” بوصفه قضية شرق أوسطية، ترى واشنطن أن البرازيل أصبحت إحدى أهم ساحات المواجهة مع شبكاته المالية واللوجستية. وبين المقاربتين، تتسع فجوة أمنية تتجاوز حدود أميركا اللاتينية.

“حزب الله” في أميركا اللاتينية: من التمويل إلى التجنيد… تحقيقات تتجاوز حدود دولة واحدة.

محمد زين الدين*

في الوقت الذي تركز فيه أنظار العالم على الشرق الأوسط، تخوض الولايات المتحدة معركة مختلفة ضد شبكات يُشتبه في ارتباطها بـ”حزب الله” في أميركا اللاتينية، بينما لا تزال البرازيل تتعامل مع الملف بوصفه قضية أمنية محلية أكثر منه تهديدًا إرهابيًا عابرًا للحدود. غير أنَّ هذا التصوُّر ظلَّ محل جدل متزايد خلال السنوات الأخيرة، في ظل تصاعد التحذيرات الأميركية والإسرائيلية بشأن اتساع الشبكات المالية واللوجستية المرتبطة بالحزب في أميركا اللاتينية، ولا سيما في منطقة الحدود الثلاثية التي تلتقي فيها البرازيل وباراغواي والأرجنتين.

وتُعد منطقة الحدود الثلاثية، التي تضمُّ جالية لبنانية كبيرة ونشاطًا تجاريًا كثيفًا، إحدى أكثر المناطق التي استقطبت اهتمام أجهزة الاستخبارات الغربية منذ تسعينيات القرن الماضي. وبينما تؤكد الحكومات الثلاث أنها تكافح الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ترى واشنطن أنَّ البيئة التي تتسم بضعف الرقابة الحدودية وتداخل شبكات التهريب وفرت على مدى عقود مساحة مواتية لعمل ممولين وميسرّين مرتبطين بـ”حزب الله”. وتشير تقديرات متداولة في الأوساط الأمنية إلى أنَّ هذه الشبكات تؤمّن للحزب عشرات، وربما مئات، ملايين الدولارات سنويًا عبر أنشطة غير مشروعة وأخرى تجارية تبدو قانونية في ظاهرها.

ووفقًا لوزارة الخارجية الأميركية، تعتمد هذه الشبكات على مزيج من غسل الأموال القائم على التجارة، والاتجار بالمخدرات، وتهريب السجائر والفحم والنفط، وتزوير الوثائق والعملات، إلى جانب استثمارات في قطاعات الاستيراد والتصدير والبناء والعقارات. وفي أيار (مايو) 2025، أعاد برنامج “المكافآت من أجل العدالة” التابع للخارجية الأميركية تسليط الضوء على هذه الأنشطة، معلنًا مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى تعطيل البنية المالية للحزب في منطقة الحدود الثلاثية، في مؤشر إلى أنَّ واشنطن باتت تنظر إلى أميركا اللاتينية باعتبارها إحدى الساحات المهمة في جهودها لتجفيف مصادر تمويل التنظيم.

ورغم أنَّ الولايات المتحدة دأبت منذ سنوات على التحذير من هذا الوجود، فإنَّ الاستجابة البرازيلية ظلت محدودة نسبيًا. ففي عام 2006 فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على شبكة رجل الأعمال اللبناني أسعد أحمد بركات، متهمةً إياها بتوفير الدعم المالي لـ”حزب الله”. لكن التحوُّل الأبرز في الموقف البرازيلي جاء بعد هجوم “حماس” على إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، حين كثفت الأجهزة الأمنية تعاونها مع شركائها الدوليين لملاحقة شبكات يُشتبه في ارتباطها بالحزب.

من الجريمة المنظمة إلى هاجس الإرهاب

وفي هذا السياق، أطلقت الشرطة الفيدرالية البرازيلية عملية “ترابيشي”  (Operation Trapiche)، بالتنسيق مع أجهزة أمنية أجنبية، بينها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) وجهاز الموساد الإسرائيلي. وأسفرت العملية عن تنفيذ مذكرات توقيف وعمليات تفتيش في ساو باولو وبرازيليا وولاية ميناس جيرايس، وكشفت، بحسب السلطات البرازيلية، عن شبكة يشتبه في أنها عملت على تجنيد برازيليين وإرسال بعضهم إلى لبنان، حيث تلقوا تدريبات وتكليفات مرتبطة بالتخطيط لهجمات ضد أهداف يهودية وإسرائيلية داخل البرازيل، من بينها معابد يهودية والسفارة الإسرائيلية في برازيليا. وقد أعلنت الشرطة أن بعض المجنّدين أجروا بالفعل عمليات استطلاع ورصد لتلك المواقع قبل إحباط المخطط.

وفي بياناتها الرسمية، شددت الشرطة الفيدرالية على أنَّ التحقيقات استهدفت أفرادًا يشتبه في ارتكابهم جرائم محددة، مثل التجنيد وتمويل أنشطة غير مشروعة والتآمر لارتكاب أعمال عنف، مؤكدة أنَّ الإجراءات استندت إلى أدلة جنائية جُمعت خلال التحقيقات، وليس إلى الانتماءات السياسية أو الدينية للمشتبه بهم.

هذه القضية أعادت فتح النقاش داخل البرازيل حول ما إذا كان وجود “حزب الله” في البلاد يقتصر على النشاط المالي وجمع التبرعات، أم أنه تطور ليشمل إنشاء بنية عملياتية قادرة على تنفيذ هجمات داخل الأراضي البرازيلية. كما سلطت الضوء على التباين المستمر بين المقاربة البرازيلية، التي تميل إلى التعامل مع الملف من منظور الجريمة المنظمة، والمقاربة الأميركية التي تصنفه ضمن أولويات مكافحة الإرهاب الدولي.

وسّعت عملية “ترابيشي”، التي واصلت السلطات البرازيلية تنفيذها خلال عام 2024، نطاق التحقيقات لتشمل مسارات التمويل التي يُشتبه في استخدامها لدعم أنشطة مرتبطة بـ”حزب الله”. وأعلنت الشرطة الفيدرالية توقيف مشتبه به احترازيًا، وتنفيذ سلسلة مداهمات في مدن “بيلو هوريزونتي” و”أوبرلانديا” و”كونتاجم” وساو باولو وبرازيليا، في إطار تحقيقات استهدفت شبكة مالية معقدة يعتقد أنها استخدمت شركات واجهة وحسابات مصرفية ومحافظ للعملات المشفّرة لتحويل الأموال وإخفاء مصادرها.

وبحسب المحققين، استُخدِمَت عائدات أنشطة غير مشروعة، من بينها تهريب السجائر الإلكترونية، في تمويل سفر مجندين إلى الخارج، بينما مرت التحويلات عبر منظومة لغسل الأموال سبق أن كشفتها عملية أخرى عُرفت باسم “كولوسوس”  (Colossus)، وقدرت السلطات حجم الأموال التي دارت عبرها بنحو مليار ريال برازيلي. وتشير وثائق التحقيق إلى أنَّ جُزءًا من هذه الأموال انتهى في محافظ رقمية كانت مدرجة مسبقًا ضمن قوائم المتابعة الخاصة بمتخصصي مكافحة تمويل الإرهاب. وفي حال الإدانة، قد يواجه المتهمون أحكامًا تصل إلى أكثر من 75 عامًا من السجن، إلّا أنَّ السلطات تؤكد أنَّ عددًا من الأشخاص الذين يُعتقد أنهم يقفون وراء إدارة الشبكة ما زالوا خارج نطاق الملاحقة القضائية.

ولم تقتصر نتائج العملية على تتبع التدفقات المالية، بل ألقت الضوء أيضًا على ما وصفته السلطات بمحاولات لتجنيد مواطنين برازيليين، مستفيدةً من علاقات داخل بعض المراكز والجمعيات التابعة للجالية الشيعية. ووفقًا لملفات التحقيق، يشتبه في استخدام بعض هذه المؤسسات غطاءً لأنشطة مرتبطة بالتعبئة الفكرية والدعم اللوجستي، وهي اتهامات تنفيها عادة المؤسسات الدينية والثقافية التي تؤكد أنَّ نشاطها يقتصر على العمل الديني والاجتماعي. وقد أثارت هذه الاتهامات مخاوف متزايدة داخل البرازيل، خصوصًا في ظل وجود جالية يهودية تُعد من أكبر الجاليات في أميركا اللاتينية، إذ ترى الأجهزة الأمنية أن بعض المواقع اليهودية كانت ضمن الأهداف المحتملة للشبكة التي كشفتها التحقيقات.

واشنطن وبرازيليا… خلاف يتجاوز التصنيف

وتأتي هذه التطوّرات في وقت يتزايد فيه التباين بين مواقف دول أميركا اللاتينية إزاء “حزب الله”. فقد أدرجت كل من الأرجنتين وباراغواي وكولومبيا وهندوراس وغواتيمالا الحزب على قوائم التنظيمات الإرهابية، بينما لا تزال البرازيل تمتنع عن اتخاذ خطوة مماثلة، مفضلة التعامل مع أي نشاط غير قانوني من خلال التشريعات الجنائية القائمة، من دون إصدار تصنيف سياسي أو قانوني خاص بالحزب.

وتستند الحكومة البرازيلية إلى مقاربة قانونية ترى أن تصنيف التنظيمات الإرهابية ينبغي أن يستند إلى التشريعات الوطنية أو إلى قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي، وليس إلى قوائم تعتمدها دول بعينها. كما تؤكد برازيليا أنَّ القوانين الجنائية السارية تمنح أجهزة الأمن والقضاء صلاحيات كافية لملاحقة أي نشاط غير مشروع، بصرف النظر عن الخلفية السياسية أو الإيديولوجية للمتورطين.

وترى البرازيل أنَّ هذا النهج ينسجم مع سياستها الخارجية وتطبيقها للقانون، في حين تعتبر الولايات المتحدة وإسرائيل أنَّ غياب هذا التصنيف يحد من قدرة السلطات على ملاحقة الشبكات المرتبطة بالحزب ويمنحها هامشًا أوسع للحركة.

وأصبح هذا التباين أحد أبرز ملفات الخلاف بين برازيليا وواشنطن في مجال التعاون الأمني. ففي الأوساط الأميركية، يتزايد الضغط من أجل ربط التعاون الاقتصادي والتجاري مع البرازيل بإجراءات أكثر تشدّدًا ضد شبكات الحزب في أميركا اللاتينية. ويقترح عدد من المسؤولين السابقين والخبراء في مكافحة الإرهاب توسيع العقوبات المالية لتشمل الشركات الوهمية ومحافظ العملات المشفرة العاملة في منطقة الحدود الثلاثية، إلى جانب إنشاء آلية استخباراتية مشتركة بين الولايات المتحدة والبرازيل لتبادل المعلومات وتعقب شبكات التمويل العابرة للحدود.

ويعزو عدد من الباحثين هذا التباين إلى اختلاف فلسفة السياسة الخارجية في البلدين. فالولايات المتحدة تتبنّى منذ سنوات مقاربة تقوم على توسيع استخدام العقوبات المالية وتصنيف التنظيمات العابرة للحدود ضمن أولويات مكافحة الإرهاب، بينما تميل البرازيل إلى معالجة هذه القضايا من منظور جنائي وقضائي، مع تجنُّب ربطها مباشرةً باستقطابات السياسة الدولية أو بسياسات الشرق الأوسط.

في المقابل، تحرص الحكومة البرازيلية على الفصل بين مكافحة الجريمة المنظمة وبين الانخراط في التصنيفات السياسية التي تعتمدها واشنطن، معتبرة أنَّ إنفاذ القانون يجب أن يستند إلى الأدلة الجنائية لا إلى الاعتبارات الجيوسياسية. إلّا أنَّ استمرار هذا الاختلاف في المقاربتين يعكس تباينًا أعمق في رؤية البلدين لطبيعة التهديد الذي يمثله “حزب الله” في أميركا اللاتينية، ويجعل من منطقة الحدود الثلاثية ساحة مفتوحة لتجاذب أمني وسياسي مرشَّح للاستمرار.

ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت البرازيل ستواصل الفصل بين مكافحة الجريمة المنظمة والتعامل مع “حزب الله”، أم أن الضغوط الأميركية والتطورات الأمنية ستدفعها إلى إعادة النظر في مقاربتها لهذا الملف.

Exit mobile version